شرح العقيدة الواسطية للهراس 60

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 60، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

وسطية أهل السنة بين الرافضة والخوارج وإثبات علو الله وعظمته

يوضح المقطع موقف أهل السنة والجماعة الوسط بين غلو الرافضة في آل البيت وتكفير الخوارج للصحابة، مستعرضاً قصة علي بن أبي طالب مع السبائية ونشأة مصطلح الرافضة. ثم ينتقل إلى إثبات صفة العلو لله تعالى وعظمته باستدلال بآيات الفرش والقبض، مبيناً أن السموات والأرض لا تساوي شيئاً بالنسبة للكرسي والعرش.

التوفيق بين علو الله وقربه، وإثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق

يقرر النص وجوب الإيمان بصفتي العلو والقرب لله تعالى معاً دون تناقض، فهما صفتان تليقان بجلاله، ويبين أن القرب نوعان: عام بالعلم والإحاطة، وخاص بالأولياء. ثم ينتقل إلى إثبات أن القرآن كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق، حروفه ومعانيه، رداً على المعتزلة والكلابية والأشاعرة.

كلام الله وصفاته: إثبات أن القرآن كلام الله لفظاً ومعنى والرد على الفرق المخالفة

يقرر المقطع أن القرآن كلام الله تعالى حقيقةً بلفظه ومعناه، ويرد على المعتزلة والأشاعرة والكلابية الذين يقولون بخلقه أو نفي لفظه. مبيناً أن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، وأن الإيمان بالكتب يستلزم الإيمان بأن القرآن كلام الله المنزل بالعربية.

عموم رؤية الله في عرصات القيامة وأصول العقيدة الثلاثة

يؤكد الشيخ أن رؤية الله يوم القيامة عامة لجميع أهل الموقف من مسلمين وكافرين في العرصات، وليست خاصة بالمؤمنين فقط، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾. ويبين أن إثبات العلو والرؤية والكلام هي الأصول الثلاثة التي يتميز بها أهل السنة، وأن غالب أهل البدع يخالفون فيها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ذكر الشيخ - رحمه الله تعالى - في بيان كلامه، في ذكر كلامه ببيان وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة؛ وسطية أهل السنة في أصحاب رسول الله - عليه الصلاة والسلام - بين الرافضة والخوارج. ويقال: فيما سبق كيف ذكر الشيخ - رحمه الله - الرافضة؟ وكيف ذكر الخوارج وهم قد كفرهم طوائف من السلف أو بعض السلف؟ فالجواب: كما تقدم، المراد غير المكفرة، غير المكفرة. أما الروافض فمنهم من كفر، والخوارج كذلك كفرهم بعض السلف، والجمهور على عدم تكفير الخوارج، لكن بعض السلف كفرهم. فإذا عدهم هنا شيخ الإسلام - رحمه الله - من فرق الأمة فالمراد بهم غير المكفرين. قال: الذين لم يكفروا. نعم، ولا يدل على أن شيخ الإسلام لا يكفر الروافض، فلا يستفاد من هذا يقال: شيخ الإسلام لا يكفر الروافض لأنه ذكرهم من فرق الأمة في الواسطية. وقال: لا يلزم هذا، لأنه قد يكون قد أراد الرافض الذين ليسوا بكفار، والروافض الذين هم لا زالوا على الإسلام. وأما الذين هم كفار فهؤلاء أصلاً ليسوا من الأمة، ليسوا من الأمة الإسلامية، فضلاً أن يكونوا من فرقها. وذكر الشيخ - رحمه الله تعالى - الشارح وسطية أهل السنة والجماعة بين الرافضة والخوارج وأصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام -، وما ذكر واضح. الروافض منهم من يسب الصحابة، ومنهم من يكفرهم، ومنهم من يغلو في آل البيت، ومن الروافض من يقدح في آل البيت كذلك، ويتهم علياً بالنفاق لأنه كتم الوصية التي أوصى بها الرسول - عليه الصلاة والسلام -. وهم على طرفين: حتى الروافض ليسوا جميعاً غالية في آل البيت مدحاً، بل منهم من وقع في دم آل البيت، في دم علي بن أبي طالب، يتهمه بالجبن والخوف والنفاق حيث لم يظهر هذه الوصية بزعمهم. والروافض غالية ألّهوا علياً - رضي الله تعالى عنه - بل وسجدوا له، فلما أنكر عليهم سألهم عن سبب هذا، قالوا: أنت هو الإله. فأمهلهم ثلاثة أيام كما ذكر الشيخ - رحمه الله - من هجاء السنة، فلما لم يرجعوا عن فعلهم هذا حرقهم بالنار. قال غيلان - أو قال علي - في قصته المشهورة: «لما رأيت أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبرا». ومال لهم لخدودهم وحرقهم. أنكر بعض الصحابة عليه كابن عباس، قال: لو كنت محله لما حرقتهم ولا قتلتهم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من بدل دينه فاقتلوه»، قال: لا يعذب بعذاب الله. قال - عليه الصلاة والسلام -: «لا يعذب بعذاب الله» يعني بالتحريق. لكن وافقوا علياً - رضي الله عنه - على قتلهم، لكن مسألة التحريق يعني اجتهد فيها علي - رضي الله عنه -. طيب، وسبب هذه الفتنة عبدالله بن سبأ اليهودي اليمني، أسلم نفاقاً ودخل في الإسلام ليفسد على أهل الإسلام دينهم، مثل ما فعل بولس اليهودي مع النصارى: تنصر وهو يهودي لكن تنصر لإفساد دين اليهودية، فأفسد عليهم، لإفساد دين النصرانية فأفسد عليهم ذلك، كما ذكر الشيخ - رحمه الله تعالى - ابن تيمية - رحمه الله - في منهاج السنة. وقصة علي مع هؤلاء الروافض السبائية في قتلهم ذكرها البخاري - رحمه الله تعالى - كما جاء عن عكرمة - رحمه الله -. فأولهم الروافض، ثم روافض لأنهم رفضوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر. ولما أتوا إلى زيد بن علي وقال له: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: هما وزيرا جدي. قالوا: إذا نرفضك. فقال لهم: أنتم روافض. فسموا روافض. طيب، فأهل السنة والجماعة توسطوا بين الخوارج وبين الروافض. قالوا: الخوارج قلوا في آل البيت ذماً وكفروهم، كفروا علي بن أبي طالب ومن كان معه ومن وقف معه، وخرجوا على أمة الإسلام. والروافض غلوا في آل البيت ووقعوا في دمه، غلب الصحابة، بل منهم من كفر الصحابة، ومنهم من سب الصحابة. هم على أصناف. وذلك فصل فيهم أهل السنة وأهل العلم، فمنهم طوائف ومنهم طوائف كفار، ومنهم ليس بكافر، كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في كتابه الصارم المسلول ففصل في هؤلاء، منهم من يكفر ومنهم من لم يكفر. فأهل السنة يرضون عن الجميع، آل البيت وغير آل البيت، وأعطوا كل واحد حقه، لم يغلوا في آل البيت كما غلا الروافض، ولم يقدحوا في بقية الصحابة كما قدح الخوارج وكما قدح الروافض، ولم كذلك يغلوا في آل البيت، ولم كذلك يتنقصوا آل البيت، ولم يقعوا في ذمهم كما وقع الخوارج. قال: إن شاء الله واضح. تقدم معنا شيء من الكلام فيه. أهل ذكروا الشيخ - رحمه الله تعالى - هنا قد سبق أن ذكره - رحمه الله - ولكن يذكره ويكرره تأكيداً لأهمية هذا الأمر. فقد سبق أن ذكر أدلة العلو وأدلة المعية، وأن أدلة العلو نافية لأدلة المعية بل هي جائزة في حق المخلوق، ففي حق الخالق من باب أولى. وذكر الجمع في ذلك ممثلا بالقمر، ممثلا بالقمر الذي هو مخلوق وهو مع المسافر، ويلزم أنه مع المسافر أنه مختلط به اختلاط الذوات أو اختلاط امتزاج أو غير ذلك، لأن المعية في اللغة مطلقة المصاحبة، ثم تكون بحسب السياق: قد تكون معية اختلاط وامتزاج، كما نقول: الماء مع اللبن يعني مختلط وامتزاج. قد تكون معية أوصاف: كن مع أهل التقوى، كن مع الصادقين، أي بأوصافهم. وهكذا معية مصاحبة، معية القمر للشخص المخلوق، ومعية الشمس، وإلى آخر ذلك من أنواع المعية التي قد تقدمت معنا ذكرها. وما ذكر هنا إن شاء الله واضح. وإن فرش الأرض في قول: الفرش، والبندغة حبة خردلة نوع من النبات، وإن الله جل وعلا بيده السموات والأرض، يقبض عليها ولا تساوي شيئاً بالنسبة للكرسي وللعرش. كل هذه السموات العظيمة والأراضين لا تساوي شيئاً، فكيف بالخالق جل وعلا يقال فيه أنه يحاط بسماء أو تظله سماء أو تقله وهي السماء؟ نعم، مطوية بيديه جل وعلا، والسموات مطويات بيمينه، وأذن الكرسي وسعها، والعرش أعظم من الكرسي. تقول: هذا يتأمله الإنسان ويجعله دائماً نصب عينيه، عرف عظمة الله جل وعلا، ولا يمكن يكون محصوراً، نعم، أو يحوزه شيء. فلا يتوهم مثل هذه التوهمات لتوهمها هؤلاء أن تحصروا سماء أو أن تكون السماء ظرفاً له أو غير ذلك. وإنما هذا يأتي بسبب عدم قدر الله حق قدره. لكن هذه النصوص من تذكرها دائماً لا يمكن أن يتوهم مثل هذه الأوهام التي لأجلها نفى من نفى عن الله جل وعلا العلو سبحانه وتعالى، وأنه في السماء، وغير ذلك. نعم. تكلم الشيخ بعد، قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: فصل. وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيد، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ الآية، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه. قال الشارح: قوله: وقد دخل في الإيمان إلى آخره، يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه من أنه قريب مجيب، فهو سبحانه قريب ممن يدعوه ويناجيه، يسمع دعاءه ونجواءه، ويجيب دعاءه متى شاء وكيف شاء. فهو تعالى قريب قرب العلم والإحاطة، كما قال تعالى: ﴿ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾. وبهذا يتبين أنه لا منافاة أصلاً بين ما ذكره في الكتاب والسنة من قربه تعالى ومعيته، وبين ما فيه من علوه تعالى وفوقيته. فهذه كلها نعوت، نعوت له على ما يليق به سبحانه. سبحان الله، ذكر هنا الشيخ - رحمه الله - رحمة الله، وكذلك ما يتعلق بما يجب الإيمان به، وأنه جل وعلا قريب، وأنه سبحانه وتعالى كذلك في علوه، فكما هو في العلو فهو كذلك قريب، ولا ينافي هذا ولا هذا، ولا ينافي هذا ولا ذاك. والتقدم أيضاً ذكر هذا ويؤكد عليه شيخ الإسلام - رحمه الله - لأهميته، للرد على الذين نفوا العلو، وإنه سبب نفيهم لأنهم لم يجمعوا، وكأنهم جعلوا أدلة العلو تناقض أدلة المعية، وجعلوا أدلة العلو أدلة القرب تنافي أدلة العلو. لكن لو جمعوا بين أدلة العلو والمعية، وأدلة العلو والقرب، وأثبتوها على ما يليق بالله جل وعلا وهي ممكنة، ليست مستحيلة، نعم في المخلوق، فكيف تكون مستحيلة في حق الخالق؟ لكن لعدم فهمهم لنصوص المعية والعلو، والجمع بينهما، وعدم فهمهم لأدلة العلو وأدلة القرب، وكيف يجمع بينهما، حصل الضلال. فيؤكد على هذا للتوكيد على فهم الجمع، على فهم الجمع بين هذه النصوص، لأن ما أتى الضلال وانحراف الله - يقصد انحراف الناس عن الله - بسبب عدم الجمع الصحيح. فيقرر هنا: كما أنه علي فهو قريب، لا ينافي دنوه وقربه جل وعلا. فيثبت له العلو ويثبت له القرب ولا منافاة، ويثبت له العلو وأنه مع خلقه، ولا منافاة بين ذلك. وأذكر الشارح - رحمه الله تعالى - هنا كما يتعلق بالقرب، قال: قريب قرب العلم والإحاطة. وهذا القرب العام، القرب العام من كل أحد. ومن أهل العلم من يقول: إنما القرب قرب خاص، كشيخ الإسلام، من قيد. ومن علم من يقول: القرب على نوعين، كما تقدر: عام وخاص. وهنا ذكر العام: قرب العلم والإحاطة. ويكون القرب الخاص: قرب خاص من أوليائه، من إبقا الله المحسنين المتقين. كيف هذا القرب؟ الله أعلم. له حقيقة تليق بالله جل وعلا، لا نعلمه. كيف يقرب العبد؟ كيف يقرب الرب جل وعلا من العبد شبراً؟ الله أعلم كيف. ما نعلم لكن يقرب، نعم، حقيقة على ما يليق بالله جل وعلا. ينزل كيف؟ الله أعلم. لكن ينزل. عرف كيف يقرب؟ الله أعلم بكيف. لكن الله جل وعلا يدنو عشية عرفة من حجاج على ما يليق به جل وعلا. الكيف لا نعلمه. وهكذا يقال في القرب الخاص. نعم، وذكر الشيخ - رحمه الله - هنا القرب العام، سيكون قرب العلم والإحاطة. هذا القرب العام، والقرب الخاص على ما يليق بالله جل وعلا، حقيقة، حقيقة، نعم، على ما يليق بالله جل وعلا. كما نقول: ينزل حقيقة حين يبقى ثلث الليل الآخر للسماء الدنيا، ويدنو عشية عرفة حقيقة، يدنو، نعم، هو جل وعلا على ما يليق. الله أعلم بالكيف. كيف يأتي الآن على ما... هذا خلاصة ما ذكره هنا، وقد تقدم من كلام شيخ الإسلام - رحمه الله -. نعم، قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم - هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره. ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة. بل إذا قرأ الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة. فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً. وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف. قال الشارح - الهراس - رحمه الله تعالى: وقوله: ومن الإيمان بالله وكتبه إلى آخره، جعل المصنف الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلاً في الإيمان بالله لأنه صفة من صفاته، فلا يتم الإيمان به سبحانه إلا بها. إذ الكلام لا يكون إلا صفة للمتكلم، والله سبحانه موصوف بأنه متكلم بما شاء متى شاء، وأنه لم يزل ولا يزال يتكلم، بمعنى أن نوع الكلام، أن نوع كلامه قديم، وإن كانت آحاده لا تزال تقع شيئاً بعد شيء بحسب حكمته. وقد قلنا فيما سبق أن الإضافة في قولنا: القرآن كلام الله، هي من إضافة الصفة للموصوف، فتقيد، فتفيد أن القرآن صفة الرب سبحانه، وأنه تكلم به حقيقة بألفاظه ومعانيه بصوت نفسه. فمن زعم أن القرآن مخلوق من المعتزلة فقد أعظم الفرية على الله، ونفى كلام الله عن الله وصفاً، وجعله وصفاً لمخلوق، وكان أيضاً متجنّياً على اللفظ، فليس فيها متكلم بمعنى خالق للكلام. ومن زعم أن القرآن الموجود بيننا حكاية عن كلام الله كما تقوله الكلابية، أو أنه عبارة عنه كما تقوله الأشاعرة، فقد قال بنصف قول المعتزلة، حيث فرق بين الألفاظ والمعاني، فجعل الألفاظ مخلوقة والمعاني عبارة عن الصفة القديمة. كما أنه ضاهى النصارى في قولهم بحلول اللاهوت وهو الكلمة في الناسوت وهو جسد عيسى - عليه السلام -، إذ قال بحلول المعاني. إذ طيب، إذا عندكم نسخة القديمة، إذا إذ قال بحلول المعاني التي هي الصفة القديمة في هذه الألفاظ المخلوقة، فجعل الألفاظ ناسوتاً لها، ناسوتاً لها، فجعل الألفاظ ناسوتاً لها، والقرآن كلام الله حيث تصرف فهمها، حيث تصرف فهمها، كتبناه في المصاحف، فمهما، مهما، مهما كتبناه في المصاحف أو تلوناه بالألسنة لم يخرج بذلك على أن يكون كلام الله، لأن الكلام كما قال المصنف إنما يضاف إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً. وأما معنى قول السلف: منه بدأ وإليه يعود، فهو من البدء، يعني أن الله هو الذي تكلم به ابتداء، لم يبتدئ من غيره. ويحتمل أن يكون من البدء بمعنى الظهور، يعني أنه هو الذي تكلم به وظهر منه، لم يظهر من غيره. ومعنى: إليه يعود، أن يرجع إليه وصفاً لأنه وصفه القائم به. وقيل معناه: يعود إليه في آخر الزمان حين يرفع من المصاحف والصدور، كما ورد في آيات الساعة. وأما كون الإيمان بأن القرآن كلام الله داخل في الإيمان بالكتب، فإن الإيمان بها إيماناً صحيحاً يقتضي إيمان العبد بأن الله تكلم بها بألفاظها ومعانيها، وأنها جميعها كلامه لا كلام غيره، فهو الذي تكلم بالتوراة بالعبرانية، وبالإنجيل بالسريانية، وبالقرآن بلسان عربي مبين. سنذكر للخير ذكر هنا الشيخ - رحمه الله تعالى - هذا الفصل، وقد سبق أن ذكر ذلك - رحمه الله تعالى - ما يتعلق بالقرآن وأنه كلام الله، وهو ما يتعلق بالإيمان بالكتب. جاءنا من كتب الله القرآن، ومن الإيمان الإيمان بكتب الله، ومنها القرآن، ومنها أن يؤمن العبد أن القرآن كلام الله جل وعلا. إذن صار الإيمان بالكتب يدخل فيها الإيمان بالقرآن بأنه من كتب الله، فيجب أن يكون إيمان العبد في القرآن بأنه كلام الله جل وعلا، يتكلم به سبحانه وتعالى بحروف وأصوات، كما تقدم بيانه فيما سبق. وكرر - رحمه الله تعالى - تأكيداً عليه ولأهميته، ولأن أكثر الفرق خالفت في هذا. في القرآن كلام الله جل وعلا من إضافة الصفة إلى الموصوف: كلام الله، كلام صفة، والموصوف الله. والألفاظ والمعاني كما تقدم: ليست الألفاظ فقط كما يقول المعتزلة، وليست المعاني فقط كما يقول الأشاعرة. لأن المعتزلة عندهم هذا المخلوق، كلام الله القرآن يقولون مخلوق، وهو كلام الله مخلوق، والله متكلم خالق للكلام، أي خلق الكلام هذا كلامه، كلام الله مخلوق. وأما الأشاعرة يقولون: لا، الألفاظ هذه ليست كلام الله، وإنما عبارة عن كلام الله، عبارة جبريل أو عبارة محمد، وهي مخلوقة. والكلابية يقولون: حكاية، كما تقدم. ورسل الجماعة يقولون: لا، الألفاظ والمعاني، الألفاظ كلام الله والمعاني كلام الله، لفظ ومعنى. لأن الكلام لفظ ومعنى في لغة العرب، لفظ ومعنى. ليس الكلام في لغة العرب اللفظ دون المعنى، وليس المعنى دون اللفظ. والله جل وعلا أطلق أن القرآن كلامه، لم يقل اللفظ أو المعنى. فلما أطلق في أن الكلام، في أن الكلام كلامه جل وعلا، فالكلام ألفاظ ومعاني. فالقرآن كلام الله ألفاظه ومعانيه، لا كما يقول هؤلاء المعتزلة والأشاعرة والكلابية. وهو قديم النوع، حات الأحات، نوعه قديم، لنزل وعلام، لم يزل ولا يزال متكلماً في الأزل، متى شاء وكيف شاء، وما حاد الكلام، فهذا حادث حتى تشاء، متى شاء، إنما مر إذا أراد شيء يقول له كن فيكون. فحاد الكلام، وفراد الكلام هذه في أوقات حادثة، ويأتيهم من ذكر من ربهم محدث، والذكر كلام من الله محدث، يبعثنا جديد متجدد. والقديم الأزلي: نوع الكلام، كونه جل وعلا موصوفاً بأنه متكلم، كيف شاء ومتى شاء، وفي أي وقت شاء. ففيه الرد على من ضل في هذا. وقد تقدمت، قد تقدم ذكر الفرق الضالة التي خالفت أهل السنة والجماعة في كلام الله جل وعلا. ومن قال: إن الألفاظ مخلوقة والمعاني غير مخلوقة، فقد شابه النصارى في هذا. أولاً: قال بنصف قول المعتزلة، كأن المعتزلة يقولون القرآن مخلوق، بل بعضهم صرح، حداقهم صرح أنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة، وإن فقط المعتزلة لا يقرون بالمعنى النفسي بأنه كلام الله، وإنما يجعلون كلام الله فقط هذا المخلوق، ولا يثبتون كلاماً نفسياً، نعم، قام بالله عز وجل، ولا الأشاعرة يثبتون ذلك. هذا هو الخلاف فقط، وإلا فهم متفقون على أن هذا القرآن مخلوق، كما سبق أيضاً هذا. وأيضاً شابه النصارى في حلول اللاهوت في الناسوت. اللاهوت يعني الله جل وعلا، والناسوت يعني من الإنسان. يقولون: الله حل في عيسى، اللاهوت حل في الناسوت، يعني الله حل في عيسى. والذي يقول: القرآن هذا مخلوق والمعنى النفسي القائم بنفس الله غير مخلوق، وإنما هذا تعبير عن المعنى النفسي، فقوله مثل هؤلاء كأنهم يقولون: حل المعنى النفسي الذي هو كلام الله في هذا المخلوق الذي هو تعبير عن كلام الله. وذلك قال هنا: ضاهى النصارى في قولهم بحلول اللاهوت وهو الكلمة في الناسوت وهو جسد عيسى - عليه السلام -. إذا قال بحلول المعاني، يصلح، إذ قال، ويصلح إذا قال، فذلك في النسخة، إذ كله جائز. يعني إذا قال بحلول المعاني التي هي الصفة القديمة في هذه الألفاظ المخلوقة، شابه النصارى، لأنه جعل الألفاظ ناسوتاً لها، أي لذلك الكلام الذي هو المعنى القائم بنفس الله الذي هو غير مخلوق، وإنما صفة الله. فكأن صفة الله حلت في هذا الكلام المخلوق، كما حل الله في عيسى، كما حل الله في عيسى. حل كلام الله، المعنى القائم بنفس الذي هو غير مخلوق، الذي هو صفة، في هذه الألفاظ. فهذه الألفاظ ناسوتاً لذلك الكلام الذي هو المعنى القائم بنفس الله. هذا أراده - رحمه الله تعالى -، فوقعوا فيما في شبه ما وقعت فيه النصارى بهذا المعنى. طيب، وما ذكر في كلام الشارح واضح. قد تقدم: من هو بدأ وإله يعود. من البدء بالهمز: من البدئي، يعني ابتدأ من الله. ومن البدء بغير همز: بدأ، بدأ غير مهموس، بمعنى الظهور، يعني منه ظهر، بمعنى تكلم به جل وعلا وظهر منه. وإله يعود: إما وصل، يرجع إليه لأن الكلام وصف الله، صفة، فيرجع لله، يوصل لأنه كلامه جل وعلا وصفه القائم به. وإما لما جاء في حديث حذيفة: يُسرى لهذا القرآن في ليلة، نعم، حتى ليبقى منه آية، واليسرى على كتاب الله في ليلة. حديث حذيفة - رضي الله تعالى عنه - وهو حديث صحيح عند ابن ماجة وغيره. والكلام كلام الله سواء بالتوراة أو بالإنجيل أو بالقرآن. التوراة بالعبرانية لغة اليهود، بالإنجيل السريانية لغة النصارى، بالعربية لغة، والقرآن بلغة العرب. نعم. وقية شيء، وقية دقيقة، تاني دقيقة، تاني يقرأ شيء في هذا، احتاج واضح، صحيح. قال شيخ الإسلام: وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان، من الإيمان به وبكتبه وبملائكته وبرسله، فالإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم، كما يرون الشمس ضحى، ضحى، ليس بها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته. يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء تعالى. قال الشارح: قوله: وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه إلى آخره، فقدم الكلام على رؤية المؤمنين لربهم عز وجل في الجنة، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث الصريحة، فلا حاجة بنا إلى إعادة الكلام فيها. غير أن قوله: يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، قد يوهم أن هذه الرؤية أيضاً خاصة بالمؤمنين، ولكن الحق أنها عامة لجميع أهل الموقف حين يجيء الرب لفصل القضاء بينهم، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾. والعرصات: جمع عرصة، وهي كل موضع واسع لا بناء فيه. أحسن الله إليك. ذكر الشيخ - رحمه الله - في هذا الموضع شيئاً ما يتعلق بالرؤية، قد أشار إليها وهو يكرره هنا ويؤكد عليها - رحمه الله - ببيان أهميتها. خاصة هذه الأمور الثلاثة يتعلق بالعلو، يتعلق بالرؤية، ويتعلق بالكلام. حتى قال: بعض العلم من أثبت هذه الثلاثة الأمور فهو الغالب من أهل السنة، الغالب من أهل السنة، لأن أغلب أهل البدع يتعلق في هذه الأمور الثلاثة: يتعلق بالعلو، علو الله عز وجل، أو في القرآن، أو في الرؤية. فبذلك يؤكد عليها - رحمه الله تعالى -، ويبين مثل أهل السنة والجماعة فيها. فمن أثبتها يعني قد سلم من الخروج من ذات أهل السنة، إلا أن يقع في شيء آخر، في شيء آخر، يعني القرآن يتعلق به مثلاً، أهل التعطيل التمثيل، يعني يتعلق بها صفات، وغير ذلك. إثبات ما جاء في القرآن وأنه كلام الله، وأنه صفتهم، يعني يرزم إثباته صفات، يعني على سبيل الإجمال هذه المباحث الثلاثة وما يتفرع عنها من نواحي، فيها وسلم فيها الغالب أن يكون أهل السنة، إلا أن يكون قد وقع في شيء من الإرجاء وغير ذلك. نعم، والكلام في هذا قد تقدم، لكن أكد على ما يتعلق بأن الرؤية عامة في عرصات يوم القيامة: المسلم والكافر. وهذه المسألة فيها الخلاف، تقدمت الأقوال في محل الرؤية: هل يراه المؤمنون فقط أم الكفار المنافقون؟ أقوال فيها، وقد مر ذكرها. طيب، أظنه واضح. يعني غالب الكلام قد ذكر وسبق ذكره. انتهى الوقت، والله أعلم. صلى الله عليه وسلم، بارك على محمد وعلى آله. صلى الله عليه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر