الدرس في شرح القيروانية 2، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبدأ الشرح بمقدمة حول نعمة الله على الإنسان ببداية خلقه وتصويره في الأرحام، ويستشهد بالآيات القرآنية التي تبرز نعمة الخلق والتصوير. كما يتطرق إلى رفقة الله بالإنسان وتيسير رزقه منذ وجوده في بطن أمه.
يتحدث عن نعم الله على الإنسان، بدءًا من رزقه في بطن أمه حتى خروجه وتلقيه الرزق الحلال والطيب، كما يشير إلى أهمية أخذ الأسباب للرزق والهداية، ويبرز فضل الله في تعليم الإنسان ما لم يكن يعلم.
يذكر الله جل وعلا العباد بآياته ومخلوقاته ليعلموا عظمته وعبادته، وأرسل الرسل لإقامة الحجة عليهم، ويصف المؤمنين باليسر والسماحة وتهيئة قلوبهم لتلقي الذكرى.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم ومبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سنواصل في القراءة التعليق على رسالة ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله تعالى. قد ذكرنا في الدرس السابق بداية هذه المقدمة وما يتعلق بالبسملة، وأيضا ما ابتدأ به رسالته بالحمد لله جل وعلا. قال رحمه الله: «الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته وصوره في الأرحام بحكمته، وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما». فابتدأ بالحمد لله جل وعلا الذي ابتدأ الإنسان بنعمته، أي أن الله جل وعلا أنعم على الإنسان بنعمته جل وعلا، لأن خلق الإنسان من أعظم نعم الله جل وعلا على الإنسان. فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، والخلق نعمة من نعمه سبحانه وتعالى. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم ممتنا على عباده بنعمة الخلق، قال سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. فالله عز وجل امتن على العباد بهذه النعمة وهي نعمة الخلق، جعله مخلوقا لأن الإنسان كان عدما، كان غير موجود وغير مخلوق، وإنما كان عدما فأوجده الله وخلقه الله سبحانه وتعالى. والله قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي أن الإنسان كان نطفة فخلق منها، خلق من نطفة، وقبل هذا أبونا آدم خلق من تراب، فأبونا آدم خلق من تراب، وأما أبناؤه وذريته فخلقوا من نطفة، خلقوا من نطفة. ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. فكل هذا من رب العالمين جل وعلا امتنانا على عباده بهذه النعمة التي أنعم بها عليهم، وهي نعمة الخلق. فهو جل وعلا الذي ابتدأ خلق الإنسان وسيعيده جل وعلا كما بدأه، كما قال سبحانه: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. الإنسان يحشر يوم القيامة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنكم ستحشرون إلى ربكم حفاة عراة غرلا غير مختونين، هذا بداية خلقنا، وسنعود على هذه الهيئة عند الحشر إلى الله سبحانه وتعالى». فالله جل وعلا له الحمد الذي ابتدأ الإنسان بنعمته وصوره في الأرحام بحكمته. الله جل وعلا صور الإنسان في الأرحام بحكمة، بحكمته سبحانه وتعالى. أفعاله جل وعلا كلها أفعال حكمة. الله جل وعلا على كل شيء قدير، قادر على أن يخرج هذا الإنسان مباشرة من غير أن يمر بأطوار ومراحل، لكن الله جل وعلا الحكمة في خلقه وفي قضائه وقدره جعل الإنسان يمر بأطوار وهو في الرحم، يمر بأطوار نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه وعمله وأجله وشقيه وسعيد، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين. كل هذا التصوير للإنسان في الأرحام لحكمته سبحانه وتعالى. وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، كيف يشاء، وذلك وفق حكمته سبحانه وتعالى. وذلك قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. فالإنسان صور ومر بمراحل خلق وبرء وتصوير، وذلك جاء في القرآن، قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾. فالله جل وعلا خلق وبرأ وصور، خلق وبرأ وصور. وهكذا الإنسان مر بهذه المراحل الخلق والبرء والتصوير. الخلق واضح، النطفة التي خلق منها. البرء وهو التركيب لبعض الأشياء، والتصوير التمام، تمام الخلقة وتكملة خلقة الإنسان. فالله سبحانه وتعالى هو الحكيم، صور الإنسان في الأرحام بحكمته جل وعلا. وأبرزه إلى رفقه، أبرز الإنسان إلى رفقه سبحانه وتعالى. فهو جل وعلا الرفيق، ومن أسمائه الرفيق الموصوف بصفة الرفق. والله جل وعلا من رفقه بالإنسان أن أخرجه إلى الرفق، وأبرزه إلى الرفق، إذا كان صغيرا يرفق به كل أحد، جبل الناس وفطر الناس على الرفق بالصغير. حين يولد مثلا الصغير في قلوب الناس محبة له ورفق به، فطروا على هذا. وهذا من رفقه جل وعلا بالإنسان، جعل القلوب ترفق به وتميل إليه. وهذا من رفقه سبحانه وتعالى، إضافة إلى ما يسر له من الأمور التي تناسبه، وذلك بالرفق. الله فجعل الإنسان ما يناسبه الغداء والهواء والماء وكل ما يحتاجه، رفق الله جل وعلا به، فهيأ له ما يناسب خلقته، فأرفق جل وعلا به أعظم الرفق وغاية الرفق. قال رحمه الله: «وما يسره له من رزقه». كذلك من نعمة الله سبحانه وتعالى على عبده أن يسر له الرزق وأسباب الرزق، منذ أن كان في بطن أمه. الله جل وعلا يرزقه، يأتيه من الطعام والشراب جاهزا من ذلك الدم الذي يتغذى منه. فالإنسان حين يكون في رحم أمه يأتيه الغداء جاهزا، الأم تأكل وتشرب، تأكل من الطعام ومن أنواع المأكولات والمشروبات التي فيها كما يقال الفيتامينات وغير ذلك، والعناصر التي يقوم بها الجسم. هناك العظام، هناك الشرايين وغير ذلك، تحتاج إلى غداء. هذا اللسان في بطن أمه يتغذى على الدم، يتغذى على دم أمه، هو مرتبط بأمه عن طريق السرة، مرتبط فيأتيه من هذا السري الدم يتغذى منه جاهزا. يتغذى من هذا حتى يخرج، وإذا خرج لا يزال مربوطا بهذا، فيقطع عند الولادة، يقطع. فبعد ذلك يتغذى من الخارج، تعطحيها أمه الثدي، ترضع. وهكذا يتغذى على الغداءات التي تناسبه. فالله جل وعلا رزقه وهو في بطن أمه، وبعد خروجه إلى آخر ذلك. ثم رزقه في هذه الدنيا رزقه الطعام والشراب والهواء وغير ذلك، كل ذلك من رزق الله سبحانه وتعالى الذي يسره للإنسان. والرزق على نوعين: رزق عام، ورزق خاص. الرزق العام يدخل فيه الحلال والحرام، كله من رزق الله، ولكن فيه حلال وفيه حرام. أمر الله جل وعلا بالأكل من الحلال، ونهى عن الأكل من الحرام. والمسلم المطيع لربه يطيع رربه جل وعلا، فيأكل من الرزق الحلال، ولا يأكل من الرزق الحرام، يأكل من الطيب، ولا يأكل من الخبيث. وأما الذي لا يمتثل أمر ربه، فلا يبالي، يأكل من الطيب ومن الخبيث، يشرب العسل ويشرب الخمر، ويأكل الغنم ويأكل خنزيرا، وهكذا. فكله من رزق الله، الرزق عام. والرزق الخاص هو الرزق الحلال، الرزق الطيب، هذا الرزق الخاص الذي امتن الله جل وعلا به على عباده، الرزق الحلال والرزق الطيب. والرزق على نوعين: رزق حسي، ورزق معنوي. الرزق الحسي هو هذا الرزق الذي هو الطعام والشراب والغداء والهواء، كله من رزق الله. والرزق المعنوي هو رزق الهداية والتوفيق للحق والإسلام، هذا رزق خاص. وذلك قال الشيخ السلام وعنوانه وتعالى: «يا سائل عن مذهبي وعقيدتي، رزق الهدى من للهداية يسأل». رزق الهدى، لأن الهدى رزق من الله عز وجل، رزق خاص، امتن به جل وعلا على من وفقه من عباده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء. والرزق الخاص هو أسباب لتحصيله الهداية، منعم الرزق من الله عز وجل. فالإنسان يتحصل عليها إذا أخذ بالأسباب، لأنه جل وعلا جعل أسبابا للرزق، سواء كان الرزق الدنيوي أو الرزق الأخروي. حتى الطعام والشراب، الإنسان لا يأتيه الطعام والشراب عند عنده، وإنما يأخذ بالأسباب، يكتسب ليتحصل على الرزق. وذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا بالطير في طلبها لرزقها، مع أنها طير، كما في حديث عمر عند الترمذي، قال النبي عليه وسلم: «لو أنكم ستتوكلون على الله حق توكله، لنرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». ومعناه أن الرزق له أسباب، على العبد أن يأتي بهذه الأسباب، لا يعتمد عليها، ولا يترك الأسباب. إذا اعتمد الإنسان على الأسباب وقع في الشرك الخفي، هو الشرك الأصغر. وإذا ترك الأسباب قدح في الشرع، لأن الشرع جعل لتحصيل الأرزاق أسبابا، لكن يجمع بين الإتيان بالسبب، لا التعلق بالسبب، وإنما الإتيان بالسبب، فعل السبب. وأما تعلق القلب بالله عز وجل، مسبب الأسباب، فيأتي بالسبب ويفعل السبب. ولا يمكن الإنسان أن يكون يريد الولد من غير أن يتزوج، لا الولد نعمة، لكن بالنسبة لتحصيل النعمة الزواج، يتزوج. يريد الزرع، لابد أن يبذر، يفعل السبب، يبذر الحب. هكذا يتحصل على هذه الأرزاق، وهذه الهداية التي هي أعظم الرزق، الهداية والاستقامة لها أسباب. الإنسان إذا أخذ بأسباب الهداية اهتدى بإذن الله عز وجل. وإذا أخذ بأسباب الشقاء شقي. فعل الإنسان يأخذ بأسباب الهداية، يأخذ بأسباب الهداية، يفعل الطاعات، يترك المعاصي. أسباب الهداية طلب العلم، إذا تعلم استنار قلبه، وعظم في قلبه دين الله جل وعلا، وشرع الله، ومحبة الله، فتجعله بعيدا عن الذنوب والمعاصي، وعن فعل المعاصي. لأن نزوع الذنوب والمعاصي إنما هي بسبب ضعف الإيمان، وبسبب ضعف تعظيم شعائر الله جل وعلا. هكذا الإنسان إذا تعلم القرآن، تعلم العلم، وجاهد نفسه على الطاعات والتقرب إلى الله جل وعلا، وابتعد عن المحرمات، فإنه يكون على استقامة وعلى طاعة لله جل وعلا. قال: «وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما». الإنسان خرج لا يعلم شيئا، الله جل وعلا أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا. كل واحد خرج منا من بطن أمه لا يعلم شيئا، لا يعرف هذا ولا يعرف ما هذا، ولا يعرف ما هذا، لا يعرف أن هذا خطر، وهذا ليس بخطر. وهذا من المخلوقات التي بجانبه، أمه، أبوه، إخوانه، الأشياء التي رأى وشاهدها، لا يعلم شيئا، خرج جاهلا، خرج جاهلا لا يعلم شيئا. من الذي علمه؟ علمه الله سبحانه وتعالى، حتى صار يعلم بعد ذلك أن هذه سماء، وهذه أرض، وهذه جبال، وهذا كذا، وهذا كذا، وهذا كذا، علمه الله سبحانه وتعالى ما لم يعلم. كما قال جل وعلا: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. يسر له من يعلمه. وقبل هذا أن علم الله جل وعلا آدم الأسماء كلها، وهذا من نعمة الله جل وعلا على البشر، حيث أكرم الله جل وعلا أباهم بأن علمهم الأسماء كلها، حتى لم يعلمها الملائكة. وهكذا امتن الله سبحانه وتعالى على الذرية بأن علمهم ما لم يعلموا، وهذا من فضله العظيم من الله جل وعلا، جعل الإنسان يعقل ويعلم به الأشياء والأمور. وذلك قال: «وكان فضل الله عليه عظيما»، أي على الإنسان. والواجب على العبد أن يشكر الله جل وعلا على هذا الفضل العظيم الذي امتن الله جل وعلا به عليه. قلت: لأن الله جل وعلا قال مخاطبا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. علمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما. وهكذا كل مخلوق، فضل الله جل وعلا عليه عظيم. والواجب أن يشكر العبد ربه سبحانه وتعالى. قال: «ونبهه بآثار صنعته». وهذا يضيف نعمة الله جل وعلا على العباد، أن جعل لنا في ملكوته سبحانه وتعالى أمورا كثيرة تذكرنا بالله جل وعلا، وتبين لنا المراد من خلقنا. ولذلك إذا تفكر الإنسان في ملكوت الله جل وعلا، فإنه يدله على عظمة الله وعلى الخالق جل وعلا، وعلى ربه سبحانه وتعالى. وأيضا يدله هذا على الغاية التي خلق من أجلها، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال جل وعلا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. وهكذا أمر الله سبحانه وتعالى بالتفكر وبالتدبر، وأثنى على المتفكرين. وفي آيات كثيرات، قال جل وعلا: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. وفي آيات سورة الروم، أو لقمان، كثير من الآيات. ومن آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾. وهكذا تذكيرا من الله جل وعلا بآياته وبصنعه وملكوته. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد. فهو عجب، كيف يعصى الإله؟ أم كيف يجحده الجاحد؟ وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. فكل هذا من التنبيه من الله جل وعلا للعباد بآثار صنعته جل وعلا، تدل على الصانع جل وعلا. فالصنعة تدل على ماذا؟ تدل على الصانع. والبعرة تدل على ماذا؟ البعير. والأثر يدل على المسيح. وهكذا السماوات والأرضون والجبال تدل على من؟ على السميع البصير جل وعلا. هكذا قال العربي لما سأله من سأله: «كيف عرفت ربك؟» قال: «البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير. سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟». إذن هذه المخلوقات تدل على الصانع جل وعلا. فهو نبه الإنسان بهذه الآثار ليعلم حق الله جل وعلا عليه، والغاية التي خلقه الله جل وعلا من أجلها، وهي عبادة الله. خلق الله جل وعلا السموات، وخلق الأرضين، وخلق الجبال. ومن الحكم في خلق هذه الأشياء تنبيه العباد على عظمة خالقهم، وأنه المستحق للعبادة جل وعلا، الذي خلق هذه السموات، وخلق الأرضين، وخلق الجبال. وهذا من إكرام الله جل وعلا للإنسان، بأن جعله هذا العقل الذي يتنبه به، خلاف البهائم. البهائم تأكل وتشرب وتنام وتلعب وتلهو، لكن الإنسان كرمه الله. وبن آدم كرمهم الله، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، تكريما من الله عز وجل لبني آدم. فجعل لهم هذا العقل الذي ينبههم على هذه الآثار العظيمة التي يستدلون بها على ربهم جل وعلا، والغاية التي خلقهم الله جل وعلا لأجلها. ولذلك قال سبحانه وتعالى في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. الإنسان حين يتفكر في مخلوقات الله يدل هذا على رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: «وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه». ومن نعمة الله عز وجل على عباده أن أرسل إليهم الرسل، ما من أمة إلا أرسل الله جل وعلا إليها رسولا، يدلهم ويأمرهم بعبادة الله جل وعلا. ولقد بعثنا في كل أمة رسولا، أن يعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. كل أمة أرسل الله جل وعلا إليها رسولا، أرسل نوحا، وأرسل هودا، صالحا، شعيبا، وهكذا موسى وعيسى، رسل أرسل الله جل وعلا. لماذا؟ لإقامة الحجة، لإقامة الحجة. فجعل الرسل أفضل البشر، أفضل البشر وأصدق البشر. فليس من الرسل من هو فيه شيء من ما لا يرضيه الله أبدا. فكان اختيار الرب جل وعلا للرسل، الرسل الصادقين الأمناء، لتقوم الحجة على العباد. ما يقول أحد: «من جاء أنا فلان فلان، هذا نحن نتهمه في شيء من الأمور، لا ما يستطيعون». لأن الرسل هم الخيرة من الخلق، صفوة. وذلك قال جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فلا حجة لهم بعد إرسال الرسل، وهم أفضل الخلق وأكرم الخلق عليهم الصلاة والسلام. قال: «فهدى من وفقه بفضله، وأضل من خذله بعدله». من وفقه الله جل وعلا وهدى أهل الحق، فهذا فضل الله، لأن الله جل وعلا يهدي من يشاء ويضل من يشاء. فمن اهتدى فهذا توفيق من الله سبحانه وتعالى. الإنسان ما سيهتدي إلا بتوفيق الله جل وعلا. والله لو لا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا. نعم، لكن فضل الله جل وعلا علينا أن وفقنا وهدانا. قل يا عبادي يقول أهل الإيمان يوم القيامة، معترفين بهذه النعمة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. فتوفيق من الله عز وجل الهداية. ومن أضله وخذله فذلك من عدله جل وعلا، لأنه ما بخسه شيئا من حقه. هو زاغ، علم الله جل وعلا زيغه، وعلم الله جل وعلا عدم أهليته للحق، لقبول الحق. فكان الجزاء من جنس العمل، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم. وكما قال جل وعلا: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. فمن أضله الله جل وعلا أضله بعدله، ولم يظلمه، لأن الله جل وعلا حرم على نفسه الظلم، كما في حديث حجة الوداع في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام عن ربه جل وعلا: «يا عباد، حرمت الظلم على نفسي، وجعلت بينكم حراما فلا تظالموا». فمن كان ضالا ولم يهتدي، لا يقول: «ربي لم يهدني»، أو «ربي أضلني»، لا. نعم، ربك أضلك، لكن لم يظلمك، أنت اخترت طريق الضلال، وعاقبك الله جل وعلا بهذا. الإضلال حصل عندك أولا، أنت زاغ قلبك، وعدم قبول الحق، علم الله جل وعلا منك ذلك، لأنه لا يخفى عليه شيء. فعاملك بعدله سبحانه وتعالى، ووكلك إلى نفسك. وذلك يقول أهل السنة والجماعة: من هداه الله جل وعلا فذلك بفضله، ومن أضله فذلك بعدله، لأنه عامله بالعدل، ولم يظلمه شيئا. تعالى الله جل وعلا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. إن الله لا يظلم مثقال ذرة أبدا، بل سبحانه وتعالى هو العدل جل وعلا. قالوا: «يسر المؤمن اليسرى، وشرح صدورهم للذكرى». لنقف هنا إن شاء الله. صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.