كتاب المعاملات 5

الدرس في كتاب المعاملات 5، ألقاها

تحريم بعض السلع والانتفاع بها

المحرمات مثل الخمر والميتة والخنزير والأصنام لا يجوز بيعها، بينما يجوز الانتفاع ببعضها بعد تغيير حالتها. يُستند في ذلك إلى أحاديث نبوية.

شروط صحة البيع في الإسلام وتوضيحها

يشترط لصحة البيع أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه، معلومًا للطرفين برؤيته أو وصفه، وأن يكون الثمن معلومًا بتحديد سعر السلعة. البيع لا يصح إذا كان المبيع معدومًا أو مجهولًا.

تحقيق مقاصد الشريعة من خلال معاملات البيع

الشريعة تهدف إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، وتطبيق شروط صحة البيع يحقق هذه المقاصد ويجنب الناس الخلاف والنزاع. الله تعالى أعلم بما يصلح عباده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في المسألة الخامسة في شروط البيع، وأخذنا في الدرس الماضي أربعة شروط، كان آخرها أن يكون المباع مما يباح الانتفاع به من غير حاجة، كالمأكول والمشروب والملبوس والمركوب والعقار ونحو ذلك. فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به، فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به كالخمر، الخمر إن كان فيها شيء من النافع باعتبار المكاسب، إلا أن الشرع حرمه، وكذلك الخنزير والميتة وآلات اللهو والمعازف، لحديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». وكما تقدم معنا أن بيع الخمر بجميع صوره وجميع حالاته فإنه محرم، والعبرة بالخمر كما تقدم معنا بالقاعدة النبوية التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، كما في حديث جابر بن عبد الله عند أبي داود وغيره. وكذلك الميتة، والميتة كما مر معنا فيما مضى من دروس أنها ما مات حتى أنفه، أو ما ذبح من غير تذكية شرعية، ما مات من غير تذكية شرعية. ويدخل كذلك في الميتة كل ما لا تنفع الذكاة أو لا تبيحه الذكاة الشرعية كالسباع ونحوها، فلو ذكاه -ذبحه الإنسان وسمى الله- فإنها ميتة، وإذا كانت ميتة فإنه لا يجوز بيعها. والخنزير كذلك، والأصنام كذلك، والأصنام سواء كانت على هيئة إنسان أو على هيئة حيوان، على أي هيئة كانت فإنها محرمة. ويدخل فيها كذلك الأوثان، على من فرق بينهما، وعلى من قال بأن الأوثان والأصنام بمعنى واحد، فالأمر ظاهر وواضح. والعلماء رحمهم الله تعالى ألحقوا بالأصنام وما كان في معناها كل ما كان وسيلة إلى عبادة غير الله جل وعلا، كذلك يدخل في هذا التحريم، أي بيعه لا يجوز بيعه. وكذلك أدخلوا ما يكون فيها من أشياء محرمة كالمجلات الخليعة ونحوها؛ لأن الاشتراك في معنى التصوير والفتنة التي فيها، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وكذلك جاءت بدفع المفاسد وتقليلها. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم بيع الخمر» إلى آخره، كما تقدم فيه تحريم هذه الأشياء. وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ثمنه»، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ثمنه»، ها هنا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسألة، وهي هل يجوز الانتفاع بشيء من هذه الأشياء دون البيع والشراء؟ يعني مثال ذلك إنسان، الميتة لا يجوز بيعها، لكن هل يجوز للإنسان أن ينتفع بجلدها؟ هل للإنسان أن ينتفع بجلدها أيضًا؟ مثلا عندنا ميتة، خنزير ميت، هل يجوز لنا أن ننتفع به بغير الأكل والبيع والشراء؟ مثلا عندنا حيوانات، كلب صيد، كلب ماشية، هل لنا أن نطعمهم هذا الكلب أم ليس لنا ذلك؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز الانتفاع به، وإن كان بيعه لا يجوز، أي باعتبار هذه الأشياء المذكورة، الميتة ونحوها. إلا في جلود الميتة ونحوها، فإنها بعد الدباغة فإنها تكون طاهرة، وإذا كانت طاهرة فإنهم يحل فيها البيع والشراء، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما إيها بن دبغ فقد طهر». وقد جاء في حديث شاة ميمونة، في حديث ابن عباس، حينما مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة يجرونها، فقال: «هل انتفعتم بها؟» قالوا: يا رسول الله، إنها ميتة. فقال: «طهورها دباغها» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. الشاهد من أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الانتفاع بها، مع أنه هو الذي نزل عليه تحريم الميتة، وهو الذي حرمها بقوله: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة»، ومع هذا أمرهم بالانتفاع بجلدها، فدل هذا على أولا جواز الانتفاع، جواز الانتفاع، وأن باب الانتفاع أوسع من باب البيع والشراء. فيجوز للإنسان أن ينتفع بهذه الأشياء المذكورة كما ذكر من ذكر من العلماء، في غير الأكل والشرب وما كان في معناها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ثمنه»، فقيده بماذا؟ بالأكل، قيده بالأكل. قال: «إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ثمنه»، فباب الانتفاع أوسع. وهذه قاعدة ينبه عليها العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذلك ابن القيم رحمهم الله تعالى جميعًا في مواطن، أن باب الانتفاع أوسع من باب الأكل والشرب. فهذه الأشياء قد يجوز يعني ينتفع بها، ولا يجوز فيها البيع والشراء، ولا يجوز كذلك أكلها، ولا يجوز كذلك بيعها للأكل والشرب. خامسًا: أن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه؛ لأن غير المقدور عليه كالمعدوم، فلا يصح بيعه؛ إذ هو داخل في بيع الغرر. فإن المشتري قد يدفع الثمن ولا يحصل على المبيع. فلا يجوز بيع السمك في الماء، ولا النوى في التمر، ولا الطير في الهواء، ولا اللبن في الضرع، ولا الحمل الذي في بطن أمه، ولا الحيوان الشارد، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر»، والحديث في صحيح مسلم. ومعنى بيع الغرر: أي البيع الذي فيه جهالة. فإذا من شرط صحة البيع أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه وقت التسليم. فأن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه؛ لماذا؟ لأن غير المقدور عليه كالمعدوم. الشيء إذا لم يكن مقدورًا عليه حكمه كحكم الشيء المعدوم. وهل يجوز أن يباع شيء معدوم؟ الجواب: لا يجوز. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولا تبع ما ليس عندك»، مع أنه قد يكون موجودًا عند جاره، موجود لكن ليس في ملكه، فكيف بالشيء المعدوم؟ من باب أولى أنه لا يجوز البيع فيه. إذا من شرط البيع أن يكون في شيء معلوم، أن يكون في شيء يقدر على تسليمه. قالوا: فلا يصح بيعه؛ إذ هو داخل في بيع الغرر. قالوا: ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. فإن المشتري قد يدفع الثمن ولا يحصل على المبيع. فلا يجوز بيع السمك في الماء، يعني رجل صياد فيقول للتجار في الساحل: من يشتري مني الحوت من النوع الفلاني بكذا وكذا؟ هو ما زال ما دخل البحر بعد، هو سيدخل إلى البحر. ما عنده سمك، لكن يقول للتجار: أنا الآن سأذهب إلى البحر، ومن يشتري مني الحوت من النوع الفلاني الكيلو بكذا؟ طيب يا جماعة، هل يصح هذا البيع أم لا؟ الجواب: لا يصح. لماذا؟ لأنه بيع معدوم. أو رجل آخر يقول: من يشتري مني هذا الطير؟ يرى الطير يمر في السماء، ما هو ملكه، لكن في السماء. من يشتري مني هذا الطير؟ ويبايع الناس. واضح جماعة، هذا كذلك لا يجوز، هذا كذلك لا يصح البيع؛ لأنه من بيع الغرر. سادسًا: أن يكون المعقود عليه معلومًا لكل منهما برؤيته ومشاهدته عند العقد، أو وصفه وصفًا يميزه عن غيره؛ لأن الجهالة غرر، والغرر منهي عنه. فلا يصح أن يشتري شيئًا لم يره، أو رآه وجهله، وهو غائب عن مجلس العقد. هذا أيضًا من الشروط أن يكون المبيع معلومًا، كما ذكر لكل منهما برؤيته ومشاهدته، إذا حصلت الرؤية والمشاهدة فالأمر واضح. يأتي إنسان إلى إنسان يقول: اشتري مني هذه الدار. ينظر في الدار وينظر فيها من أعلى ومن أسفل وينظر في الجدران ونحو ذلك، هذا معلوم. أو يقول: اشتري مني هذه السيارة، أو اشتري مني هذا الكتاب، يكون معلومًا. وقد يكون ماذا؟ قالوا: أو وصف وصفًا يميز عن غيره. يعني مثال ذلك يقول له: اشتري مني كتاب مثل هذا. هل الكتاب معلوم أو غير معلوم؟ معلوم وصفه معلوم. كتاب بين أيدينا يقول له: هذا النوع من الكتاب سأبيعه لك، معي مثله في البيت جديد، أو في المحل جديد، سأبيعه لك بكذا وكذا. هل هذا يصح البيع أم لا يصح؟ لماذا؟ لأنه معلوم وصفه معلوم ومميز. سابعًا: أن يكون الثمن معلومًا بتحديد سعر السلعة المبيعة ومعرفة قيمتها. يعني الشرط السابع كما ذكر. يقول له: اشتري مني هذا الكتاب. يقول: نعم، الكتاب قيمته ألف ريال باليمني. ويقول له: أريد منك مثلا أبيعه لك بألف ريال يمني. الثمن ها هنا معلوم. لكن لو أتى إنسان وأخذ الكتاب ومشى، ما سأل عن السعر، ولا يدرك من السعر، أو أن هذا له سعر وسعر آخر، أو ما شابه ذلك. فلا. أو يقول مثلا: أن يكون الثمن معلومًا بتحديد سعر السلعة المبيعة ومعرفة قيمتها. يعني كما ذكر من ذكر من أهل العلم. يأتي إلى سلعة في السوق، تارة ترتفع وتارة تنخفض، هذا موجود. فيأتي يأخذ السلعة ويمشي دون أن يتفق على الثمن، دون أن يتفق على الثمن. هل يصح هذا البيع؟ هذا البيع لا يصح. لماذا؟ لأنه ما حددت القيمة. فلابد من تحديد قيمة المبيع ونوع الثمن. يعني مثلا يقول له: سأبيعك مثلا بالريال اليمني، أو يقول مثلا: سيارة بكم قيمتها؟ يقول: سأبيعها لك مثلا بعشرين ألفًا سعوديًا. تحدد الثمن ها هنا. أما هذا يقول: عشرين سعودي. يقول له: سأعطيك مليون يمني مثلا، وافترقا على هذا الأمر. هل اتفق؟ ما اتفق. لا بد من تحديد الثمن ونوعه، ونوعه كما ذكرنا إما بالريال السعودي أو بالذهب أو بالفضة أو إلى غير ذلك من الأشياء. وهذه الشروط ذكرها الفقهاء رحمهم الله سدًا لباب الخلاف والنزاع؛ لأن الشريعة جاءت بدرء المفاسد، وكذلك جاءت بتحصيل المصالح. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على