شرح العقيدة الواسطية للهراس 44

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 44، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

صفة الكلام لله تعالى والرد على شبه المعتزلة والجهمية

يستعرض المقطع استدلال شيخ الإسلام ابن تيمية بالآيات لإثبات صفة الكلام الحقيقية لله بحرف وصوت، ويرد على المعتزلة والجهمية القائلين بخلق القرآن فراراً من التجسيم. يبين أصل هذا القول عند الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وتبني المعتزلة له مع الإشارة إلى محنة الإمام أحمد.

مذهب الكلابية والأشعرية والسالمية في كلام الله تعالى

يشرح المقطع قول الكلابية والأشعرية إن كلام الله معنى واحد قديم قائم بالذات لا يتعلق بالمشيئة ولا يتصف بالحرف والصوت، مع تفصيل الخلاف بينهما في انقسامه وأحكام القرآن. ثم يذكر قول السالمية إنه حروف وأصوات قديمة لازمة للذات مقترنة في الأزل.

رد قول الاقترانية والكرامية في صفة كلام الله تعالى

يناقش المقطع مذهب الاقترانية الذين زعموا أن حروف كلام الله مقترنة لا متعاقبة فراراً من قدم الكلام، ويرد عليهم باستحالة اقتران حرفين إلا بحالتين مستحيلتين في حق الله. ثم يعرض قول الكرامية الذين جعلوا كلام الله حادثاً له ابتداء فراراً من تسلسل الحوادث، ويبين فساد قولهم وأن قدم كلام الله لا يلزم منه قدم المخلوقات بل تحدث بعد أمره كن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضع بعض الآيات الواردة في إثبات صفة الكلام لله جل وعلا. وهذا الموضوع - صفة الكلام - مما حصل فيه النزاع بين أهل السنة ومخالفيهم، كثر فيها الكلام والردود، وألفت فيها المؤلفات، وذلك لعظم هذه المسألة وما يتعلق بكلام الله جل وعلا. فشيخ الإسلام رحمه الله ذكر بعض الآيات الواردة من كتاب الله جل وعلا الدالة على إثبات صفة الكلام، وأنه جل وعلا يتكلم بحرف وصوت، وأنه ينادي ويناجي جل وعلا، وأن كلامه متى شاء تكلم، وفي أي وقت شاء. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى نوّع الآيات، فاختار الآيات التي فيها تنوع؛ يعني اختار من الآيات التي جاءت بصيغة القول، وبعض الآيات التي جاءت بصيغة النداء، وبعض الآيات التي بصيغة المناجاة، وبعض الآيات التي دلت على أن الكلام كان في مكان وفي موضع، وبعض الآيات الدالة على أن هذا الكلام كان لبعض رسله وفي وقت شاء فيه جل وعلا أن يتكلم. وكل هذا للدلالة على أنه كلام حقيقي؛ لأنه وصف بأنه قول، ووصف بأنه نداء، ووصف بأنه مناجاة، وأنه في وقت. واختار بعض الآيات التي فيها تأكيد الكلام بالمصدر: "كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا". وكل هذا لا يصدق إلا على الكلام الحقيقي، للرد على القائلين بالمجاز، وأن الله لم يتكلم بحرف وصوت. فكل هذه الأدلة بتنوعها ترد على هؤلاء. فلذلك رحمه الله تعالى نوّع هذه الأدلة لإفحام هؤلاء، مما يدل على أن كلامهم باطل، يخالف هذه النصوص الواضحة الدالة على أنه كلام حقيقي، حيث لا يوصف بهذه الأوصاف إلا الكلام الحقيقي. وذكر الشارح - له الراس رحمه الله تعالى - قال: تضمنت هذه الآيات إثبات صفة الكلام لله عز وجل. قد تنازع الناس حول هذه المسألة نزاعاً كبيراً، فمنهم من جعل كلامه سبحانه مخلوقاً منفصلاً منه، وقال: إن معنى متكلم: خالق للكلام، وهم المعتزلة. ذكر الحافظ ابن رجب الحموي رحمه الله تعالى هنا قول المعتزلة في كلام الله جل وعلا. المعتزلة والجهمية؛ لأن المعتزلة هم تبنوا مذهب الجهمية، وإلا فالأصل هو مذهب الجعد بن درهم. جعدية: الأصل هو مذهب الجعد، جعد بن درهم، أول من نفى الكلام، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما. وذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى، حيث خطب الناس، قال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما. فذبحه عليه أهل العلم. وقال قائل من الشعراء لأجل إذا ضحى بجعدٍ خالد القسري يوم ذبائح القربان: "إذ قال إبراهيم ليس خليله * كلا ولا موسى الكريم الداني * شكر الضحية كل صاحب سنة * لله درك أخا من قرابين". وتبنى مذهب الجعد: الجهم بن صفوان، فنسب المذهب إلى الجهم: الجهمية، وانتشر. وإلا فمذهب الجعد، قال: مذهب الجعدية، مذهب الجهمية. الجعدية: نسبة إلى من أول من أصل هذا المذهب وهو الجعد. وقال: الجهمية؛ لأن الجهم هو أكثر من شهر هذا المذهب لفصاحته وبما كان عنده من العقل، لكن لم ينفعه. وتبنت المعتزلة مذهب الجهمية، فصار ينسب إليها مذهب الجهمية في كلام الله. وإلا قد سبقهم الجهم بن صفوان، لكن المعتزلة تبنوا ذلك وتلقوه عن الجهم ونشروه، فقيل: مذهب المعتزلة. ومن هم أولئك؟ ابن أبي دؤاد وغيرهم ممن ابتلي بهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في محنة القول بخلق القرآن، وأوذي في ذلك أذى شديداً. فأولئك هم خلف لمذهب الجهمية، وأحفاد مذهب الجهمية، أي المعتزلة. نسبة إليهم هذا المذهب: أتباع واصل بن عطاء وغيره من المعتزلة، الذين دانوا بهذا المذهب. فاعتقادهم: أن كلام الله جل وعلا مخلوق منفصل عنه. يعني أن الله جل لم يتكلم بكلام صدر منه جل وعلا وقام به، لا، وإنما خلق كلاما، خلق كلاما في روح جبريل، أو خلق كلاما في الشجرة. هذا الكلام الذي سمعه موسى، خلقه الله في الشجرة. خلق الله جل وعلا كلاما في الشجرة، هذا الكلام المخلوق في الشجرة الذي سمعه موسى، هو: "يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ". نعم، هذا الكلام: "يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ"، خلقه الله، ما تكلم به، وإنما خلق الله هذا الكلام، وخلق هذا الصوت في الشجرة، ونزل، يقول: في الهواء، سمع موسى هذا الكلام الذي خلقه الله بحرف وصوت مخلوق منفصل عنه. يقولون هذا فراراً من القول بالتجسيم والتمثيل؛ لأنهم قالوا: إذا قلنا إن الله جل وعلا يتكلم ويقوم به كلام، فمعنى أنه جسم. كيف جسم؟ قالوا: لأن الكلام إذا قام بالله جل وعلا، معناه قيام حوادث بالله، قيام حوادث بالله كما تقوم الحوادث بالمخلوق. فإذا جعلنا الله جسما تقوم به الحوادث، ومثلناه بالمخلوق، فأرادوا بزعمهم تنزيه الرب جل وعلا عن هذا، فقالوا: إذن نقول: الله ما تكلم لكلام قام به وصدر منه جل وعلا، وإنما خلق كلاما، خلق كلاما، فهو متكلم بمعنى خالق للكلام، ونسبة إليه أنه متكلم لأنه هو الذي خلق الكلام، لأنه هو الذي خلق الكلام. فالكلام لم يقم بالله، وإنما كلام خلقه منفصل عنه، بائن عن الله جل وعلا. وعندهم إثبات صفات يستلزم إنكار الذات، وذلك ينفون الصفات ومنها صفة الكلام. فلذلك قالوا: إذا أثبتناها أثبتنا أن الله جسما كالمخلوق تقوم به الحوادث. وأيضا إذا كان موصوفاً بصفات الكلام، معناه أن له صفات تتعدد، فإذا له ذوات تتعدد، يلزم تعدد الذوات. فنفوا الصفات ومنها صفة الكلام. فذلك قال: فمنهم من جعل كلامه سبحانه مخلوقاً منفصلاً منه، وقال: إن معنى متكلم: خالق للكلام، خالق للكلام، وهم المعتزلة. وسموا معتزلة كما تعلمون، لاعتزالهم حلقة الحسن البصري، ولاعتزالهم أهل الإسلام بهذا المعتقد الذي خرجوا به على الأمة. طيب، فقالوا... أو لنتترك تفاصيل فيما يتعلق بهذا، لأننا سنذكر إن شاء الله الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، وهم: أهل الحلول والاتحاد، الحشوية، والفلاسفة، الصابئة، ومنهم الجهمية والمعتزلة، ومنهم الكلابية والأشعرية، ومنهم الكرامية والسالمية. كل هؤلاء ضلوا في باب الكلام، وسنذكر أقوالهم في ما يعتقدون في كلام الله جل وعلا، ولماذا قالوا هذه الأقوال، وفراراً من ماذا، والرد عليهم. ومن جملة هؤلاء المعتزلة، ولذلك نتركهم الآن بعد أن بينا شيئا مما يعتقدونه، لأن الشارح ذكره هنا، وأنهم قالوا: كلام الله مخلوق منفصل عنه. قالوا: ومنهم من جعله لازماً لذاته أزلا وأبدا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، ونفى عنه الحرف والصوت، وقال: إنه معنى واحد في الأزل، وهم الكلابية والأشعرية. ذكر هنا رحمه الله تعالى من ضل في باب الكلام أيضا في إثبات كلام الله عز وجل: الكلابية والأشعرية. الكلابية: أتباع ابن كلاب، عبد الله بن سعيد بن كلاب. قيل: ابن كلاب أصلا لقب، لقب له، قالوا: إنه قوي في المناظرة، قوي في المناظرة كالكلب، نعم، الذي يخطف بحدة مناظرته، فلقب بابن كلاب. وهو الذي تبنى هذا المنهج: عبد الله بن سعيد بن كلاب. وأبو الحسن الأشعري كان على آخر... آخر ما عليه هو على مذهب ابن كلاب، يعني ترك مذهب الاعتزال، ترك مذهب الاعتزال، وتبنى مذهب ابن كلاب. والأشاعرة اليوم الذين ينتسبون مزعمين إلى أبي الحسن الأشعري، لا ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري إن كانوا يقصدون يتبنون مذهبه، فهو مذهب ابن كلاب. الأشعري ليس له مذهب خاص، أبو الحسن الأشعري لا مذهب، ومذهب ابن كلاب مذهب. ومذهب ابن كلاب يعني الذي كان عليه في آخر... قبل الرجوع إلى مذهب أهل السنة، وإلا في آخر حياته كان على مذهب الإمام أحمد، كما صرح بذلك رحمه الله في كتابه "الإبانة في أصول الديانة". فالكلابية هؤلاء والأشعرية، اعتقادهم في كلام الله جل وعلا: أنه لازماً لذاته، لازماً لذاته. معناه: لا يتعلق بمشيئة الله عز وجل، وليس هو حادثاً، أي أنه يتكلم متى شاء وكيف يشاء وفي أي وقت شاء، وإنما هو جل وعلا متكلم وموصوف بالكلام مثل وصفه بالحياة والعلم. الله جل وعلا موصوف بالحياة أزلا، موصوف بالعلم أزلا، ليس معناه أنه يعلم متى شاء، لا، وأنه موصوف بالعلم أزلا وبالحياة أزلا. فجعلوا الكلام كذلك: الله جل وعلا موصوف بالكلام أزلا، أي أنه في الأزل موصوف بالكلام. نعم، لكن هل يثبتون أنه تكلم في أوقات؟ نعم، أو أنه متكلم في الأزل فقط وغير متكلم في أي وقت آخر، وغير متكلم بمشيئته؟ذان يتكلم، لا يثبتون أن الله جل وعلا يتكلم متى شاء، وإنما يثبتون صفة الكلام صفة أزلية لازمة لذاته، كلزوم الحياة والعلم. فلذا يقولون: لا يتعلق بمشيئته، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، يعني متى شاء تكلم، وفي أي وقت شاء تكلم. وهذا باطل؛ لأن الله جل وعلا كما هو موصوف في الأزل بأنه متكلم، كذلك دلت النصوص الكتابية والسنة أنه يتكلم متى شاء، تكلم بعض أنبيائه متى شاء، كموسى في وقت، وآدم، نعم، وكذلك نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وسيكلمنا يوم القيامة. هذا يدل على أنه يتكلم متى شاء وفي أي وقت شاء. والكلابية والأشعرية لا يثبتون ذلك، لا يثبتون ذلك. فقال الكلابية: قالوا: لازماً لذاته أزلا وأبدا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وكذلك لم يثبتوا أن كلام الله بحرف وصوت، لا، وإنما يقولون: كلام الله معناه: المعنى القائم بالنفس، المعنى القائم بنفس الله جل وعلا. فالكلابية والأشعرية عندهم كلام الله: ألفاظ ومعاني. الألفاظ والمعاني، فالمعنى غير مخلوق، المعاني صفة لله جل وعلا، نعم، غير مخلوق، وهو المعنى القائم بنفس الله. وأما الألفاظ فعندهم مخلوق، يوافقون في ذلك المعتزلة والجهمية، يوافقون في ذلك المعتزلة والجهمية. وذلك صرح به بعض محققي الأشاعرة، كالسعد التفتازاني والداواني، وغيرهم من كبار محققي الأشاعرة، أنه لا خلاف بيننا - قالوا - وبين المعتزلة في أن الله جل وعلا متكلم بمعنى خالق للكلام، بمعنى خالق للكلام. ذلك الخلاف الذي بيننا وبين المعتزلة: أن المعتزلي لا يثبتون أن هذا الكلام المخلوق معنى قائماً بنفس الله. المعتزلة ما يقولون بذلك، لماذا؟ المعتزلة يجعلون كلام الله منفصلاً بائناً، وهم يقولون: ماذا؟ نجعله صفة لازمة، كلزوم الحياة، وهو المعنى القائم بالنفس، هكذا يقول من الكلابية والأشعرية. طيب، وذلك قال: ونفى عنه الحرف والصوت، قال: إنه معنى واحد في الأزل، معنى واحد في الأزل، وهم الكلابية والأشعرية. والحق أن بينهما خلاف، ليس الكلابية والأشعرية كلاهما يقول: كلام الله معنى واحد في الأزل، لا، الأشعرية يخالفون الكلابية؛ لأن الكلابية عندهم كلام الله جل وعلا ليس معنى واحدا، لا، وإنما منه خبر، ومنه استفهام، ومنه أمر ونهي. فيقولون: كلام الله أمر ونهي، وخبر واستفهام، أمر ونهي وخبر واستفهام، الكلابية. أما الأشعرية فيقولون: لا، كلام الله معنى واحد، كلام الله معنى واحد، لا ينقسم إلى أمر أو نهي، وخبر واستفهام، لا. فبين الكلابية والأشعرية خلاف، وإن كانوا قد اتفقوا على القول بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفس الله جل وعلا. وأيضا الخلاف الثاني بين الكلابية والأشعرية: أن الكلابية يقولون: كلام الله هذا المسطور، حكاية، حكاية عن كلام الله، القرآن حكاية عن كلام الله، حكاه جبريل عن الله، أو محمد حكاه عن الله، نعم، فيجعلون القرآن كلام الله، كلام الله المحكي، كلام الله المحكي عنه، من حكاه؟ حكاه جبريل للأنبياء، والأنبياء حكوه لمن؟ لأقوامهم، فإذا هو كلام المحكي، هكذا يقول الكلابية. والأشعرية يقولون: لا، كلام الله عبارة، عبارة، يعني: جبريل عبر عن كلام الله الذي هو المعنى القائم بنفس الله، عبر عنه من جبريل، أو عبر عنه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هكذا يقول الأشعرية. والحكاية هي: نقل عين المحكي، نقل عين المحكي بلفظه، نعم. والعبارة هو: نقل المحكي بالمعنى، ها، العبارة: النقل بالمعنى، والمحكي: النقل بماذا؟ باللفظ. فعندنا محاكاة وتعبير، محاكاة ماذا؟ وتعبير فلان: حكى كلام فلان، يعني حكاه ماذا؟ بلفظه، ولم يعبر ولم يتصرف في شيء، حكاه كما سمعه تماما ونقله كما سمعه. العبارة: نقل الكلام لكن بماذا؟ بتعبير، بتعبير ممن عبر. فهذا الخلاف بين الأشعرية والكلابية. قالوا: إنه معنى واحد في الأزل، وهم الكلابية والأشعرية. وسيأتي ذكر في ذكر الكلابية والأشعرية أقوالهم في كلام الله عز وجل، ولماذا قالوا ذلك. ولكن نريد الآن نمر مروراً على ما ذكره الشارح، ثم بعد ذلك، بعد الانتهاء من كلام الشارح، نذكر بعض المسائل المهمة التي تتعلق بهذا المبحث، رؤوس أقلام في هذا لأهميتها. قال: ومنهم من زعم أنه حروف وأصوات قديمة لازمة للذات، وقال: إنها مقترنة في الأزل، فهو سبحانه لا يتكلم بها شيئا بعد شيء، وهم بعض الغلاة. وهذا القول هو قول السالمية، قول السالمية، تبع رجل يقال له: سالم، منسوبة إليه هذا الطائف. وهؤلاء السالمية يزعمون أن كلام الله حروف وأصوات قديمة، يا الله، عز تكلم بكلام، وهذا الكلام حروف وأصوات قديمة لازمة للذات، لازمة للذات، وقال: إنها مقترنة في الأزل، مقترنة في الأزل، فهو سبحانه لا يتكلم بها شيئا بعد شيء. فلذا يقال لهذه الطائفة: الاقترانية، يقال لها الاقترانية؛ لأنها قالت بالاقتران، يعني: عندهم كلام الله جل وعلا نعم حروف وأصوات، لكن هذه الحروف ليس معناه... نعم، هذه الحروف يسبق بعضها بعضا، يعني مثلا: في "بسم الله"، نعم، عندنا الباء والسين والميم، مثلا، فيقولون: هذه الحروف ليست متعاقبة، نعم، وإنما مقترنة، مقترنة مع بعض، لم يسبق الباء السين، ولا السين الميم، واضح، وإنما هي في وقت واحد، مقترنة مع بعض، تكلم الله جل وعلا بها. وهذا لا يعقل، نعم، قد رد ابن القيم على هذا وغيره، من العلم: لا يمكن أن يوجد حرفان في وقت واحد، أن يوجد حرفان في وقت واحد، نعم، وحرفان ينطقان في وقت واحد، هذا لا يمكن، نعم، إلا في حالتين، كما ذكر ابن القيم: عند النطق والكتابة، عند النطق والكتابة. عند النطق: إذا نطق رجلان، تمام، أنا أقول باء، وسامي يقول سين، في وقت واحد، أقول باء وسين مع بعض، واحد اثنان ثلاثة، باء، ويقول سين، حرفان في وقت واحد، لكن من اثنين. أو عند الكتابة: يعني تقول باء وتكتب سين، تأخذ القلم تقول: ماذا؟ باء، وتكتب سين، في نفس الوقت، باء سين، تقول باء وتكتب سين، ما تكتب باء، تكتب أيش؟ يا جماعة، نيام الله، أستاذ، رباء وتكتب سين، تمام. طيب، فيبقى: فإذا في هاتين الحالتين فقط يمكن أن يؤتى بحرفين في وقت واحد، عند نطق رجلين بهذه الحرفين، أو عند نطق رجل بحرف وكتابة الحرف في نفس الوقت الذي نطق به الحرف، الباء، قال باء وكتب سين. سيأتي مزيد إضافة في هذا في ذكر كلام اعتقاد الكرامية. نعم، الاقترانية، السالمية، هؤلاء، الحاصل أنهم يقولون: الأصوات قديمة. ولماذا قالوا بالاقتران؟ لأنهم أثبتوا أن كلام الله جل وعلا قديم، تكلم بكلام قديم أزلي، فقيل لهم: كيف بكلام أزلي والحروف متعاقبة؟ الحروف متعاقبة، السين بعد الباء، والألف لام ميم، واللام بعد الألف، والميم بعد اللام، وكهيعص، وحم، وعسق، حم، حروف متعاقبة، كيف تقولون هو في... في الأزل، نعم، أزلي؟ فما استطاعوا أن يأتوا بالجواب، ولم يوفقوا، فقالوا: إذن نقول: الحروف مقترنة، نعم، يعني: الحروف تكلم بها جل وعلا مقترنة، بمعنى: لم يسبق بعضها بعضا، فراراً من ماذا؟ فراراً من عدم إثبات كون كلام الله جل وعلا أزليا. ظنوا أن تعاقب الحروف ينافي إثبات أزلية كلام الله جل وعلا، فقالوا: نقول بالاقتران. وهذا كلام ما يمكن، محال، سيأتي نزيد إضافات حول هذا. طيب، ومع أنهم أثبتوا أنها حروف وأصوات، أصوات، كما أثبت أهل السنة، نعم، لكن ضلوا في هذا. قالوا: ومنهم من جعله حادثاً قائماً بذاته تعالى، متعلقاً بمشيئته وقدرته، ولكن زعم أن له ابتداء في ذاته، وأن الله لم يكن متكلماً في الأزل، وهم الكرامية. ويطول بنا القول أو نشتغل بمناقشة هذه الأقوال وإستدلالها على أن فسادها بين لكل ذي فهم سليم ونظر مستقيم. ذكر هنا قول الكرامية، أتباع محمد بن كرام. وهؤلاء يعتدون في كلام الله مثل ما يعتقد أهل السنة، مثل ما يعتقد أهل السنة، وإنما خالفوا في هذا، خالفوا في هذا: أنهم جعلوا كلام الله جل وعلا إنما كان بعد أن لم يكن، كان بعد أن لم يكن، يعني أنه جل وعلا لم يكن في الأزل متكلماً، وإنما حدث الكلام بعد ذلك، والكلام له ابتداء، فليس له... فليس أزلياً، فراراً من ماذا؟ فراراً من القول بتسلسل الحوادث في الماضي، فراراً من القول بتسلسل في... في الماضي بحوادث لا أول لها. قالوا: إن الله جل... إذا كان متكلماً في الأزل، فهذا يلزم منه وجود... وجود مخلوقات، إذا كان يتكلم، معناه: يقول للشيء: كن، فكلامه يلزم وجود حوادث، يعني مخلوقات، تمام. فإذا قلنا بأن كلامه أزلي، نعم، معناه: هناك توجد مخلوقات أزلية، مخلوقات أزلية. وذلك نقول: إن كلامه إنما له... له ابتداء، له ابتداء، لم يكن في الأزل متكلماً، ثم... ثم تكلم، حتى يصدق أنه الأول الذي ليس قبله شيء. وهذه لضلالهم في مسألة الحوادث، تسلسل الحوادث، مرت معنا هذه المسألة في السفارينية، ما مرت معنا، وكانت عليها كبير على... مسألة تسلسل الحوادث، ومسألة فيها أقوال، نعم، منهم من نفى تسلسل الحوادث في الماضي، ومن هؤلاء الكرامية، ومن هؤلاء الكرامية، لما لم يقولوا بتسلسل الحوادث في الماضي، نعم، ولم يوفقوا في الفهم إلى الفهم الحق فيها والصحيح، لم يثبتوا تسلسل الحوادث في الماضي، لم يثبتوا تسلسل الحوادث في الماضي، فجعلوا كلام الله جل وعلا ماذا؟ له بداية، وله مبتدأ، ولم يكن كلامه أزلياً، ولم يكن كلامه أزلياً. وهذا تعطيل، نعم، وكما ذكر بعض العلماء: جعلوه كالطفل، نعم، كالطفل الذي لم يكن متكلماً، ثم... تكلم، نعم، وهذا تعطيل كمال الله عز وجل. والله جل وعلا متكلم في الأزل، متى شاء وكيف شاء، ولازم من كونه متكلماً جل وعلا في الأزل: وجود حوادث لا أول لها، نعم، لأنه كما مر معنا، نعم، أن الحوادث... يعني الذين هم معنا في درس السفاريني، ومن كذلك درس معنا الدروس التي ذكرت في هذه المسألة، نعم، أن الله جل وعلا متكلم في الأزل، ولا يلزم وجود حوادث أزلية، لماذا؟ لأن هذه المخلوقات حادثة، ولا... لا، بعد كلام الله، بعد كلام الله، معنى أن كلام الله سبق، ولا... لا، كلام الله سبق، لأن كلام الله نعم فعل، ولا... لا، والفعل ينتج عنه ماذا؟ ها، فعل فاعل، الكلام فعل، ماذا؟ فعل فاعل، ماذا ينتج عنه؟ المفعول، ينتج عنه ماذا؟ المفعول. فإذا كان ربنا وعلا متكلماً في الأزل، نعم، فمعناه: إذا كان متكلماً في الأزل، نعم، إنما يوجد المخلوق وتوجد الحوادث بعد أمره، ولا... لا، وبعد كلامه، ولا... لا. فإذا كانت بعد كلامه وعقب كلامه، هل... هل صارت أزلية؟ ها، لا، وإنما ماذا؟ ها، كانت عقب كلام... كلام الله، كانت عقب كلام... كلام الله. فاللازم يظنه من الكرامية لازماً له، ليس ماذا؟ لازماً لهم، ليس ماذا؟ ليس بصحيح، لأن الحوادث تعقبت كلام الرب جل وعلا، لأنها كانت بعد أن قال: كن، ولا... لا، الحوادث كانت بعد قول الله: كن، فتعقبت قوله جل وعلا: كن، فكيف تكون ماذا؟ ها، أزلية كأزلية الله جل وعلا؟ تمام، فكلام الله أزلي، وأما الحوادث، ها، ليست... ليست أزلية، لماذا نقول؟ لأنها متعقبة لكلام الله جل وعلا، واضح هذا؟ طيب، انتهى الوقت بنا، انتهى. طيب، دعنا نستكمل بهذا إن شاء الله، وهذا مبحث طويل يحتاج يعني شيئا من الترسية. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر