الجواب الكافي 45

الدرس في الجواب الكافي 45، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أسباب التخلف عن الأعمال الصالحة وتأثير اليقين

ذكر الإمام ابن القيم أسباب التخلف عن الأعمال الصالحة، منها ضعف العلم ونقص اليقين، وكلما قوي يقين الإنسان بالله كان أكثر مسارعة إلى الخيرات. استحضار ثواب الأعمال وعقوبة المعاصي يدفع إلى أداء الواجبات وترك المحرمات.

تأثير الهوى واتباع النفس الأمارة بالسوء

الهوى واتباع النفس الأمارة بالسوء من أسباب التخلف عن الأعمال الصالحة، واستحضار ثواب الطاعات وعقاب المعاصي يمكن أن يدفع الإنسان إلى الخير. يجب على الإنسان أن يحذر من اتباع هواه ونفسه الأمارة بالسوء.

تسويل النفس وغرور الشيطان وخطورة الحرام

النفس الأمارة بالسوء تسول المعاصي، والشيطان يزين الباطل ويشين الحق، مما يؤدي إلى الوقوع في الذنوب. يجب على المسلم أن ينتبه لمداخل الشيطان ولا يغتر بها، وأن يحذر من الوقوع في الحرام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام في الدرس الماضي فيما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله من الأسباب التي هي أسباب التخلف عن الأعمال، وذكر منها رحمه الله تعالى ضعف العلم ونقصان اليقين. فإذا ضعف العلم ونقص اليقين كان سببا للتخلف عن الأعمال؛ لأن الأعمال إنما يسارع إليها ويتنافس فيها ويتسابق في فعلها إذا وجد العلم، وإذا قوي العلم، وإذا قوي اليقين بالله وبوعده جل وعلا. فأكثر الناس أعمالا ومسارعة ومسابقة هم أهل العلم واليقين، ضربوا أروع الأمثلة في التنافس والمسابقة والمسارعة في الأعمال، فيعملون الأعمال وكأنهم يرون وعد الله عيانا. وأما غيرهم، فهم على ضعف في هذا الباب. والإنسان كلما كان على يقين عظيم بالله جل وعلا كان من أعظم الناس مسارعة إلى فعل الخيرات والمسابقة في الطاعات، كأنه يعاين وعد الله. وليس الخبر كالمعاين، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس المخبر كالمعاين». المخبر الذي يخبر أنه حصل كذا في مكان كذا، يسمع هذا الخبر، ليس هو كذلك الذي عاين الخبر الذي عاين ذلك الشيء بعينه ورآه، يختلف. وهكذا الناس في يقينهم، من الناس من هو كالمعاين، كأنه يعاين وعد الله، ومن الناس من هو كالمخبر، أخبر بوعد الله وأخبر بما عند الله من الثواب والجنة، فضعف اليقين ما صار كأنه يعاين وعد الله وثوابه، بخلاف الآخر الذي عظم يقينه بوعد الله جل وعلا وثوابه، فهو كأنه يرى ذلك عيانا. فذكر رحمه تعالى كذلك من الأسباب التي ذكرها في هذا الحديث، حديث عبد الله بن عباس: «ليس المخبر كالمعاين»، حديث بن عباس في المسند، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: «فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته وأكثرها لاشتغال بما يضاده، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة وتسويل النفس وغرور الشيطان واستطالة الأمل ورقدة الغفلة وحب العاجلة ورخص التأويل وإلف العوائد، فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا». وبهذا السبب تفاوت الناس في الإيمان والأعمال حتى ينتهي إلى أدنى ذرة في القلب. فهذه أسباب أخرى إذا ضمت إلى الأسباب السابقة، وهي ضعف العلم وضعف اليقين، هذا من أسباب التخلف عن الأعمال. كيف إذا أضيف إلى هذه الأسباب أمور أخرى، وهي ضعف العلم وعدم استحضاره؟ إذا أضيف إلى ضعف العلم وعدم استحضاره، أو إذا أضيف إلى عدم العلم عدم استحضاره، عدم استحضار ذلك العلم الذي علمه الإنسان من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أمورا كثيرة من ثواب الطاعات وعقوبة المعاصي والوعيد الشديد وهكذا، إما وعد أو وعيد. فكيف إذا غفل عن استحضار هذا الثواب؟ غفل عن استحضار ثواب الطاعات وغفل عن استحضار عقاب المعاصي، هذا لا شك أنه سيتخلف عن الأعمال وسيقصر وسيفرط. لكن لو استحضر ثواب الأعمال، استحضر ثواب صلة الرحم مثلا، وأن صلة الأرحام سبب لزيادة العمر وللبركة، أليس هذا سيكون له من أعظم العون على الإتيان بهذه الطاعة ومسارعة إليها؟ بلى، لكنه غفل عن استحضار الثواب، ربما قصر في صلة أرحامه. ولذلك الإنسان عليه دائما أن يستحضر ثواب الأعمال حتى يجتهد في الإتيان بها وينشط. الجنازة إذا استحضر ثواب الصلاة على الجنازة، وإذا استحضر ثواب شهودها حتى تدفن، هذا يعينه على الإتيان بها بطاعة. وعلى هذا فقس، استحضار الثواب من أعظم المعين للشخص على فعل الأعمال والإتيان بها وعدم التقصير. لكن إذا غفل عن استحضار الثواب، حصل التقصير، فقصر في صلة أرحامه، قصر في حضور مجالس الذكر. الآن لو استحضر الناس ثواب مجالس الذكر، هل يجلسون في المقاهي؟ ما يجلسون في المقاهي. لكن ما استحضروا ثواب مجالس الذكر ومجالس العلم. لو استحضروا ثواب حضور مجالس العلم، تحفهم الملائكة، تنزل عليهم السكينة، تغشاهم الرحمة، يذكرهم الله فيمن عنده. سبحان الله، كم هذا شيء عظيم حضور مجالس الذكر. لكن انظروا التقصير، انظروا التقصير في حضور مجالس العلم، ما السبب؟ أسباب كثيرة: ضعف اليقين، غرور دنيا، ومنها عدم استحضار الثواب. فعليك يا عبد الله أن تستحضر الثواب، ثواب الأعمال، يدفعك هذا إلى الإتيان بها. تستحضر ثواب حضور صلاة الجماعة، ثواب حضور مجالس الذكر، إلى آخر ذلك. فالإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: من أسباب التخلف عن الأعمال عدم استحضار العلم الذي علمته من الكتاب والسنة فيما يتعلق بثواب الطاعات وعقاب المعاصي وهكذا. وهذا ذكرناه فيما يتعلق بعدم استحضار ثواب الطاعات وهكذا، يقول في عدم استحضار عقاب المعاصي. الإنسان إذا تخلف عن أداء عمل واجب أوجبه الله جل وعلا وفريضة، لو استحضر عقوبة تركها لكان من أعظم العون له على عدم تركها. إذا ترك الصلاة وعلم واستحضر عقاب ترك الصلاة، وأن تارك الصلاة يستحق الوعيد الشديد من الله جل وعلا، العذاب في القبر والعذاب يوم القيامة، فلما ترك الصلاة؟ وهكذا الذي يسرق، وهكذا الذي يقع في الزنا، وهكذا الذي يقع في الرشوة، وهكذا الذي يقع في المحرمات الأخرى، في الكذب في الغيبة والنميمة، في الظلم والاعتداء على أعراض الناس. لكن الناس غفلوا عن استحضار عقوبة هذه المعاصي، وهذا عدم الاستحضار جعلهم يتخلفون عن الأعمال. قال رحمه تعالى: «وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى». كذلك من الأسباب التي تجعل العبد يتخلف عن الأعمال الهوى؛ الهوى هوى النفس، النفس تهوى الراحة، تهوى النوم، تهوى الأكل، تهوى الشر، تهوى اللعب هكذا. النفس تريد هذا، فالإنسان إذا أعطى نفسه هواها، جرته إلى ما جرته إليه من ترك الواجبات وفعل المحرمات؛ لأنه صار عبدا لهوى نفسه، ملبيا لهوى نفسه. أرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ أفأنت تكون عليه وكيلا؟ «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم»، فالهوى شر داء خالط قلبا، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «الهوى شر داء خالط قلبا». فإذا خالط القلب الهوى، فهو شر داء، شر مرض للقلب، هو مرض الهوى. إذا صار الإنسان مريضا بمرض الهوى، فهذا من شر الأمراض، أعظم من مرض السرطان وأعظم من الأمراض القلبية الأخرى، أعظم من مرض القلب، الأمراض الأخرى، الأمراض الحسية. مرض الهوى هذا أعظم؛ لأنه إنما يصير عبدا لهواه ولهوى نفسه، عبدا للدنار والدرهم، وعبدا للخميصة والخميلة وهكذا، وما يقبل إلا ما أشرب من هواه. «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة»، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا في حديث الفتن، في حديث أنس: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأي قلب وقع فيها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب كقلبين: أبيض مثل الصفا لا تضرها فتنة ما دامت السماوات والأرض، وأسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». فكثير من الناس الآن لأجل الهوى تركوا الأعمال وتخلفوا عن أداء الواجبات وترك المحرمات، هذا في لهو ولهو، وآخر في هوى رياضة، وآخر في هوى فن، وآخر في هوى سياحة، وآخر في هوى بيع وشراء، وآخر في هوى كذا وكذا. كم من الأمور التي هواها الناس؟ هواها الرياضة، وليست نوعا واحدا، أنواع: كرة قدم، وكرة طاولة، وكرة تنس، وكرة كذا، أنواع، ما هو نوع واحد. وهكذا هوى الفن، وهكذا هوى الرسم، وهكذا هوى كذا. وكل هذا تلبية للهوى، فهوى الرياضة، فكانت سببا في تخلفهم عن أداء الفرائض. من الناس من تقام الصلاة جماعة وهو عند الشاشة يرى المباراة، لماذا؟ لبى هوى نفسه، النفس تريد مشاهدة المباراة، ما تريد حضور الجماعة. لكن هل قهر نفسه؟ هل قهر هوى نفسه؟ أو لبى هوى نفسه؟ لبى هوى نفسه. بل بعضهم من لا يستطيع أن يترك المشاهدة ولو لحظات. وبعضهم ما شاء الله يضرب عصفورين بحجر واحد، يصلي ويرى المباراة، يصلي ويرى المباراة، هذه مصيبة. ما يستطيع يعني يقول: خلاص الآن تعارض مباراة وصلاة، ما أش أفعل الآن؟ إن ذهب أصلي فآتني من المباراة لحظات، وما ندري ربما هذه اللحظات فيها الهدف، ربما هذه اللحظات فيها الهدف وأنا في صلاة، مشكلة. طيب ما ذهب أصلي، خرج وقت الصلاة، ضاع عليك وقت الصلاة، الآن كيف نسوي؟ إذن ما في إلا أن نجمع بين الأمرين، جمع إيش هذا؟ نعم، فيجمع بين الأمرين، يصلي في بيته وعين في الشاشة وعين هنا، سبحان الله، من أجل أن لعله يأتي الهدف، معناه هوى غلب، هوى غلب على كثير من الناس. نصر الله عافية والسلام، هو مرض. فسبب الهوى، هوى هذه الأشياء: هوى الرياضة، هوى الفن، هوى كذا، أضلتهم. الآن هذه التي لعبوا بها، من الناس من عنده هوى اللعبة هذه، ووده أن ما يؤذن المغرب، نعم. وربما الناس من يفوتوا ركعة، يفوتوا ركعتان، لأجل ماذا؟ لأجل أن يكمل اللعبة، ما يمكن أن ينقطع اللعبة، لأن لا يؤذن قامة الصلاة واللعبة في النص، كيف يتركها؟ كمّل اللعبة ويضيف إلى الشطرنج ولعبة كذا، الله المستعان. وهكذا استيلاء الشهوة وتسويل النفس، ذكر ما مضى من أسباب التخلف عن الأعمال: تسويل النفس. النفس تسول لصاحبها، لذلك الإنسان يحذر من تسويل النفس؛ لأن نفسك يا عبد الله إذا سولت لك واستجبت لها، فأنت على خطر عظيم. من الذي جعل ابن آدم أن يقتل أخاه هابيل قابيل قتل هابيل؟ لماذا؟ ما السبب؟ السبب تسويل النفس، فسولت له نفسه قتل أخيه فقتله. سولت له نفسه قتل أخيه فقتله مباشرة، استجاب لتسويل النفس. أخوة يوسف، ما السبب الذي جعلهم يجعلون يوسف في البئر؟ تسويل النفس، قال لما أبوهم يعقوب عليه السلام: «بل سولت لكم أنفسكم أمرا». سولت لكم أنفسكم، علم أن فعلهم هذا فيه تسويل من النفس لهم، فجعلهم يجعلون أخاهم الصغير في البئر. فإذا تسويل النفس، فأنت احذر، قد سول لك نفسك أن تسرق، أن تفعل الفاحشة، أن تظلم، أن كذا، أن كذا، أن كذا، فاحذر من تسويل النفس. تسويل النفس سول لك نفسك ترك صلاة الجماعة، سول لك نفسك هذا الأمر سهل، فتتهاون، فتأخذ حقوق الناس، ولا تبالي بأموال الناس، ولا تبالي بأعراض الناس، وهكذا. تسول لك نفسك شيئا فشيئا، فما تدري إلا وأنت نسى الله العافية، ما ندري في أي واد، وهذا بسبب تسويل النفس، هذا من الأسباب كذلك. وهكذا غرور الشيطان، قال رحمه الله: «وغرور الشيطان». الشيطان هو الغرور، «ولا يغرنكم بالله الغرور»، «ولا يغرنكم بالله الغرور»، فسر الغرور بالشيطان. الشيطان يأتيك بخطوات، يغررك، يعكس الأمر، يغررك مثلا في تزيين الباطل، تزيين الباطل، يزينه، الباطل يزينه، والحق يشينه، ولا يجعله لك زينا. فاحذر، بعض الناس ممن يقع في فواحش، نص الله العافية والسلامة، ربما هو متزوج، هو متزوج بامرأة ربما تكون عاشرة نساء البلدة جمالا، هذا على سبيل المثال، ويجده يمشي وراء امرأة، سبحان الله، نص الله العافية والسلامة، لماذا؟ الشيطان زين، الشيطان زين. وما يذكر في هذا الباب أن رجلا كان قد نص الله العاافية يقع في النظر في النساء في الشوارع، ومرة مع زوجته ورآته، فأرادت أن يذكر هذا، الله أعلم، لكن فيها عبرة. فذهبت معه على أنها ليست زوجته، فقضى منها وطرا، قضى منها ما أرى. فأعلمته بذلك، فذكر أنه قال: «ما أقبحك في الحلال وما أحسنك في الحرام»، ما أقبحك في الحلال وما أحسنك في الحرام، يعني سبحان الله، لما يأتيها من طريق الحلال ما يراها كما يراها في الحرام، لماذا؟ لأنه في الحرام ما يدري إنها زوجته، والأمر هو هو أصلا، فالله المستعان، الشيطان له مداخل، وزين الباطل، فلا تغتر يا عبد الله.