مع شهر الله المحرم

الخطبة بعنوان مع شهر الله المحرم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 9 محرم 1434هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

اصطفاء الأنبياء والرسل وفضل الأمة المحمدية

يتحدث الدرس عن اصطفاء الله للأنبياء والرسل وفضل الأمة المحمدية لكونها خير الأمم، مع ذكر الآيات الدالة على ذلك وتميز النبي محمد بكونه خاتم الأنبياء.

حرمة الأشهر الحرم وتعظيمها

يتناول الدرس حرمة الأشهر الحرم ووجوب تعظيمها وتوقيرها، مع الإشارة إلى شهر المحرم وتخصيصه بالذكر.

فضل صيام يوم عاشوراء وأحكامه

يشرح الدرس فضل صيام يوم عاشوراء وأنه يكفر السنة التي قبله، مع بيان استحباب صيامه ومخالفة اليهود في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، يخبر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يصطفي ويختار من خلقه ما يشاء، وليس للعباد إلا الامتثال والرضا. فاصطفى ربنا جل وعلا الرسل والأنبياء، فقال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾. واصطفى الله جل وعلا من بين سائر هؤلاء الأنبياء نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، فجعله خاتم الرسل والأنبياء، وأرسله للناس كافة، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء، وذكر منها فقال: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة». وهكذا اصطفى ربنا سبحانه وتعالى من هذه الأمة المحمدية، فجعلها خير الأمم، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وفي الصحيحين عند سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن الله جل وعلا يقول: «نوح عليه السلام يوم القيامة، يا نوح هل بلغت؟ فيقول نعم يا رب قد بلغت، فيقول الله جل وعلا لقوم نوح هل بلغكم؟ فيقول لما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقول الله جل وعلا لنوح عليه السلام من يشهد لك؟ فيقول نوح محمد وأمته، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: ذلك قول الله جل وعلا ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾». واختار الله جل وعلا من بين سائر الأشهر هذه الأشهر الحرم، فخصها ربنا جل وعلا بمزيد تعظيم وتوكيد حرمة، فقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. ونحن عباد الله في أحد هذه الأشهر الحرم، وهو شهر الله المحرم، الذي خص وأكد بهذا الاسم، وهو شهر الله المحرم، معنى ذلك أن المشركين كانوا يتلاعبون به، فكانوا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا، ويجعلون بدله شهر صفر، وذلك زيادة في الكفر، كما أخبر ربنا جل وعلا في كتابه الكريم بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. وأفضل هذه الأيام، عباد الله، أي أيام شهر الله المحرم، هو يوم عاشر، فكما أن الله جل وعلا خص شهره المحرم بأن الصيام فيه أفضل الصيام بعد صيام رمضان، كما جاء في صحيح مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم». فإن أعظم أيام شهر الله المحرم هو يوم عاشر، الذي سيصادف غدًا، هذا اليوم العظيم الذي أكرم الله جل وعلا فيه موسى وقومه بالنجاة من فرعون وقومه، فالله جل وعلا أنجى موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه. وكان موسى عليه السلام يصوم هذا اليوم شكرًا لله جل وعلا، ولذلك لما قدم المدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام وجد اليهود يصومون هذا اليوم، فسأل عن سبب صيامهم، فقال له: «هذا اليوم الذي أنجى الله جل وعلا فيه موسى وقومه»، فاليهود تصومه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بموسى منهم»، فصام النبي عليه الصلاة والسلام ذلك اليوم وأمر بصيامه عليه الصلاة والسلام. وصيام يوم عاشوراء مستحب على الصحيح من أقوال العلماء، وقد ثبت في فضله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال عليه الصلاة والسلام: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام ورغب وبين فضل صيام هذا اليوم، وسيصادف غدًا يوم السبت، وقد اختلف العلماء في صيام يوم السبت، فمنهم من حرمه، ومنهم من كرهه، ومنهم من كره إفراده، ومنهم من أجازه. والذي يظهر من النصوص جواز إفراد صيام يوم السبت، ولو كان مفردًا، لأن الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النهي عن صيامه قد عارضه أحاديث أخرى ثبتت في الصحيحين وغيرهما في جواز صيام يوم السبت. ولكن الأفضل، يا عباد الله، أن يصام يوم قبله أو يومًا بعده، مخالفة لليهود، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أراد مخالفة اليهود في هذا الصيام، فلذلك احرصوا عباد الله على أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يوفقنا لكل خير، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين. عباد الله، ألا كما سمعتم أنه يستحب صيام يوم عاشوراء، فقد ثبت في فضله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام ورغب وبين فضل صيام هذا اليوم. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واجعلنا من المعظمين لشرعك، يا رب العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.