الدرس في صفة صلاة النبي 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أحكام السترة في الصلاة مستدلاً بسعي النبي ﷺ لمنع مرور الشاة بين يديه، مبيناً جواز الحركة اليسيرة للاقتراب منها. كما يروي حديث خنقه ﷺ للشيطان الذي أراد المرور، مستدلاً على وجوب منع المار بين المصلي والقبلة وإثبات عالم الغيب.
يشرح المقطع حكم المرور بين يدي المصلي ووجوب دفعه بالتي هي أحسن مع الوعيد الشديد للمتعمد. ويبين أن الصلاة تبطل بمرور المرأة البالغة والحمار والكلب الأسود الخالص إن لم تكن سترة، ويختم بالنهي عن الصلاة تجاه القبور.
يستعرض المقطع خلاف العلماء في جواز الصلاة في المساجد التي تحتوي على قبور، مرجحاً تحريمها وسد الذريعة بالابتعاد عنها. ويوضح عذر الصلاة في المسجد النبوي لفضيلته ومكانته الخاصة.
يبيّن المقطع أن النية شرط لصحة الصلاة ومحلها القلب، مفصلاً الفرق بين الشرط والركن والواجب. ويحذر من التلفظ بالنية لكونه بدعة لم ترد عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: آخر ما وقفنا عنده في الدرس الماضي: الكلام على بعض أحكام السترة في الصلاة. قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: «وكان صلى الله عليه وسلم لا يدع شيئًا يمر بينه وبين السترة». فقد كان يصلي، إذ جاءت شاة تسعى بين يديه، فساعاها. ومعنى «ساعاها»: أي سابقها. قال: «فساعاها حتى ألزق بطنه بالحائط، ومرت من ورائه». يعني هكذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي، فجاءت شاة، فهي ما تريد أن تمر، فبدلًا من أن تمر وأمامه سابقًا، هي مسرعة وهو أسرع، حتى ألصق بطنه بالحائط، والشاة مرت من أين؟ من ورائه، على أنها ما قطعت صلاة، ما قطعت صلاة. فهذا معنى قوله في الحديث: «فسابقها» أو «فساعاها» أي سابقها. فساعاها أي سابقها، حتى ألصق بطنه بالحائط، ومرت من ورائه. واستدل بهذا الحديث، وهذا الحديث رواه ابن خزيمة من حديث ابن عباس. ويستفاد من هذا الحديث: السعي إلى السترة. مثلًا: كنت مسبوقًا، فسلم الإمام وأنت بعيد من السترة، فلا بأس أن تقترب من أقرب سترة. إن كانت أقرب سترة أمامك، لا بأس أن تمشي قليلًا إلى أن تقترب منها. فالنبي صلى الله عليه وسلم تحرك وسعى في صلاته حتى سابق الشاة. لكن الإمام مالك في المدونة يذكر أن هذا السعي ليس مطلقًا، إنما السعي المعقول. يعني: لو كانت السترة بعيدًا أكثر من ثلاثة أذرع مثلًا، أنت الآن هنا في الصف الثاني والإمام في الصف الأول، جئت صلاة العشاء أدركت ركعتين وفاتتك ركعتان، فسلم الإمام، لا بأس أن تسعى إلى أن تقترب من السترة، أنك قريب منها. لكن لو كنت في الصف الثاني أو الثالث، أو في وسط المسجد، لا تجري، استمشي إلى أن تصل إلى الصف. لأنهم ذكروا أهل العلم ضابطًا في الحركة الجائزة في الصلاة، قالوا: ضابط ذلك أنه إذا رآك الناظر لا يظن أنك في غير صلاة. لو مشيت من نصف المسجد، هذا كأنك تمشي في المسجد، لا تصلي، أو في مكان بعيد، أو تعمل حركات كحركات ذاك الذي ليس في صلاة، فهذا يخرجك عن كونك في صلاة. ولكن إذا كانت المسافة يسيرة أمامك، أو قال الإمام مالك: في أقرب سترة، تحاول أنك تسعى إلى أقرب سترة. ولو كانت خلفك مثلًا: أنت الآن في وسط المسجد، وما السترة التي أمامك؟ بعيد. السترة التي أمامك بعيد، لكن في واحد بجانبك جالس أو يصلي، فلا بأس أن تمشي ترجع القهقرة، وتكون سترة لك، وتكون سترة لك. فهذا إن شاء الله لا بأس به، وليس على سبيل الوجوب، ولكن على سبيل الاستحباب. لأنك أنت صليت، وكانت سترة الإمام سترة لك. لكن لو استطعت أن تصل إلى أقرب سترة، فهذا هو الأفضل. وبعضهم أوجبه، قال: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». فطالما أن السترة واجبة، فالسعي إليها واجب. ولكن الذي يظهر -والله أعلم-: نعم هي واجبة، لكن أنت دخلت في أول الصلاة مع الإمام وهو سترة لك، فلما فصلت عنه، فصلاتك تابع له، فكأنه -والله أعلم- لا تجب، ولكن لا يبعُد الإنسان إن استطاع أن يستتر بسترة، فهذا أفضل. قال: «وصل صلاة المكتوبة، فضم يده». يعني هكذا: صلاة فريضة، فضم يده. فلما صلى، قالوا: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ رأوا شيئًا غريبًا. وهذا يدلك على ماذا؟ على دقة تركيز الصحابة. عندما يصلي النبي عليه الصلاة والسلام، ينظرون إلى جميع حركاته. ربما الواحد منا ما ينتبه للإمام ماذا يفعل، لكن هم -ما شاء الله- منتبهون؛ لأنهم يقتدون به، ويأخذون الصلاة من أفعاله عليه الصلاة والسلام. فضم يده في الصلاة، فانتبه لذلك. فلما انتهى من الصلاة، قالوا: يا رسول الله، أحدث شيء؟ قال: «لا، إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي، فخنقته». إذن هذه الضم ماذا؟ خنقت شيطان. خنق ماذا؟ الشيطان. قال: «فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، وأيم الله، وأيم الله». هذا حلف، مثل: والله. قال: «وأيم الله، لولا ما سبقني إليه أخي سليمان، لارتبط إلى سارية من سواري المسجد، حتى يطيف به ولدان أهل المدينة». «فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل». فهذا الحديث ظاهر وأضح: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يجعل شيئًا يمر بين يديه. فالشيطان أراد أن يمر بين يديه، فخنقه. وأما قوله: «وأيم الله، لولا ما سبقني إليه أخي سليمان»: لأن سليمان دعا ربه، فقال: «هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي»، فملكه الله سبحانه وتعالى الجن يعملون بين يديه. فهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا ما سبقني إليه أخي سليمان»، يعني: من تلك الدعوة، «لارتبط إلى سارية من سواري المسجد»، يعني: استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبض عليه، وأن يربطه في سارية من سواري المسجد، ويطيف، حتى يطيف به ولدان أهل المدينة، يعني: يأتي الناس وينظرون إليه وهو مربوط في السارية. لكن لم يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا من عمل سليمان، ومما دعا سليمان ربه، فهو الذي يفعل ذلك. وأما قوله: «فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل»: يعني: من استطاع لا يجعل أحدًا يمر بين يديه، فليفعل ذلك. فما تقدم معنا: المدافعة في الصلاة. وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح. والحديث هذا فيه الإيمان بعالم الجن. فالمؤمن يؤمن بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن العقلانيون الذين يجعلون الشرع تبعًا لعقولهم، ينكرون هذا، يقولون: كيف يخنق شيطان؟ هذا شيطان ما نرى نحن، كيف يخنق؟ يدخلون عقولهم. ولكن أهل الإيمان يقولون: آمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله، على مراد الله. فنحن نؤمن بمثل هذه الأخبار؛ لأنه أخبر بها الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. قال: «وكان يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز» يعني: أن يمر بين يديه، «فليدفع في نحره». يقول: بها كذا، يدفع. لكن كما قلنا: بالتي أحسن، يدفعه بالتي هي أحسن. قال: «وليَدرَأْ ما استطاع». «يدرأ» يعني: يمنع مروره ما استطاع، ما استطاع بكل ما يستطع. وفي هذا: أنه إذا لم يستطع، لا يعني يستخدم العنف، بالتي هي أحسن. إذا استطعت، إذا ما استطعت وأصر إلا أن يمر، وما استطعت أن ترده، فالإثم عليه، وصلاتك صحيحة، إلا إذا كان هذا المار مما يقطع الصلاة، وسيأتي معنا هذا، فهذا يعيد الصلاة كما سيأتي معنا. قال: «وليَدرَأْ ما استطاع». في رواية: «فليمنعه مرتين، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان». وقلنا: المقاتلة معناه: شيء من الشدة، ليس المقاتلة أن تقتله، وأن تقضي عليه، وأن تطعنه، أو تخرج المسدس وتضربه، لا، ليس هذا المراد، وإنما يعني: تقاتله، تدافعه بأشد مما فعلت أول الأمر. قال: «وكان يقول» -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا لهم من أن يمر بين يديه». وهذا فيه الوعيد الشديد لمن يمر بين يدي المصلين. يعني: إذا الناس يصلون، لا تمر بين أيديهم. ففي هذا الوعيد الشديد: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه»، ماذا عليه من الإثم، وماذا عليه من العقوبة، «لكان أن يقف أربعين». قيل للراوي: أربعين يومًا؟ قال: أبيت. قيل: أربعين شهرًا؟ قال: أبيت. قيل: أربعين سنة؟ قال: أبيت. يعني: الله أعلم، قد يكون سنة، ما يدري ماذا المراد بأربعين؟ فيحتمل أن يكون أربعين سنة. انظر: يقف بين يدي... يعني: الذي يمر بين يدي المصلي، أفضل لأن يقف هكذا. أنت ربما الآن لو وقفت ساعة أو ساعتين، تشعر بالتعب، وتشعر بالجهد، فكيف بأربعين سنة؟ أنت واقف عمر كامل، أو أربعين شهرًا، يعني: سنوات طويلة. فهذا فيه عقوبة، وفيه زجر عن أن يمر أحد بين يدي المصلي. يبتعد ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. ولو كان في الحرم؟ نعم، ولو كان في الحرم. ما جاء شيء مخصص. ما جاء شيء مخصص. قد يقول قائل: مشقة في الحرم. يقال: اتقوا الله ما استطعتم. أنت تبتعد عن هذا. لكن لو اضطرتك الضرورة، أو مثلًا: لا بد، جئت مع ما شاء الله سيل من الناس، خلاص، وما حيلة الناظر إلا رفوه. أنت تبتعد قدر الاستطاعة، لكن ما تتساهل. لأننا نتساهلون في السترة في الحرم، وكذلك في المرور بين يدي المصلين، بحجة الازدحام، وبحجة أن هذا حرم فيه ناس كثير، أو إلى غير ذلك. لا، ما جاء شيء مخصص. فأنت تحرص أن تصلي إلى سترة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، تحرص كل الحرص. فإذا لم تستطع، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. لكننا نحرص، ولا تمر بين يدي أحد المصلين قدر الاستطاعة. لكن لو اضطرت، ما عليك شيء؛ لأنك ما فعلت ذلك متعمدًا، وإنما مضطرًا. قال: «ما يقطع الصلاة». وكان يقول: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل: المرأة الحائض، والحمار، والكلب الأسود». قال أبو ذر: «قلت: يا رسول الله، ما بال الأسود من الأحمر؟» فقال: «الكلب الأسود شيطان». وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهو من حديث أبي ذر. نعم. ومعنى الحديث: قوله «يقطع صلاة الرجل»، المراد في قطع الصلاة هنا: بطلان الصلاة. هذا هو الصحيح: أن الصلاة تبطل. متى تبطل؟ إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، يعني: ليس بينه وبين القبلة التي يصلي إليها سترة. فجاءت امرأة حائض، فمرت بين يديك. والمراد بالمرأة الحائض: المرأة البالغة. ليس معناه أنها وقت كونها حائض، هي الآن حائض عندها دم العادة، لا. وإنما المراد بالحائض: أي البالغة. فخرج بهذا: غير البالغة. إذا مرت غير البالغة، فلا تبطل الصلاة. وإنما متى تبطل؟ إذا مرت بين يدي المصلي المرأة البالغة. أو الحمار: جاء حمار ومر بين يديك، هذا يبطل الصلاة. الصلاة تبطل، وتعيد الصلاة. أن المراد بالقطع، كما فسره أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني: أي البطلان. وهكذا الكلب الأسود، خاصة الذي كله سواد، ما فيه شيء غير السواد. فخرج بهذا: الكلب الأبيض، والأحمر، والأصفر، هذه ما تقطع الصلاة. فلذلك الصحابة استغربوا من هذا التفريق، فقالوا: يا رسول الله، ما بال الأسود من الأحمر؟ فقال: «الكلب الأسود شيطان». الكلب الأسود شيطان. ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، بقتل الكلب الأسود، لأنه شيطان. أيضًا الخالص الأسود، الخالص ما يشوبه شيء من الألوان الأخرى، بل هو أسود خالص، واضح. فهذا هو المراد بهذا الحديث. قال: «الصلاة تجاه القبر». وكان ينهى عن الصلاة تجاه القبر، فيقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». وهذا الحديث كذلك في صحيح مسلم، من حديث أبي مرثد الغنوي. وما حكم الصلاة تجاه القبر؟ خلاف بين أهل العلم. فكثير من أهل العلم على بطلان الصلاة تجاه القبر؛ لأن الأصل في النهي يدل على البطلان: «لا تصلوا إلى القبور». فلذلك حذر أهل العلم من الصلاة في المسجد الذي فيه قبر. ولكن اختلف: هل كل مسجد فيه قبر فتبطل الصلاة فيه؟ بعضهم فصلوا، فقالوا: إذا كان القبر في قبلة المصلين، في قبلة المصلين، القبر هنا هم يصلون أمامه، أو القبر في وسط المسجد، هم يصلون أمامه، ما يصلون يعني يصلون باتجاهه. هذا القبر هم باتجاه القبر، ما يصلون أمام القبر والقبر خلفهم، لا، القبر أمامهم وهم خلف القبر. القبر... فهنا قالوا: الصلاة تبطل؛ لأن في هذا الحديث: «لا تصلوا إلى القبور»، ومعنى «إلى القبور»: أي باتجاه القبور. صلى إلى القبر: أي باتجاه القبر. وأما المسجد الذي القبر لا يكون أمام المصلين، وإنما مثلًا في الجانب، أو في الخلف، فأيضًا ذهب جماعة من أهل العلم إلى بطلان الصلاة لوجود النهي أيضًا في إدخال القبر إلى المسجد. منها: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فذهب كثير من أهل العلم، ومنهم شيخنا الوادعي رحمه الله، إلى أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، وإن كان القبر في ناحية من المسجد ليس أمام المصلين، فقال: هنا تبطل الصلاة، ولا تجوز الصلاة في هذا المسجد؛ لوجود النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إدخال القبور إلى المساجد، وفي الصلاة في المكان الذي فيه قبر. ومنهم من قال: لا، الذي جاء النهي عنه هو الصلاة أمام القبر، فإنما تبطل الصلاة إذا كان المصلون أمام القبر. أما إذا كان القبر في الجوانب، فلا. وعلى كل حال: المسلم يخرج من خلاف أهل العلم، فيحذر من أن يصلي في مسجد فيه قبر، يحذر من هذا، وإن كان القبر في مؤخرة المسجد. بل ذكر أهل العلم: أن القبر إذا كان في غرفة في المسجد، في غرفة، لكن هذه الغرفة من صرح المسجد، وفيها منفذ إلى المسجد، فهذا القبر يعد داخل المسجد، يعد داخل المسجد. ولذلك اشترط بعض العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية، أن يكون بين القبور وبين المسجد جدار، يفصل بين القبور وبين المسجد، جدار آخر، ما يكفي قال: جدار المسجد. وبعض أهل العلم، خصوصًا المعاصرين، قال: نعم، يعني جدار المسجد يكفي، طالما أنه ليس من إطار المسجد، ولا تكون القبور ملاصقة بالمسجد، يعني قريبة جدًا من جدار المسجد. فهنا قال: لا بأس، ما في دليل على شرطية جدار ثالث أو جدار ثاني. وهذا يدل على ماذا؟ أن المسلم يحذر ويبتعد من المساجد التي فيها القبور، فيها القبور، ويسأل: هل هذا المسجد فيه قبر أو لا؟ قصور المساجد القديمة، التي كان أهل التصوف من ديدنهم، ومن دينهم، إدخال القبور إلى المساجد، إدخال القبور إلى المساجد. بعضهم يقول لك: لا، القبر في الغرفة، والغرفة فيها شبابيك، وفيها يعني... وفيها أبواب تطلع على المسجد. إذن هذا في صرح المسجد، في إطار المسجد. ولو كان في الصحن، تعرف الصحن: يعني الصرح الذي مهو مسقوف، لكنه في إطار المسجد، في إطار المسجد. فهنا أيضًا يعتبر في داخل المسجد، فلا تجوز الصلاة في مثل هذا. طيب، قد يقول قائل، وهي شبه، رد عليها الشيخ الألباني في كتابه «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». هذه الشبهة هي: قبر النبي عليه الصلاة والسلام. قد يقول قائل: طيب، قبر النبي عليه الصلاة والسلام الآن في المسجد، الآن في المسجد، فكيف الرد؟ الشيخ الألباني رد تلك الردود طيبة. ومن هذه الردود: أن هذا الفعل، أولاً، لم يرضَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل... يعني: قبره في المسجد، وإنما فعله بعض الملوك المتأخرين، فعله بعض الملوك المتأخرين. ومثله القبة، لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة. هذا أمر... الأمر الثاني: قال: وإن كان هذا الأمر خطأ، إلا أن فضيلة الصلاة في المسجد... المسجد النبوي، كم تعدل الصلاة؟ بألف صلاة. الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة. طيب، قال: هذه الفضيلة لا يمكن أن نقول للناس: لا تصلوا في المسجد النبوي، ويحرمون من هذه الفضيلة، فيصلون، والإثم على من أدخل هذا القبر إلى المسجد. عرفتم هذا الآن. فلفضيلة المسجد، قال: لا نقول أن لا تجوز الصلاة في المسجد النبوي. وهذا الفعل إنما هو فعل بعض المتأخرين، ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الخلفاء الراشدين. فالله... هذا الآن. طيب، إن شاء الله نكتفي اليوم بهذا، ونترك ما بقي. طيب، نأخذ النية. قال: «النية». وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». هذا الحديث المشهور في البخاري ومسلم، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو حديث عظيم. والنية حكمها أنها شرط. يعني: الآن نحن معنا شرط، وركن، وواجب، هذا في الصلاة. كيف نفرق بين الشرط والركن والواجب؟ قلنا: الشرط هو الذي لا بد من الإتيان به، ويكون خارج الصلاة. هذا الشرط، مثل: الطهور، مثل: استقبال القبلة، مثل: القيام، مثل: النية. النية تكون قبل ما تدخل في الصلاة، لذلك عدها العلماء من الشروط، من شروط الصلاة. فمن لم ينُُ، فلا صلاة له. وأما المراد بالواجب: هو الذي يلزم العبد أن يأتي به، لكن ما يؤثر في صحة الصلاة، ما يؤثر في صحة الصلاة، لا سيما إذا فعله ناسيًا. أما الركن أو الشرط، وإن فعله ناسيًا، فإنه يؤثر في صحة الصلاة. مثال الواجب: مثلًا التشهد الأوسط في الصلاة الرباعية أو الثلاثية، هذا ليس بركن، إنما هو واجب. فلو نسي المصلي التشهد الأوسط، قام، ما تشهد، هل نقول له: تعيد الركعة؟ هل يعيد الصلاة؟ لا، ما يعيد الصلاة، إنما عليه ماذا؟ سجود السهو. واضح. لكن مثلًا لو نسي الركوع، أو السجود، أو التشهد الأخير، فهنا يلزمه إعادة هذه الركعة التي نسي فيها الركوع أو السجود؛ لأن الركوع والسجود ركن. ترى الفرق الآن؟ فهذا هو الفرق بين الشرط والركن والواجب. فالآن: النية شرط بصحة الصلاة. والنية معناها: القصد بالقلب. والتلفظ بها بدعة. التلفظ بالنية بدعة. أن تأتي إلى الصلاة مثلًا تقول: «أصلي فرض صلاة العشاء أربع ركعات مأمومًا لله تعالى». الله عز وجل يعلم أنك جئت من أجل صلاة العشاء. إنتوى بعقدة النية... نحن الآن منتظرون لأي صلاة؟ صلاة العشاء. إذا قام المؤذن للصلاة، نصلي صلاة العشاء. هل في بالك أنك تصلي صلاة المغرب؟ ها؟ لا. تقصد أنك تصلي صلاة العشاء. «إنما الأعمال بالنيات». إذا قمت الفجر من نومك، وتوضأت، وجئت وصليت السنة، وانتظرت الصلاة، وقام المؤذن للصلاة، أيش من صلاة تصلي؟ ما تعرف؟ صلاة الفجر. قصدت هذا، عرفت ماذا الآن؟ فهكذا: «إنما الأعمال بالنيات». ما يحتاج أن تتلفظ بالنية. فالنية محلها القلب، ومعناها: أن تقصد، تستحضر الصلاة بقلبك، تقصد أنك تصلي صلاة كذا أو صلاة كذا. فهذا هو حكم النية في الصلاة: أنها شرط في صحة الصلاة. نكتفي بهذا، وإلى هنا.