الجواب الكافي 71

الدرس في الجواب الكافي 71، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الذنوب ميراث عن الأمم المهلكة

يوضح هذا المحور أن كل معصية يرتكبها المسلم تعتبر ميراثاً عن أمة سابقة أهلكها الله كقوم لوط وشعيب، مستدلاً بأقوال ابن القيم والنصوص الشرعية. ويحذر من التشبه بأعداء الله بارتكاب هذه الذنوب المورثة عن الأمم المهلكة.

التشبه بأعداء الله في الأخلاق والذنوب

يتناول المحور التحذير من التشبه بأعداء الله كقوم شعيب في التطفيف وفرعون في العلو واليهود في الغدر، مستدلاً بأثر مالك بن دينار وحديث التشبه. ويبين أن ذل الأمة سببه المعاصي والتشبه بالكافرين في أخلاقهم وأفعالهم.

العزة بالإسلام وخطر التشبه بالكفار

يشرح هذا المحور أن ذل الأمة ناتج عن ترك دينها وتقليد اليهود والنصارى، مؤكداً أن العزة الحقيقية بالاعتصام بالإسلام وطاعة الله ورسوله. ويفرق بين التشبه في الكفر الذي يعد كفراً والتشبه في غيره الذي يسلك بصاحبه طريقهم.

ختام الدرس والدعاء بالخاتمة الحسنة

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء للعافية والسلامة، مشيراً إلى مواصلة الدروس في لقاء قادم إن شاء الله. ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومنها أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل. فاللوطية ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم شعيب، والعلو في الأرض بالفساد ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود. فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله. قد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: «أن قل لقومك: لا يدخلوا مداخل أعدائي، ولا يلبسوا ملابس أعدائي، ولا يركبوا مراكب أعدائي، ولا يطعموا مطاعم أعدائي، فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي». وفي مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع بعض آثار الذنوب والمعاصي على أصحابها، وبين رحمه الله تعالى أن من هذه الآثار أن الذي يقع في الذنوب والمعاصي فإنما هو يلبس لباس الكافرين من الأمم، لأن هذه المعاصي إنما هي ميراث عن الأمم السابقة. فالأمم السابقة كانت عندهم الذنوب والمعاصي التي وقعوا فيها، فعاقبهم الله جل وعلا؛ عاقب من عاقب منهم بالخسف والمسخ والزلازل، وهكذا عاقب بعضهم بالغرق، وبالحرق، وغير ذلك. فما من ذنب وما من معصية إلا وهي ميراث عن الأمم السابقة، كما ذكر هنا ابن القيم رحمه الله تعالى. وهذا الذي ذكر رحمه الله تعالى قد دلت عليه أدلة الشرع؛ دلت أدلة الشرع أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن القوم إلا هم؟». فأخبر عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها فيما وقعت فيه من الذنوب والمعاصي. فإذا هذه الذنوب والمعاصي الواقعة في الأمة هي من تلك السنن التي كانت عليها تلك الأمم. فما من أحد يقع في ذنب إلا وهو قد وقع فيه شيء وقعت فيه الأمم السابقة. فإذا وقع فيها -أي المعصية- فهو وقع في الذنب، كما كأنه لبس ثياب تلك الأمم التي أهلكها الله جل وعلا. فاللواط ميراث عن قوم لوط. الذي يقع فيه اللواط، اللواط ميراث عن قوم لوط. الله جل وعلا عاقبهم، وجعل عاليها سافلها. واليوم من الأمة من يقع فيه هذه الجريمة، جريمة اللواط. من أين ورث هذا؟ من قوم لوط. لأن هذه الفاحشة أول من وقع فيها قوم لوط، وقعوا في هذه الفاحشة، سنوا هذه السنة السيئة. فمن وقع في اللواط فإنما ورث هذا عن قوم لوط. فبُعث الوارث وبُعث الموروث؛ الموروث: قوم لوط، بُعثوا، وبُعث هذا الوارث الذي ورث هذا الإرث، إرث اللواط. فبُعث الوارث والموروث والإرث. وكذلك ما يتعلق بأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص، هذا ميراث عن قوم شعيب، لأنهم هم الذين سنوا هذه السنة السيئة، وهو التطفيف في الكيل والوزن، حيث بخسوا الناس أشياءهم، كما قال لهم نبيهم شعيب عليه السلام ناهياً لهم عن هذا: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا الْمِيزَانَ﴾، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ في الآية الأخرى. فكانوا إذا وزنوا للناس نقصوا، وإذا وزنوا لأنفسهم زادوا. ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. فالذين يقعون اليوم في التطفيف في الموازين والمكايل، نقول لهم: إنما هذا إرث ورثتموه من قوم شعيب. فبئس السلف الذي اقتديتم بهم، وبئس هذا الميراث الذي ورثتموه، وهو التطفيف في الميزان. وكذلك العلو في الأرض بالفساد، هذا ميراث عن قوم فرعون. ففرعون علَا وتكبر وتجبر. وهكذا من كان معه علو في الأرض فساداً وتكبراً وتجبراً. الذي يتكبر ويتجبر ويتعالى على الناس، نقول لهم: هذا إرث ورثتموه من قوم فرعون. فبئس هذا الميراث، وبئس من ورثتم. وكذلك ما يتعلق بالذنوب الأخرى، فإنما هي موارث كذلك. مثلاً: الغدر والخيانة، ولَبس الحق بالباطل، كل هذا من سنن اليهود. هم أهل المكر، وأهل الخيانة، وأهل الخديعة، وأهل الكذب. فمن يقع في الكذب، ويقع في المكر والخيانة، فإنما يتشبه باليهود ويرث هذا عنهم. وكذلك الشرك والبدع، الشرك والبدع ميراث المشركين الذي خلفوه. فالمشركون عبدوا غير الله جل وعلا، عبدوا الصالحين، وعبدوا الملائكة، وعبدوا المسيح، وعبدوا ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وهكذا عبدوا الأحجار والأشجار. فمن وقع فيما وقعوا فيه فقد ورثهم، ولبس ثيابهم، وتشبه بهم. ثم ذكر رحمه الله تعالى على ذلك هذا الأثر عن مالك بن دينار فيما جاء من أخبار بني إسرائيل، وأن نبياً من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه أن يقول لقومه: «لا تدخلوا مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي». المعنى: لا تتشبهوا بأعداء الله، لا تتشبهوا بأعداء الله، لا في مطعمكم، ولا في مشربكم، ولا في ملبسكم، ولا في مركبكم. لا تتشبهوا بهم لا في طعام، ولا في شراب، ولا في لباس، ولا في مركوب، ولا في غير ذلك، بحيث تتقصدون متابعتهم في ذلك. وإنما الأكل بالحلال الطيب، ولبس اللباس الطيب، وهكذا أكل الطعام الحلال، وركوب المركوب الحلال الذي لا مخالفة فيه، وغير ذلك. فهذه أمور أحلها الله: أحل الطعام، وأحل الشراب الطيب، وأحل اللباس الطيب، وأحل المركوب الطيب، وغير ذلك. اليهود والنصارى وأعداء الله جل وعلا لهم سنن ولهم طرق تخصهم في مثل هذا: في لباسهم، أو في طعامهم، أو في شرابهم، أو في ركوبهم. فلا نتشبه بهم في ذلك، فلا نتشبه بهم في ذلك فيما هو من خصائصهم، فيما هو من خصائصهم. فاليهود والنصارى أحلوا أطعمه وحرموا أطعمه من عند أنفسهم، فلا نتشبه بهم في ذلك، بل نحل ما حله الله، ونحرم ما حرمه الله. وهذا في المطعم والمشرب والملبس. وهذا أن نكون على اقتصاد، لا إسراف ولا تبذير، لا إسراف ولا تبذير، لا إسراف في المطعم والمشرب، ولا إسراف في الملبس والمركوب. لأن الإسراف في هذه الأمور إنما هو من أفعال أعداء الله سبحانه وتعالى. فلذلك علينا أن لا نتشبه بهم في ذلك، في مثل هذا أنه هو من خصائصهم. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك حديث عبد الله بن عمر في مسند الإمام أحمد رحمه الله، فيما جاء: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في الإرواء وغيره. والحديث فيه: أن النبي عليه السلام بيّن أن من تشبه بقوم فهو منهم. وهكذا أن من وقع في الذنوب والمعاصي عاقبه الله جل وعلا بالذل والصغار، الذي يخالف أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، فيعاقبه الله جل وعلا بالذل والصغار. وما صارت الأمة اليوم إلى ما صارت إليه من الضعف والذل والصغار، وتسلط أعداء الإسلام عليها، إلا بسبب الذنوب والمعاصي التي وقعت فيها، وبسبب تشبه هذه الأمة بالأمم الكافرة. كانت عزيزة فصارت ذليلة، لأنها ركنت إلى الدنيا، واتبعت اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع. فلذلك صارت ذليلة ضعيفة. لكن لو اعتزت بدينها، الذي لأجله كان سبب خيريتها، لكانت عزيزة، لكانت عزيزة. فالذل والصغار إنما يصاب به من خالف أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، واعتز بغير ما جعل الله جل وعلا، بغير ما جعل الله جل وعلا سبباً للعز. كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: «كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نبتغي العزة بغيره أذلنا الله». فالعزة بالإسلام، لا عزة إلا بالإسلام. فمن اعتز بدينه، واعتز بإسلامه، فحصل على العزة كانت له العزة. ومن لم يعتز بدينه كانت له الذل والصغار والمذلة. لأن العزة من الله، العزة من الله، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. العزة لله. فإذا كانت العزة لله، وهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فإذا العزة إنما هي من عند الله. فإذا كانت العزة من عند الله جل وعلا، فالله جل وعلا لا يعطي هذه العزة إلا من اعتز بالله جل وعلا، واعتز بدينه. فالله جل وعلا يجعل له العزة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فإذا العزة من الله، وهي لمن اعتز بدين الله جل وعلا. وأما من خالف أمر الله فله الذل والصغار. ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. هذا هو الشاهد الذي أراده ابن القيم رحمه الله من ذكر هذا الحديث. «فمن تشبه بقوم فهو منهم»: يعني على طريقتهم وعلى سنتهم. لا يعني أن يكون كافراً. لا يعني أن يكون كافراً. التشبه بالكفار بالكفر كفر. من تشبه بالمشركين في دعائهم للأموات، ف الاستغاثة بالأموات هذا تشبه بالمشركين، فهو منهم، بمعنى: هو كافر مثلهم. لماذا؟ لأنه كفر بالله كما كفروا. لكن من تشبه بالمشركين في شيء مما ليس به كفر، تشبه بالمشركين مثلاً في قص شعورهم، في قص شعورهم، هذا منهم، بمعنى: على طريقتهم، هو متوعد، فهو على طريقتهم، وليس بكافر، ليس بكافر. وكذلك من تشبه باليهود في شيء مما هو من خصائصهم، مما هو ليس به كفر، فهو منهم، بمعنى: على طريقتهم وعلى سنتهم. فلا يلزم من التشبه أن يكون من تشبه بالمشركين كافراً. لأن المشركين وقعوا في الشرك، ووقعوا في الذنوب والمعاصي، ووقعوا في الشرك، ووقعوا في الذنوب والمعاصي. وهكذا اليهود والنصارى: وقعوا في الكفر، ووقعوا في ذنوب ومعاصي، التحايل على شرع الله وقع فيه اليهود. اليهود وقعوا في تحريف كتاب الله التوراة. اليهود وقعوا في نسبة النقائص إلى الله: قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء. وقالوا: عزير ابن الله. وقالت اليهود: يد الله مغلولة. ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. وقال اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء. فاليهود وقعوا في كفر بالله عز وجل، وقعوا في ذنوب ومعاصي، وقعوا في الكذب، والكذب كبيرة من كبائر الذنوب. وهكذا. فاللسان يحذر من التشبه، يحذر من التشبه بالمشركين. اليوم الأمة -نصر الله العافية- تشبهت بالمشركين في أشياء كثيرة، كثيرة، حتى في إنكار المنكر، حتى في إنكار المنكر. تشبهوا بأعداء الإسلام. أعداء الإسلام لهم طرق في إنكار المنكر، في إنكار المنكر على رؤسائهم وزعمائهم، لهم طرق. الأمة اليوم تشبهت طوائف من الأمة تشبهت بالكفار في هذا، وتركوا الطرق الشرعية التي أمر بها الشرع في إنكار المنكر. ألم نتشبه بالمشركين حين اتخذوا طرقاً لإنكار المنكر، إنما سنها أعداء الإسلام؟ شاءوا أم أبوا، قبلوا هذا أو لم يقبلوا، هذه الحقيقة، هذه الحقيقة. فنسأل الله العافية. والسلام. نكتفي بهذا، ونواصل في درس قادم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً.