الدرس في الجواب الكافي 41، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يُحذر الدرس من تفضيل الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، ويُبين قلة قيمة الدنيا عند الله. الإنسان العاقل يجب أن يؤثر ما عند الله على متاع الدنيا الزائل.
يُناقش الدرس خطورة غرور الإنسان بالأماني وطول الأمل، ويُبين أن الدنيا مهما طال عمر الإنسان فيها فهي قليلة بالنسبة للآخرة. نعيم الآخرة لا ينقطع بينما متاع الدنيا ينتهي.
يجب على الإنسان أن يسعى لتحصيل نعيم الآخرة مع عدم إهمال نصيبه من الدنيا. الإنسان الذي يحقق هذا التوازن يكون في منزلة عالية، ولا يمكن الجمع بين نعيمي الدنيا والآخرة بشكل كامل.
يُختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُعلن عن استمرار الدروس في المستقبل.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل. وإذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة؟ فأيما أولى بالعاقل إيثاره العاجل في هذه المدة اليسيرة، حرمان الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب ليأخذ ما لا قيمة له ولا خطر له ولا نهاية لعدده ولا غاية لأمده. ذكر هنا رحمه الله تعالى، بعد أن بين أن لا يتساوى الحطام الفاني الزائل العاجل -الدنيا- بذلك الآجل الذي أجله الله عز وجل لعباده في دار كرامته، لا مساواة؛ لأن الدنيا كلها لا تزن شيئا، بل هي لا تزن حتى جناح بعوضة. هذه الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فكيف يقارن بشيء من هذه الدنيا -الدنيا التي لا تزن جناح بعوضة- بشيء من أمور الآخرة من النعيم؟ فمن آثر هذا النقد العاجل على النسيئة الآجلة -وهو ما عند الله سبحانه وتعالى- فهذا قد غبن، غبن أعظم الغبن. والغبن والخسارة: الغبن أصله أن يشتري الإنسان سلعة بأكثر مما تستحق، فهذا غبن. سلعة تستحق مئة، فاشتراها بمئة وخمسين، دفع فيها أكثر مما تستحق، هذا قد غبن. أو يبيع سلعة بأقل ثمنها، تستحق ألف ريال، باعها بخمسمئة، هذا أيضا غبن. وهكذا الذي يؤثر العاجل من نعيم الدنيا، متاع الدنيا على الآجل، هذا وقع في أعظم الغبن. بل بعض أهل العلم يقول أصلا: لا غبن في الدنيا. بعض أهل العلم يقول: ما في غبن في الدنيا، حتى لو اشتريت السلعة بأكثر مما تستحق، أو بعتها بأقل مما تستحق، هذا ما يسمى في الدنيا غبنا، ما في خسران؛ لأنه دنيا كلها دنيا. وإنما الغبن الحقيقي يوم القيامة، ذلك يوم التغابن. الغبن الحقيقي يوم القيامة، هكذا يقول بعض أهل العلم: ما في غبن، أي من غبن، ما دام أنها أمر في الدنيا. سهل تستحق مليون، بعتها بعشرة آلاف، ما في غبن في الدنيا، سهل. ما في تغابن، يعني حتى التغابن كبير عليه. التغابن في أمر الدنيا صار التغابن، هذا الغبن شيء كبير. ما تستحق الدنيا حتى إذا خسرت فيها كذا وكذا، أن يقول: غبنت، غبنت، إيش عسى شيء ضائع من أمر الآخر؟ ما في ضائع، إذن ما في خسار. لكن الغبن الحقيقي يوم القيامة، ذلك اليوم الحقيقي هو يوم التغابن. والله، الدنيا لو خسرت فيها ما خسرت، زادوا عليك كما يقال في ثمن سلعة، أو أخذوها منك بأقل من قيمتها، ما دام أنها في أمر الدنيا، ما تستحق، لا تحزن على ذلك ولا شيء. لكن المصيبة إذا حصل عندك الخسارة في أمر الآخر. والعصر إن الإنسان لفي خسر، هذه هي الخسارة، وهذا هو الغبن الحقيقي. قالوا: إذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، لا تزن عند الله جناح بعوضة، الدنيا بالنسبة للآخرة مثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليم، إذن ما مقدار هذه الدنيا؟ وما نسبة هذه الدنيا بمجموعها إلى الآخرة؟ واحد على المليار، لا حتى واحد على المليار، ما هي واحد على المليار، ليست بشيء. لا نسبة الآن، واحد على عشرة، واحد من عشرة، نسبة. واحد من مئة أضعف، واحد من ألف أضعف، من عشرة آلاف أضعف، من مئة ألف، من مليون، من عشرة ملايين، من... من... إلى آخر ذلك. طيب الدنيا كم نسبتها إلى الآخرة؟ كم نسبة الدنيا إلى الآخرة؟ واحد على ألف، واحد على مليون، واحد على بليون، واحد على تريليون، وماذا؟ ليش سيأتي بعد تريليون؟ سريليون، ولا فلوريون، هذا سيأتي الآن. أظنه أنه وصله إلى التريليون، هو ما يدري إيش بعد التريليون، يمكن ألف باء، إيش بعدها؟ على حروف الهجائية، يمكن يمشون، يجينا جرليون، ولا... على حروفها. بجدهوز، الله المستعان، ما في نسبة، ما في نسبة بين الدنيا والآخرة أبدا. لكن من يعلم هذه النسبة؟ كثير من الناس لا يعلمون هذه النسبة، ولذلك يعظمون هذه الدنيا، ويتعجلون ما فيها على المؤجل يوم القيامة. قال: فأيما أولى بالعاقل إذا علمت هذه الأشياء؟ هل يؤثر العاجل في هذه المدة اليسيرة؟ لأنه كم عمره؟ مثلا سيعمر كم في الدنيا؟ ألف سنة، طيب. عمر ألف سنة، لو قلنا عمر ألف سنة، وما حسن يعمر ألف سنة، لو عمر ألف سنة، طيب. الدنيا لا شيء بالنسبة لآخر، إذن هو كم عمره بالنسبة لدنيا؟ كم النسبة بين عمره وبين الدنيا؟ إذن لا شيء. والإنسان عنده غرور، وعنده أماني، يكون بعض الناس ربما يظن أنه سيعمر عشرة آلاف سنة. ممكن أنه يصل إلى ما يمكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد رسم خطا، ليس بالكلام فقط، حتى بالرسم. ولذلك الله أعلم بكيف رسم الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن بعض الرواة استنبط كأنه هذا الرسم الذي يعنيه الرسول عليه الصلاة والسلام. خط خطا مربعا، وخط في وسط الخط المربع خطا مستقيما، وأسفل هذا الخط خط خطوطا، وأعلى خط خطوطا. فقال: هذا الإنسان، وهذا عمره، وهذا أجله، وهذه الأعراض التي ما يسلم منها، مرض، ابتلاء، محاص بالأعراض. إذا فر من هذا وسلم من هذا جاء الثاني. خط خطوطا مثلا، ما خط خطا واحدا، ولا خط ثانيا، ولا خط ثلاثة، أعراض. أنت إذا سلمت من المرض ما تسلم من غير ذلك. فإذا الأمل أن نفسه سلم، جعل الخط يخرج عن المربع. الخط الذي هو الأمل خارج عنه، هو ما يخرج عن المربع أصلا، ما يمكن أن يخرج عن المربع، ما سيسلم. فإذا الأمل جعله نفسه سلم خارجا عن المربع، قد خرج. هذا الذي يأمله الإنسان هو المسكين محصور حول هذا المربع والخطوط أمامه، وهي الأعراض. فما أعظم هذا البيان منه عليه الصلاة والسلام في مقدار عمر الإنسان في هذه الدنيا. لكن الإنسان عنده آمال، وعنده... وعنده بعض الناس عندهم من الآمال ما يحتاج إلى عمر عشرة آلاف سنة. والله يعلم هل تتحقق الأماني هذه أو لا تتحقق. أماني تحتاج إلى عشرة آلاف سنة، وعندها سبحان الله. فإذا الإنسان لا يغتر، قال رحمه الله تعالى: نعم، فأيما أولى بالعاقل إيثاره العاجل في هذه المدة اليسيرة، حرمان الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب -وهو متاع الدنيا- ليأخذ ما لا قيمة له -يعني ما لا قيمة له- يعني الذي لا يقدر بقيمة، ليس المراد ما لا قيمة له، يعني الشيء القليل، لا ما لا قيمة له، يعني مما لا يقدر بقيمة، وهو ما عند الله عز وجل؛ لأن ما عند الله هل يقدر بقيمة؟ لا يقدر بقيمة، لا قيمة له. متاع الدنيا كل متاع له قيمة، مهما عظم، مهما عظم فله قيمة، قيمته كذا. كل ما في الدنيا له قيمة، حتى لو كان جبلا من ذهب، له قيمة، قيمته كذا. لكن الآجل من النعيم عند الله عز وجل ما لا قيمة له، لا يقدر بقيمة؛ لأنه كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. كيف يقدر بقيمة؟ لو قلت لك: قدر لي قيمة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هات القيمة، قدر كم تقول؟ هل عندك قيمة لشيء ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ كم قيمته؟ ما يقدر بقيمة. وذلك قال رحمه الله تعالى: ليأخذ ما لا قيمة له، ولا خطر له، ولا نهاية لعدده، ولا غاية لأمده؛ لأنه لا ينقطع ولا ينتهي. نعيم الدنيا مهما عظم ومهما كان فلابد له من انتهاء، ولابد له من انقطاع، لابد سينقطع. لكن نعيم الآخرة لا ينقطع، فكيف يقدر بقيمة؟ وشيء لا ينقطع ولن ينتهي، أبدي وسرمدي، ما يستطيع أن تجعل له قيمة. قال رحمه الله تعالى: ومن قول الآخر: لا أترك متيقنا، أو لا أترك متيقنا لمشكوك فيه. يعني هذا مثلا من يقول: أنا لا أترك هذا النعيم في الدنيا والمتاع، شيء يقين، على شيء مشكوك فيه، يريد الآخر ونعيم الآخر. فيقال له: إما أن تكون على شك من وعد الله ووعيده، وصدق رسله، أو تكون على يقين من ذلك. فإن كنت على يقين من ذلك، فما تركت إلا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن قرب لأمر متيقن، لا شك فيه ولا انقطاع له. هذا عنده يقين بما عند الله عز وجل، ووعد الله وعيد، فإذا كان عنده هذا اليقين -الحمد لله- بأن من ليس عنده يقين يكفر بالله عز وجل. لكن الإنسان عنده يقين يعد الله، ولكن ربما يقلبه الشيطان، ويقول: لأن حصل هذا المتاع شيء واضح وظاهر، واتي... والآخر كذلك فيها النعيم، وكذلك. لكن حصل هذا وهذا، حصل هذا وهذا، هكذا الشيطان يعني حصل هذا النعيم ونعيم الآخر، ولا يمكن الجمع بين هذين النعيمين. فعندنا مثل عند العامة: صاحب الحاجتين كذاب، صاحب الحاجتين كذاب، هذا مثل في محله، يعني ما يمكن أن تريد نعيم الآخرة وأنت تريد نعيم الدنيا، لا يجتمعها. لماذا؟ لأنك إذا حرصت في الدنيا على تحصيل نعيم الدنيا فلابد أن يكون على حساب تضيع شيء من نعيم الآخر. تريد جمع الأموال، تريد تحصيل بناء القصور، تريد... تريد... تريد... طيب، معنى ذلك ستقع في التقصير والتفريط، وبقدر هذا التقصير والتفريط سيفوتك شيء من نعيم الآخر. لكن أنت لا تنسى نصيبك من الدنيا، هذا أما أن تريد متاع الدنيا، معناها أنك لا تنسى نصيبك من الآخرة. إذا أردت نعيم الدنيا ومتاع الدنيا، إذا نجحت في أن لا تنسى نصيبك من الآخرة -الحمد لله- الحمد لله نجوت. لكن من لم ينسى نصيبه من الدنيا فهذا أفضل ممن لم ينسى نصيبه من الآخرة؛ لماذا؟ لأن من لم ينسى نصيبه من الدنيا معناه أنه جعل همه تحصيل نعيم الآخرة على حساب تضيع شيء من نعيم الدنيا، على حساب تضيع شيء من نعيم الدنيا. لكن الذي لم ينسى نصيبه من الآخرة معناه أنه حرص أكثر على تحصيل نعيم الدنيا، وهذا وهذا على حساب تضيع شيء أو فقد شيء من نعيم الآخرة. وأنت قارن بين الأمرين تجد فرقا وبونا شاسعا. ولذلك ولذلك الإنسان لا ينسى نصيبه من الدنيا، هذه المنزلة العالية، هذه المنزلة العالية، يعني اجعل همك تحصيل نعيم الآخرة، لكن ليس معناه أنك تنسى نصيب الدنيا، لا، هذا غلو، وهذا تنطع. الذي يحرص على تحصيل نعيم الآخرة بتضييع نصيبه من الدنيا، هذا خرج عن الحق وعن الوسط والاعتدال الذي أمر به الشرع، كالذين مثلا لا يتزوجون النساء، أريد نعيم الآخرة، أريد الحور العين، أريد الحور العين، طيب تريد الحور العين ماذا تريد؟ ما يتزوج، لا يتزوج النساء، لماذا؟ أريد الحور العين، طيب، هذا نسى نصيبه من الدنيا، نسى نصيبه من الدنيا، لماذا؟ لأجل الحور العين. أنا لا آكل اللحم، لماذا لا تأكل اللحم؟ قال: أريد الطير الذي إذا اشتهيته خرج لك شويا، فما أكل الدجاج، ولا أكل الحمام، ولا العصافير، طيب. وآخر لا يأكل العسل، يريد عسل الجنة، وهكذا، هذا خطأ. أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على الثلاثة، حديث الثلاثة في هذا الباب، أحدهم قال: لا يتزوج النساء، وآخر قال: أنا لا آكل اللحم، والآخر قال: أنا أقوم ولا أنام، وآخر قال: أصوم ولا أفطر، معناه ماذا يريدون؟ ماذا يريدون؟ نعيم الآخرة، لكن على حساب ماذا؟ على حساب تضييع النصيب من الدنيا، نعيم الآخرة على حساب تضييع النصيب من الدنيا، فهذا فيه مخالفة وارتكاب لنهي، للنهي الذي نهى عنه ربنا جل وعلا: ولا تنسى نصيبك من الدنيا، هذا نهي، وهؤلاء ارتكبوا هذا النهي، فنسوا نصيبهم من الدنيا، فوقعوا في المخالفة. الله ينهانا أن ننسى نصيبنا من الدنيا، وهؤلاء خالفوا. ولذلك هناك تعبير خاطئ، لفظ خاطئ، يأتي هو على اللسان من غير قصد، لكن هو من حيث النظر فيه في موافقته للشرع وعدم ذلك، وخالف. يقول: طلق الدنيا ثلاثا، طلق الدنيا ثلاثا، إذا أردت الآخرة طلق الدنيا ثلاثا، وهذا خطأ. طلقها ثنتين، مهو ثلاث. طلق الدنيا ثنتين، أما تطلق الدنيا ثلاثا لا، ما يجوز، حرام. بما أن تطلق الدنيا ثلاثا معناه تركت نصيبك من الدنيا، خالفت قول الله: ولا تنسى نصيبك من الدنيا. فإذا طلق الدنيا تطلق ثنتين، لماذا؟ لأن الطلقة الثالثة التي لم تطلق الدنيا بها أردت بها تحصيل نصيبك من الدنيا الذي نهى الله جل وعلا عن تركه. نقف هنا، ونواصل في درس قادم، إن شاء الله تعالى. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.