شرح قرة عيون الموحدين 44

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 44، ألقاها

التحذير من الغلو في قبور الصالحين

يتناول التحذير من الغلو في قبور الصالحين وأثره في الشرك بالله، حيث يحوّل هذا الغلو القبور إلى أوثان تعبد من دون الله. يُبين أن الشرك بالله لا يقتصر على عبادة الأصنام بل يشمل كل ما يُعبد من دون الله.

أثر الغلو في تعظيم الصالحين على التوحيد

الغلو في تعظيم الصالحين يؤدي إلى الشرك حيث يصرفون إليهم العبادات مثل الذبح والنذر والدعاء، ويحوّل قبورهم إلى أوثان تعبد من دون الله. هذا مخالف لأمر الله بعبادته وحده.

تحذير النبي من عبادة القبور واتخاذها مساجد

نبينا صلى الله عليه وسلم خشي على أمته أن يتخذوا قبره وثنًا يعبد، ودعا ربه ألا يجعل قبره كذلك. وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخذين على القبور مساجد.

تأكيد الأحاديث النبوية في التحذير من عبادة القبور

الأحاديث النبوية تتوافق وتتآزر في تأكيد وتقرير التحذير من عبادة القبور واتخاذها مساجد، ويختم بالثناء على الله والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه "قرة عيون الموحدين": قولهم باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. قوله رحمه الله تعالى: أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد، باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. وهذا الباب كالأبواب التي قبله، كالبابين السابقين اللذين تقدم ذكرهما. والشيخ رحمه الله تعالى في هذا الباب، بعد أن ذكر في البابين السابقين أن من أسباب الشرك بالله جل وعلا الغلو في الصالحين، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نهى عن عبادة الله جل وعلا عند قبر رجل صالح، فكيف بمن عبده؟ أي عبد ذلك الرجل الصالح. وفي هذا الباب ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. وكأن الشيخ رحمه الله تعالى لما علم حال كثير من المتأخرين ممن لم يعلم حقيقة التوحيد، يظن أن الشرك بالله جل وعلا هو مختص بعبادة الأصنام وعبادة الأوثان، ويتخيلون أن في ذكرهم للأصنام والأوثان أن المقصود من ذلك هي الأصنام التي تتهيئ على أشكال معينة. وما علم أن المقصود أعم من ذلك، وما علم أن المقصود بالأوثان أعم من ذلك. أي أن كل ما عبد من دون الله جل وعلا من شجر أو حجر أو شمس أو قمر أو نبي أو ملك أو صالح أو غير ذلك، كل ذلك يسمى وثنًا. والشيخ رحمه الله تعالى في هذا الباب يقول: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. وهذا هو الذي حذر منه الشيخ رحمه الله تعالى في هذا الباب، وهو كذلك الذي حذرت منه الرسل من أولهم إلى آخرهم، أن يعبد غير الله جل وعلا، بأن يعبدهم أي أحد، بأن يعبد غير الله جل وعلا، سواء كان ذلك المعبود ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو صالحًا من الصالحين أو حجرًا أو شجرًا إلى غير ذلك. قال الشيخ رحمه الله: أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا. وقد تقدم معنا الضابط في ذلك، وأنها تصير أوثانًا إذا غلوا في تعظيم الصالحين ورفعوهم منزلة لا يستحقها إلا الله جل وعلا، بأن يتقرب إلى ذلك الميت بأنواع من القرب، بالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة، وكذلك الطواف والعكوف وغير ذلك من أنواع العبادات. هذه مجاوزة وهذا غلو في قبور الصالحين تصيرها أوثانًا؛ لأنها صارت تعبد من دون الله جل وعلا، صارت تصرف إليها العبادات. والله جل وعلا أمر بأن تكون العبادة له وحده لا شريك له، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]. ولكن الجاهلين لم يعرفوا حقيقة التوحيد، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الشرك بالله جل وعلا. وقول رحمه الله تعالى: في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا، كما تقدم معنا مرارًا كذلك، أن الوثن عند طائفة من العلماء هو أعم من الصنم. فالصنم عند جماعة من أهل العلم أنه ما كان ذات صورة، ما كان مجسمًا ذات صورة. وأما الوثن فهو أعم من ذلك؛ بمعنى أنه قد يطلق على الصنم بأنه وثن، ولا يطلق على الوثن بأنه صنم؛ لأن الوثن هو المعبود الذي يعبد من دون الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. يصيرها، أي بذلك الغلو. فالغلو كما مر معنا هو سبب الشرك الأعظم، أي من أعظم أسباب الشرك هو الغلو في الصالحين. قال رحمه الله تعالى: روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد". "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وهذا الحديث رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى في موطأه مرسلًا، أي من حديث عطاء بن يسار مرسلًا. ولكن الحديث جاء مسندًا بإسناد حسن في مسند أحمد من حديث أبي هريرة، وهو في الصحيح المسند لشيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دعا الله جل وعلا بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد". فالشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خشي أن يغلو من يغلو في قبره فيصير قبره وثنًا يعبد من دون الله جل وعلا، كما حصل في قبور الأنبياء السابقين. وكذلك الملائكة قد عبدت، وكذلك الصالحون قد عبدوا إلى غير ذلك. فنبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خشي على أمته أن يفعلوا بقبره كما فعل من قبلهم بقبور أنبيائهم وصالحيهم، فدعى ربه جل وعلا ألا يجعل قبره وثنًا يعبد. وشاهد من هذا أن من اتخذ قبرًا ولو كان قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد اتخذ وثنًا يعبد من دون الله جل وعلا. قال وتقدم في حديث عائشة رضي الله عنها: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا". وقد استجاب الله دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، وصان قبره وأحاطه بثلاثة جدران كما قال العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في الشافية الكافية المشهورة بالنونية. قال قوله: والابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: "أفرأيتم اللات والعزى؟ قال: كان يلتذ لهم السويق فمات فعكف على قبره". وهذا الأثر رواه ابن جرير بإسناد صحيح. قال رحمه الله تعالى: ابن جرير قال هو أبو جعفر ابن جرير صاحب التفسير الكبير، وهو أجل التفاسير وأحسنها، وهو من أئمة المسلمين المجتهدين، وله كتاب الأحكام. قوله: كان يلتذ لهم السويق فمات فعكف على قبره. قال: فيه شاهد للترجمة؛ فإنهم غلوا فيه لأجل صلاحه واتخذوه وثنًا بتعظيمه وعبادته، وصار من أكبر أوثان أهل الجاهلية. يعني الشاهد من هذا في قول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: 19]، اللات من أشهر آلهات المشركين، وثن من أشهر أوثان المشركين. قال رحمه الله تعالى: قوله عن ابن عباس رضي الله عنه ما قال: "لعَن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". رواه أهل السنن، الحديث حسن. لكن بلفظ "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور". وهذه اللفظة أي زائرات القبور يعني جاءت في بعض الطرق فيها ضعف. والعلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في تقويتها باللفظ الآخر، أي هل لفظ زوارات يتقوى بلفظ زائرات أم لا؟ فأما شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فقوى اللفظ، أي قوى لفظ زائرات بلفظ زوارات. وكأنه نظر إلى أن المعنى واحد. وأما شيخ الألباني رحمه الله تعالى فلم يقوِ الأول بالآخر؛ لأنه نظر أن المعنى غير المعنى لما في معنى الزوارات من المبالغة في الزيارة. والشاهد من الحديث كما سمعتم هو قوله: "والمتخذين عليها المساجد". فمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد فهو ملعون كما جاءت الأحاديث في ذلك الكثير. وقد مر معنا في الدرس الماضي شيء منها، وفي هذا الدرس كذلك مر معنا شيء من هذا. والأحاديث يؤكد بعضها بعضًا، وكذلك يقرر بعضها بعضًا في هذه المسألة. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على