شرح العقيدة التدمرية 35

الدرس في شرح العقيدة التدمرية 35، ألقاها

مقدمة في القاعدة السابعة: توافق العقل والنقل

تناول المؤلف القاعدة السابعة التي تشير إلى التوافق بين العقل والنقل، حيث يمكن إدراك كثير مما دل عليه السمع بالعقل أيضًا. القرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه.

استخدام الأدلة السمعية والعقلية في القرآن

القرآن يستخدم الأدلة السمعية والعقلية لإثبات وحدانية الله ونبوة الأنبياء والمعاد. يقدم أمثلة من الآيات القرآنية التي تدل على هذه المعاني وتخاطب العقول بالبراهين.

انتقاد منهج المتكلمين وتأثيره على فهم النبوة والقدر

يناقش المقطع منهج المتكلمين في تقديم العقل على النقل ويبين فساد هذا المنهج وتأثيره على فهم النبوة والقدر. يعرض آراء المعتزلة والجبرية والأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح العقلي والشرعي.

نتائج فساد العقل المستخدم لإثبات النبوة

إذا ثبت فساد العقل الذي يستخدم لإثبات النبوة، دل ذلك على عدم وجود دليل على إثباتها. يجب البحث عن دليل آخر لإثبات النبوة وأخبار النبي، والقرآن يشير إلى أن الوحي الإلهي خال من الاختلاف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة السابعة، أي قال: إن كثيرا مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع، فإنه سبحانه وتعالى بيّن من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه. كما بيّن أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه. بسم الله والحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فأولا هذه القاعدة التي هي القاعدة السابعة من القواعد المذكورة في هذا الكتاب، في كتاب التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعض أو أكثر النسخ لم تذكر هذه القاعدة، ووجدت هذه القاعدة في بعض النسخ. فبعض أهل العلم قال: إن هذه القاعدة ليست أصلا من التدمرية، بمعنى إنما أضيفت من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواطن أخرى. وبعضهم علل ذلك بأن الناظر في هذه القاعدة هي مجموع ما تقدم من المباحث فيما مضى معنا في هذا الكتاب، فإن كثيرا من المباحث قد تقدمت معنا في هذا الكتاب، لذا قالوا ما قالوا. وبعض أهل العلم ذهب إلى أنها قاعدة ثابتة، قالوا: ولعله، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كتبها مؤخرا، أضافها، الحقها، لذا لم تكن في بعض النسخ، ووجدت في بعض النسخ. وهذا هو الأظهر، لأنها قد ثبتت في بعض النسخ، وأيضا الكلام فيها، وإن كان كما ذكر قد يكون مأخوذا من عدة مواضع، إلا أنه كما مر معنا في هذا الكتاب، الشيخ يذكر قاعدة أو كلاما على صورة، ثم يذكره في موضع آخر في صورة أخرى. تارة يبسط، وتارة يختصر، وتارة يذكر إنزاما لم يكن ذكره من قبل، وتارة يعرض مسألة ويشير إليها إشارة. هذا يدل على أن هذه القاعدة لها أصل. ثم إن الناظر في هذه القاعدة يجدها من أقوى القواعد الموجودة في الكتاب، لذا لا يبعد أن يكون شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أضافها مؤخرا، لما فيها من المسائل ولما فيها من الأمور. ومع هذا، ومع هذا وذاك، فإن هذه القاعدة في هذا الكتاب كذلك فيها بعض الأشياء، يعني بعض النقص، وفيها سقط. وهذا السقط يعني حققه المحقق ونبه عليه في مواضع، إلا أن هذا السقط يجعل الإنسان كما يقال في قلق وحذر منها. الكلام من الكلام، وإن كان المحقق جزاه الله خيرا سعى في تحقيقه لهذا الكتاب، أضاف بعض السقط الواقع، وكذلك نبه على بعض الألفاظ التي ذكرت في تلك المخطوطة على وجه، وأن الصواب فيها على وجه آخر. فالحاصل أنها قاعدة من قواعد مذكورة في هذا الكتاب، وهي قواعد كما ترى الكتاب من أوله إلى آخره، قواعد هامة، أو قواعد مهمة، يستفيد منها الطالب، وفيها من التحقيقات والتحريرات ما لا تجدها في مثل هذا الكتاب المختصر. ثانيا، قوله رحمه الله تعالى: القاعدة السابعة، أن يقال: إن كثيرا مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضا. هذه القاعدة كما يقال: الجواب بائن من عنوانه، يريد أن يقرر فيها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح، وأنه لا تناقض بين العقل والنقل، بل كثيرا أو بل كثيرا مما جاء به النقل يوافقه العقل ويقرره العقل. قال رحمه الله: والقرآن يبين ما يستدل به العقل، أي أن القرآن يبين الطريقة العقلية الصحيحة التي بها يستطيع العقل أن يتوح إلى معرفة مراد الله جل وعلا. فإذا النقل الشرعي يدل العقل على الدلالة الصحيحة التي بها يستطيع أن يدرك مراد الله جل وعلا. قال شيخ الإسلام: والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه، أي أن الله جل وعلا خاطب العقول، وبين للعقول أشياء تدركها العقول، بها صارت العقول مصدقة ومقرة ومؤمنة بإخبارات الله جل وعلا، لماذا؟ لأنها أدركت الحق المبين الذي لا يندفع، والذي لا ريب فيه ولا شك. قال رحمه الله تعالى: كما ذكر الله ذلك في غير موضع، الله جل وعلا في غير موضع ينبه على أنه يريد من العقل أن يدرك عن الله. أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون، أفلا يتذكرون، وما شابه ذلك. هذه خطاب لمن لهذه العقول، بأن تدرك عن الله جل وعلا مراده. قال رحمه الله: فإنه سبحانه وتعالى بيّن من الآيات الدالة عليه، وقوله: من الآيات الدالة عليه، يحتمل أنه أراد رحمه الله تعالى الآيات الكونية، ويحتمل أن يكون أراد رحمه الله تعالى ها هنا بالآيات الآيات القرآنية. وسياق الكلام وسباقه يدل على الأخير، سياق الكلام وسباقه يدل على أنه أراد بالآيات الآيات القرآنية. لأنه قال: والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع، كما ذكر الله أي في كتابه في غير موضع، ثم قال: فإنه، وهذا تعليل وإخبار، تعليل لما ذكر. فإنه سبحانه وتعالى بيّن من الآيات الدالة عليه، أي في كتابه، بيّن الله جل وعلا من الآيات الدالة عليه، خاطب العباد بهذه الآيات الدالة عليه. كقول الله جل وعلا مثلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾، هذا دليل سمعي، وهو كذلك دليل عقلي واضح. هل خلقوا من غير شيء؟ الجواب: لا. أم خلقوا أنفسهم؟ الجواب: لا. إذا من خلقهم؟ خلقهم ربنا جل وعلا، لذا قائم الآيات الدالة عليه، أي على كونه الخالق، وحده سبحانه وتعالى، والرب وحده، والموجد وحده سبحانه وتعالى، وأنه المستحق لعبادة وحده لا شريك له. خلق، أي ضمن الآيات إخبارات الله جل وعلا عن خلق السماوات والأرض والشمس والقمر، آيات جعلهم الله جل وعلا جعل هذه الآيات آيات دالة عليه. شمس وقمر، وليل ونهار، ينسدخ هذا ويظهر ذاك، وينسدخ ذاك ويظهر هذا، بانتظام عجيب، يدل على أنه لهذا الكون موجد، ينظم هذا الكون بنظام عجيب عظيم، يدل على عظمته، وعلى أنه رب العالمين. أيضا من الأدلة كذلك على هذا المعنى أدلة كثيرة، وفيما ذكر كفاية. قال: وعلى وحدانيته، الله جل وعلا كذلك في كتابه الكريم ذكر أدلة كثيرة، هي سمعية، ولكن في ضمنها يخاطب العقول. قال الله جل وعلا على سبيل المثال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى آخر الآيات. ها هنا خطاب، لماذا؟ الله جل وعلا يقول لهم: يخاطبهم، إذا كان الله جل وعلا هو الذي خلقكم ورزقكم وأمدكم بعون منه وتوفيق، وأمدكم برزق منه، وأمدكم بفضل منه سبحانه وتعالى، ألا يكون هو وحده المستحق للعبادة وحده؟ نعم، هذه ثمرة، وهذا من خطاب عقلي، الذي فيه تشغيل للعقول، لأجل أن تدرك عن الله جل وعلا مراده. كذلك من مثال ذلك قول الله جل وعلا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، واضح. هذا دليل قرآني سمعي، وهو متضمن لدلالة عقلية، لو كان فيهما آلهة إلا الله، لماذا؟ لفسدتا. مستحيل أن يكون في العالم إلهين، لو كان فيهما إلهين للزم من ذلك ما يفسد نظام هذا العالم، فكون العالم يمشي على نظام محكم، يدل على أنه ربه واحد، وعلى أن إلهه واحد. أيضا قول الله جل وعلا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَتَعَدَّى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، واضح. هذا من خطاب العقول بالسمع، لأجل أن تدرك عن الله جل وعلا مراده. فإذن هذه من الأدلة السمعية العقلية التي تدل على وحدانية الله جل وعلا. أيضا في قوله: وقدرته وعلمه وغير ذلك، وهذه أدلة، هذا أكثر من أن تحصى، أكثر من أن تحصى. فكل آية فيها إخبار عن قدرة الله، إما باعتبار الخلق، أو باعتبار الرزق، أو باعتبار إيجاد الموت، أو ما شابه ذلك، تدل على القدرة وعلى العلم. قال الله جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، يدل على علم، لأن الله جل وعلا أوجدهم بقدرته سبحانه وتعالى. إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن فيكون. فالله جل وعلا على كل شيء قدير، كما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه بأنه على كل شيء قدير. قال رحمه الله: وعلمه، قال: وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك، ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه. قال: كما بيّن أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، على نبوة أنبيائه، أي القرآن سمعي، وكذلك دل السمع، فخاطب العقول بالبراهين التي جاء بها السمع على صحة نبوة الأنبياء. من هذه الآيات التي فيها هذا المعنى ما يخبر الله جل وعلا به في كتابه الكريم عن الأنبياء وعن قومهم، وعن العاقبة الحميدة التي تكون للأنبياء وأتباعهم، والعاقبة السيئة التي تكون لأعداء الأنبياء. أيضا ما بعث الله جل وعلا به من الآيات الكونية، وكذا الآيات الشرعية لبعض الأنبياء، كآيات معجزة، تدل على نبوة أنبيائه. فمثلا، ابدأ من نوح عليه السلام، سفينة في رأس الجبل، كلما مر عليه قوم، كلما مر عليه ملأ من قوم، ساخروا منه، يعملون سفينة فوق الجبل، من سيأتيك؟ كيف سيأتيك البحر؟ ما هي إلا أيام، فإذا بالطوفان قد حصل، وإذا السفينة تمشي على الماء، هذه آية من آيات الله. انظر إلى قصة هود، قصة صالح، قصة الناقة، قصة موسى عليه السلام، الآيات التي أنزل الله جل وعلا، وأجراها الله أو جعلها الله جل وعلا لموسى. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، تسع آيات، آتاه هذا عند ما حصل بينه وبين فرعون. الحاصل من هذا: آيات أخبرنا الله جل وعلا بها عن أنبيائه، تدل على نبوة أنبيائه، وعلى صحة نبوة أنبيائه، نقلية، وكذلك عقلية. قال: وما دل على المعاد وإمكانه، أي كذلك أخبرنا الله جل وعلا عن المعاد، أن الإنسان سيعود كما بدأكم تعودون. وكما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. هذه طريقة سمعية، وهي كذلك عقلية. إن كنتم في ريب من البعث، أي كنتم في شك من البعث، فالله جل وعلا يقول: فإنا خلقناكم من تراب، فالذي خلقكم من تراب، لا يستطيع أن يخلقكم مرة أخرى، وأن يعيدكم مرة أخرى؟ نعم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم أيضا عن ذلك: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وأخبر ربنا جل وعلا أيضا عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. إذن ذبح الطيور، وجعل في كل جبل جزءا، دعاهم، أعادهم الله جل وعلا أحياء. الشاهد من هذا: أن في القرآن ما يخبر عن هذا المعنى. قال: أن يحيي هذه الله بعد موتها، هنا استغراب: كيف تصور هذا؟ واضح. فأخبر الله كيف يكون الأمر: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، فلما تبين له: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. والقرآن مليء بهذا، والقرآن مليء بهذا الأسلوب، بهذه الطريقة. قال رحمه الله: فهذه المطالب هي شرعية من جهتين، من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه بيّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها. والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. قال: وهي أيضا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضا. طيب، قوله رحمه الله تعالى: فهذه المطالب، أي الأصول التي ذكرها، من الدلالة على وجود الله، وعلى وحدانيته، وعلى قدرته وعلمه، وكذلك على نبوة أنبيائه، وعلى المعاد، وغير ذلك من الأمور التي أخبر الله جل وعلا بها في كتابه الكريم. يقول شيخ الإسلام: فهذه المطالب هي شرعية من جهتين، هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، أي أن الله جل وعلا أخبر بها، فهي شرعية. قال: ومن جهة أنه بيّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها، بيّن الأدلة، أي في القرآن. القرآن كما ذكر، كما ذكر رحمه الله تعالى دليل، وكذلك أرشد إلى الدليل. فهو باعتبار أول، هو باعتبار إخباره، هذه الطريقة الأولى، والوجه الأول. الطريقة الثانية: بكونه أرشد العقل إلى كيفية الاستدلال. قال: والأمثال المضروبة في القرآن، ضرب الله مثلا، وما شابه ذلك. هذه يقول: الأمثلة المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، أقيسة يذكرها الله جل وعلا للعقل، لأجل أن يلحق المتماثلات بعضها ببعض، ويفرق بين المختلفات. قال رحمه الله تعالى: وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، لأن هذا الكتاب كما ذكرنا، إنما شيخ الإسلام رحمه الله أراد إيراد قواعد عامة جامعة، ولم يرد البسط. ثم قال: وهي أيضا، أي هذه المطالب المذكورة شرعية من جهتين، وهي عقلية، أي من جهة واحدة، من جهة واحدة. وهي قال: وهي أيضا عقلية من جهتها أنها تعلم بالعقل أيضا. إذن هذه الأشياء هي شرعية من جهتين، وهي عقلية من جهة واحدة. ما هي هذه الجهة؟ قال: أنها تدرك بالعقل، أنها تدرك بالعقل. إذن المطالب الشرعية الكبيرة هذه، كما ذكر شيخ الإسلام، باعتبار الشرع لها جهتين، وباعتبار العقل تعلم من جهة واحدة. قال رحمه الله تعالى: وكثير من أهل الكلام يسمي هذه الأصول العقلية لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط، فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق، وخبر الصادق الذي هو النبي لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل. الآن يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يبين شيخ الإسلام فساد طريق المتكلمين في هذا الباب. فالمتكلمون في هذا الباب يقولون كما ذكر رحمه الله: إنهم يسمون هذه الأصول عقلية، وكما يقال: وسبق الجواب بائن من عنوانه، ما معنى الأصول عقلية؟ بمعنى أنها لا تدرك إلا بالعقل، لا تدرك إلا بالعقل. لماذا لا تدرك إلا بالعقل؟ ما تدرك بالخبر. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط. إذن هي عقلية محضة، الأصول المذكورة هي عقلية محضة، ليس للسمع دخل فيها. قال: فإن السمع هو مجرد إخبار، هو مجرد إخبار صادق. السمع الذي هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقولون: مجرد إخبار الصادق. قالوا: وقابروا الصادق الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل. واضح، يعني يقولون: لا نتوصل إلى معرفة صدق النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالعقل. ثم قالوا: والنبوة لا تعلم إلا بالعقل. إذا كانت النبوة لا تعلم إلا بالعقل، فإذا الخبر الذي جاء به النبي، إذا لا يعلم إلا بالعقل. فما وافقه العقل فهو الحق، وما خالفه العقل فهو مردود، لماذا؟ لأنه الأصل الذي عرف به صدق الصادق. واضح، والأصل لا يتجزأ، إنما يتوزع غير هذا الأصل. هكذا توصل إلى هذا الأمر. فإذن جعلوا الأصل في هذه الأمور التي هي أصول الدين، كما يلقبها من يلقبها، يعني وحدانية الله، وجود الله جل وعلا، علمه، قدرته، الصفات، باب الصفات، باب المعاد، باب النبوة، هذه الأصول كلها، جعلوا الأصل فيها ما هو في معرفتها العقل. فإن عارض العقل السمع، فالقول قول العقل، لماذا؟ لأن العقل هو الذي توصل به إلى معرفة صحة ذلك النقل. واضح، لهذا هو أصل شبهة هؤلاء في تقديم العقل على النقل. ثم انظر إلى فروع هذا التقعيد الفاسد، انظر إلى فروع هذا التقعيد الفاسد، وما كما يقال: بني على فساد، فهو فاسد. ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها، يعني بعد أن أثبتوا هذا الأصل، أن العقل هو الحاكم، يختلفون في الأصول: ما هي الأصول التي بها نستطيع إثبات النبوة؟ واضح. أصل أولا، يعني كما يقال: أحكم أولا، ثم استدل على ذلك الحكم ثانيا. واضح، هذه طريقة أهل الأهواء: أولا يحكم، ثم يستدل على ما خرج به من ذلك الحكم. فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك. ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل. يعني أولا، يعني هذا أول موضع من المواضع التي نبه عليها المحقق، وهو في قوله: ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل. الصواب أن يقال: كما ذكر في الحاشية، ذكرها المعلق: أن الأصوب أن يقال: ويجعلون التكذيب بالقدر مما يقتضيه أو يثبته العقل. هذا هو الصواب، لأن هؤلاء، هذا القول: القول المعتزلة، والمعتزلة قدرية، والقدرية نفات القدر، يكذبون بالقدر. فحاصلهم: أن هؤلاء من يقول: تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه، يقول: هذا أصل، هذا أصل لا بد من إثباته. لو لا هذا الأصل لما ثبتت النبوة. ما معنى تحسين العقل وتقبيحه؟ معناه وخلاصته: أن ما رآه العقل حسنا فهو حسن، وما رآه العقل قبيحا فهو قبيح. الشرع يا جماعة، قالوا: لا عبرة بالشرع، بل العبرة بالعقل. فما كان حسنا في العقل فهو الحسن، وما كان قبيحا في العقل فهو القبيح. وهم الذين يلقبون أو سموا، سموا هذه المسألة بسببهم: مسألة التحسين والتقبيح العقلي. تحسين وتقبيح عقلي، لأنه مرد التحسين والتقبيح إلى العقل. طائفة ثانية، طائفة ثانية من الجبرية، ومن المتأخرين الأشاعرة، وهم جبرية، قالوا: بالتحسين والتقبيح الشرعي. هؤلاء: عقلي، هؤلاء: شرعي. ما معنى الشرعي؟ بمعنى أن العقل لا يدرك الحسن ولا القبيح، العقل عاجز، عاجز لا يفهم، لا يميز بين القبيح وبين الحسن. فيقول: كل ما أثبته الشرع فهو حسن، وكل ما نفاه الشرع فهو قبيح. حتى قال قائلهم، أو قالت جماعتهم: قالوا: حتى إن الله جل وعلا لو عذب الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، والملائكة والصالحين، وأدخل إبليس وجنوده وأصحابهم في الجنة، لكان هذا حسن. لو فعله الله لكان حسنا. لو أدخل الأنبياء وأتباع الأنبياء والملائكة أدخلهم النار، وأدخل إبليس وجنود إبليس وأتباع إبليس الجنة، لكان هذا الفعل: الفعل حسن. إذن يا جماعة: بين الطرفين، الحق بين هؤلاء وهؤلاء، وهو أن العقل يدرك الحسن والقبح، والعقل يدرك الحسن والقبح، والشرع كذلك أخبر بما هو حسن وبما هو قبيح. فالعقل يدرك هذه الأشياء إدراكا كليا، وفي بعض الأشياء قد يكون إدراكا جزئيا، كإدراك أن الظلم قبيح، وأن الفساد قبيح، وأن العدل حسن، وأن كذلك البر والخير حسن، وما شابه هذا إجمالا. العقل يدل عليها، وتفصيلا هي شرعية. إذا شرعية عقلية، بس التحسين والتقبيح عند أهل السنة والجماعة: شرعية عقلية. هذا باعتبار جملة، وهناك بعض تفاصيل، وهي باعتبار الثواب الخاص، باعتبار إخبارات الله جل وعلا، باعتبار الثواب الخاص أو العقاب الخاص، هذا إنما هو شرعي، لأنه معتمد على النقل. واضح، معتمد على النقل. إن كان العقل يدرك ذلك جملة، أما التفصيل فهو مرده إلى النقل. وهذا مبحث من المباحث المذكورة، وهو مبحث كبير طويل عريض، تكلم عليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة من كتبه. وشاهدنا من هذا: أن هذا الأمر، وهذا الأصل، جعله المعتزلة أصلا، لو لا هذا الأصل لما صحت النبوة، ولا ثبتت النبوة. وفي المقابل يقول: ويجعله التكذيب بالقدر مما يقتضيه أو يوجبه العقل، مما يوجبه العقل. وما كان وما يلزم للباطل فهو باطل. فإذا كان يلزم من إثبات التحسين والتقبيح العقلي نفي القدر، والتكذيب بالقدر، والتكذيب بالقدر ثابت شرعا وعقلا، هذا يدل على فساد هذه القاعدة. واضح، يدل على فساد هذا العقل، وعلى فساد هذا الأصل. فإذا دل على فساد هذا العقل، وعلى هذا الأصل، دل على أنهم ليس عندهم دليل على إثبات النبوة. واضح، إذا يقال لهم: ابحثوا لكم عن دليل آخر تثبتون به النبوة، وتثبتون به بعد ذلك أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به. واضح، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. نكتفي بهذا القدر. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على