الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 64، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المقطع اعتقاد أهل السنة والجماعة في القدر خيره وشره كركن من أركان الإيمان، مستعرضاً مراتب القدر الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق مع أدلتها من القرآن والسنة.
يستعرض المقطع أنواع الكتابة في اللوح المحفوظ من سنوية وعمرية ويومية، ويناقش خلاف العلماء في أولية خلق القلم والعرش مرجحاً أن العرش خلق قبل القلم وأن كتابة المقادير تمت بعده.
يبيّن المقطع مراتب القدر الأربع بالتفصيل بدءاً من علم الله الأزلي وكتابته في اللوح المحفوظ مروراً بمشيئته النافذة، ويرد على انحراف القدرية في إنكار العلم السابق وانحراف المعتزلة في إنكار خلق الله لأفعال العباد.
أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس مشيراً إلى أنه تناول مرتبة الكلام ومرتبة المشيئة، وسيكمل في الدرس القادم مرتبة الخلق وباقي كلام الشيخ، واختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا الموضع اعتقاد أهل السنة والجماعة في القدر، وقد ذكر فيما سبق الإيمان بالقدر ضمن أركان الإيمان الستة في بداية الرسالة، وهنا ذكر شيئاً من التفصيل فيه، كما أنه أيضاً فصل في بعض المواضع، ذكر شيئاً مما يتعلق بالقدر وقرره رحمه الله تعالى تنبيهاً على أهميته. وهذا المبحث مبحث مهم، مبحث القدر، لأن كثيراً ممن ضلّ بسبب عدم وقوفه لهذا المبحث العظيم الذي هو نظام التوحيد. فذكر رحمه الله تعالى أن الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، تؤمن بالقدر خيره وشره. وأدلة الإيمان بالقدر كثيرة في الكتاب والسنة. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ يَقْضِي اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وإلى آخر ذلك من النصوص الواردة في الإيمان بالقدر. وهكذا بالسنة: في حديث جبريل، يعني ما في مسلم في حديث عمر، «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره»، في حديث أبي هريرة، وفي حديث عبد الله بن عمر كذلك في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس»، يعني حتى الهمة والنشاط بقدر، أي بقدر الله جل وعلا. في حديث عبد الله بن عمر: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، في لفظ: «قدر الله مقادير الخلائق». وقد دل كثير في هذا، قد تقدم معنا في شرح الواسطية وغيرها عند الكلام في القدر، ذكر الأدلة على وجوب الإيمان بالقدر، وأنه أحد أركان الإيمان الستة التي لا يتم الإيمان بها إلا بالإيمان بالقدر. تقدم معنا شيء مما يتعلق بالفرق بين القضاء والقدر: فمنهم من يقول: القضاء والقدر بمعنى واحد. ومنهم من يقول: القضاء هو إذا وقع القدر، إذا وقع القدر، إذا وقع سُمّي قضاء. ومنهم من قال العكس: القدر إذا وقع، القدر هو القضاء إذا وقع. واستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في مسلم، في قول عليه الصلاة والسلام: «ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل». يعني هذا الذي حدث قضاه جل وعلا، فإذا وقع قل: قدر الله وما شاء فعل. وفي حديث ثوبان في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: «حين دعا ليسلم ربه، قال جل وعلا: وإني يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد». فهذا يدل على أن القضاء هو الذي قبل الوقوع، فهذا دليل من يقول: القضاء هو الذي هو القدر الذي لم يقع بعد. ومن قال: القدر إذا وقع هو القضاء. طيب. وتقدم معنا أن القضاء هو القدر لفظاً، القدر القضاء هو القدر: إذا اجتمع افترق، وإذا افترق اجتمع، إذا افترق اجتمع، وإذا اجتمع افترق، كالإسلام والإيمان. ويأتي القضاء بمعنى القدر، والقدر بمعنى القضاء. طيب، ذكر هنا رحمه الله تعالى، الشيخ الهراس في تعليقه على هذا: أولاً ذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بالإيمان بالقدر، وأنه أحد أركان الإيمان الستة التي يدور عليها فلك الإيمان، فلابد من الإيمان به. طيب. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر الإيمان بالقدر على درجتين، الإيمان بالقدر على درجتين، وهاتان الدرجتان كل درجة تتضمن شيئين. ذكر الدرجة الأولى: وهي الإيمان بعلم الله جل وعلا، وهذه المرتبة الأولى من مراتب القدر، وهي مرتبة العلم. فمراتب القدر أربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. تجمعها قولك: علم، كتابة، مشيئة، خلق. نعم: علم أولاً، علم، كتابة، مشيئته، ثم خلقه، وهو إيجاد وتكوين. هذه مراتب القدر. فالإيمان بالقدر على درجتين، وكل درجة ضمن شيئين: الدرجة الأولى الإيمان بعلم الله جل وعلا الأزلي، أي أنه جل وعلا موصوف بالعلم أزلا وأبدا، علم كل شيء، علم ما سيعمله العباد قبل أن يخلقهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق وآجالهم. والأمر الثاني: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ، يعني جل وعلا كتب ما علم من العباد أن يعملوه، فكل ما يحدث مكتوب، قد علمه جل وعلا قبل أن يقع، وأيضاً كتبه في اللوح المحفوظ. كما دل على ذلك دل الكتاب والسنة. وأدلة مرتبة العلم كثيرة: قال جل وعلا: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، قال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، قال جل وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وأدلة مرتبة العلم كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ولما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أطفال المشركين، قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، كما في البخاري عن ابن عباس. فعلم الله جل وعلا سابق بما سيعمل العباد، هو الذي خلقهم ويعلم ما سيعملون، وكتب ما سيعملون في اللوح المحفوظ. ومرتبة الكتاب أدلتها كذلك كتاب وسنة: قال جل وعلا: ﴿وَالتُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾، قال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهكذا قال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، قال جل وعلا: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، والآيات كثيرة في هذا. وهكذا الحديث عنه سلم: «كتب الله مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، كما في مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وهكذا حديث عبادة بن الصامت: «حين خلق القلم، أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة». كتب القلم كل ما سيحدث في ملكوت الله عز وجل في اللوح المحفوظ، أمره جل وعلا بذلك حين خلقه. وهكذا ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من الأحاديث دل على الكتابة في اللوح المحفوظ. والكتابة أنواع: كتابة عامة للمقادير، وأنواع الكتابة: الكتابة السنوية، وهو ما يستنسخ من اللوح المحفوظ تكتبه الملائكة، وهناك الكتابة العمرية، كتابة العمرية حين يكون الإنسان في بطن أمه، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «يُكتب أجله، ويكتب أشقي أم سعيد». نعم، كما جاء عبد الله بن مسعود: «فيُرسَل إليه الملك فيُنفَخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: كتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». هذه كتابة عمرية، قد أشار إليها القرآن في قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. هذه في هذه الآية فيها إشارة الكتابة العمرية، حين يكون الإنسان في بطن أمه، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد. والكتابة اليومية كذلك، التي تكتب، جل عليها قوله جل وعلا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قد جاء في تفسير بعض السلف: الكتابة اليومية، ما يكتب للإنسان فيه. طيب. وهذا قد أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في رسالته، وهكذا الشيخ الهراس رحمه الله تعالى. طيب، وذكر، أشار الهراس رحمه الله تعالى حديث عبادة بن الصامت في خلق القلم، وبين أول هنا بالنصب على الظرفية، الأولى: «أول ما خلق الله القلم». ورواية شاذة تضعف ذلك، لأنها قالت: رواية بالرفع: «أول ما خلق الله القلم»، يعني خبر لأول، أول، ورجحنا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والجمهور، وهو أن العرش خلق قبل القلم، والأولية هنا ليست أولية مطلقة، ليست أولية مطلقة، وإنما أولية هنا حينية زمانية، يعني أول ما خلق حين خلق أمره بالكتاب. ومنهم من يقول: أولية هنا يعني باعتبار الأقلام، ومنهم من يقول: باعتبار العالم المشهود. فالأولية هنا إنما هي أولية مقيدة بحين خلق الله جل وعلا للقلم، يعني حين خلقه أمره بذلك. تقرأ: «أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب». وهنا الشيخ الهراس رحمه الله تعالى قال: «أول»، أو قال هنا الشيخ الهراس: «أن أول»، الشيخ الإسلام ما ذكر «أن أول»، نعم، قال: «لهو»، وهم من الشيخ رحمه الله، وإنما: «أول ما خلق». وذلك نبه هنا إسماعيل الأنصاري على هذا، قال: ليس في نص الواسطية ذكر لفظ «أن أول»، قال: وفي هذا الحديث ذكرها. ثم إن قول المؤلف: «أول هنا بالنصب على الظرفية»، واضح: «أولاً» ليس في «أن أول ما خلق الله القلم». طيب، ذكر مسألة الخلاف فيها: العلم في أيهما خلق أول، القلم أم العرش؟ والراجح: العرش. ودل على هذا حديث عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنهما في الصحيح، في البخاري وغيره. هنا جاء وفد اليمن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وسأله عن أول أمر، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «كان الله ولم يكن شيء قبله»، وقال: «ثم كتب مقادير الخلائق»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وكان عرشه على الماء». فالحديث دل على أن كتابة المقادير كانت بعد خلق العرش. كتابة المقادير، حديث عمران بن حصين يدل على أن كتابة المقادير، كتابة القلم لمقادير الخلائق، كانت بعد خلق العرش. وذلك مما ذكر هنا: الخلاف، والناس مختلفون في القلم الذي كتب القضاء به من الديان، هل كان قبل العرش أهو بعده؟ قولان عند ابن القيم، قالوا: الحق أن العرش قبل، لأنه قبل الكتابة، أو لأنه وقت الكتابة، يعني وقت السلام... الله، سلام الله، خير، لأنه وقت الكتابة، يعني وقت كتابة القلم كان ذا أركان، يعني كان موجوداً وله أركان. وكتابة القلم الشريف تعقبت إيجاده، يعني تعقبت إيجاد خلق القلم، فالقلم خلق فأمر بالكتابة، فالتعقيب: «أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب»، فالتعقيب، فجرى، نعم، فجرى القلم، يعني أمر بالكتابة فكتب. له قال: تعقبت إيجاده، الكتابة، كتابة القلم تعقبت إيجاد خلق القلم لما برأه الله. طيب. وله قال: من غير فصل زماني، ما في فصل، التعقيب مباشرة: خلق الله القلم فأمر أن يكتب فكتب لما برأه الله، قال: اكتب كذا، فجرى بأمر الله ذا جريان، يعني جرى القلم بما هو... جرى القلم بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة. وما يحدث في ملكوت الله جل وعلا هو مطابق لتلك الكتابة، لا يخرج شيء عنها، لا يمكن يقع في ملك الله جل وعلا شيء لم يكتب أبداً. كل ما سيحدث فهو مكتوب، ولا يمكن يحدث شيء لم يكتب أبداً. فما وقع فقد كتب. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يمكن أن يحدث شيء لم يكتب، لم يكتب، لا يمكن أن يحدث شيء لم يكتب، ولا يمكن أن يقع شيء... نعم، لم يكتب. فكل ما وقع، فكل ما وقع فهو مكتوب، قد كتب في اللوح المحفوظ. طيب، وذكر الحمد لله تعالى، شاء الله، الرأس، الحمد لله تعالى، حديث، حديث ابن عباس: «ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه». حديث الترمذي، ابن عباس، الترمذي: «احفظ الله يحفظك». جاء في بعض الزيادات: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك». وهذه الوصية أوصى بها الصحابة، لما وجد بعض من وجد في نفسه شيئاً في القدر، أوصى عبادة بن الصامت بهذا، أوصى عبادة وغيره. قد ذكر ذلك الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد في القدر، وصية الصحابة كعبادة وغيره بهذه الوصية، وهو أن يعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. لمسلم ذكر هذا، نعم. وذكر أيضاً الشيخ الهراس، سبحانه وتعالى، هذا التقدير الذي يقع تابع لعلم الله، وهو على إجمال وتفصيل: علم مجمل وتقدير مجمل، وتقدير مفصل. التقدير المجمل: كتابة، كتابة القلم. وهناك كتابة تفصيلية، ككتابة المقادير والإنسان في بطن، والإنسان في بطن أمه، هذه كتابة تفصيلية تخص الشخص بعينه تفصيلاً، وهذه التفاصيل: ما لفلان، وما لفلان، وما لفلان، فيما يكتب في السنة: من سيحج، ومن سيولد له، إلى غير ذلك من التفاصيل. فكتابة مجملة، وكتابة تفصيلية، وكله يجب الإيمان به، ما كتبه مجملاً وما كتبه مفصلاً، كما دلت على ذلك الأدلة في الكتاب والسنة. طيب، قال رحمه الله تعالى: وكذلك مثل الرزق والأجل، كل ذلك من التفصيل، من التفصيل لما كتب في اللوح المحفوظ، وهو التقدير الخاص. وبينهم تعالى من أنكر هذه الدرجة الأولى من القدر، وهي الإيمان بعلم الله الأزلي وكتابة ذلك العلم في اللوح المحفوظ، وهم القدرية. قد ظهروا في أواخر عهد الصحابة. قد ذكرهم الإمام مسلم رحمه الله في أول حديث في صحيح، خروج القدرية الذين خرجوا، وقالوا: إن الأمر أنف، لم يسبق فيه لله علم، يعني أمر مستحدث، لم يكن علم الله جل وعلا به سابق، وإنما الله جل وعلا يعلم الأشياء بعد وقوعها. فرحل تابعيان إلى المدينة للقاء ببعض الصحابة، فوفق لهم عبد الله بن عمر، وذكروا لهم حدث في البصرة، ومن خرج يقول هذا، تبرأ منهم ابن عمر وكفرهم، تبرأ منهم وكفرهم. وهذه انقرضت الطائفة، كما ذكر، اجتثت منها العلم، كالمعوذ وغيره، انقرضت هذه، لا يوجد لها وجود، انقرضت. لكن خلفهم المعتزلة، الذين أثبتوا علم الله جل وعلا السابق للأشياء قبل وقوعها، وأنه قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ، لكن ضلوا في مرتبة المشيئة والخلق، فجعلوا الله خالق الخير، فجعلوا الله جل وعلا يخلق الخير ولا يخلق الشر، وجعلوا العبد يخلق فعل نفسه، وهذا جعلوه مشيئة العبد مستقلة غير تابعة لمشيئة الله، فأخرجوا الله عن عموم مشيئته، وأخرجوا الله عن عموم خلقه، فاستثنوا من عموم خلقه جل وعلا أفعال العباد، وليست مخلوقة لله، فراراً من القول بالجبر، واستثنوا من عموم مشيئته جل وعلا مشيئة العبد، وكذلك فراراً من القول بالجبر. طيب، ثم ذكر الدرجة الثانية من القدر، شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا من مشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير، من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالق، سبحان، لا خالق غيره ولا رب سواه. طيب، هذه الدرجة الثانية من القدر تتعلق بـ... وتضمن شيئين: الإيمان بالمشيئة والخلق، وهي المرتبة الثالثة والرابعة من مراتب القدر. وأدلة مرتبة المشيئة كثيرة في الكتاب والسنة: قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَاكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، قال جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، آمنين على لسان يوسف عليه السلام. والأدلة كثيرة، الآيات في القرآن في إثبات المشيئة، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع شيء إلا بمشيئة الله. وهي كذلك النصوص في الإرادة، النصوص التي فيها ذكر الإرادة الكونية، في النصوص لمرتبة المشيئة: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾. هذا معنى المشيئة: إنما أمره إذا أراد شيئاً يقول له: كن فيكون. لا بد أن يقع، إرادة كونية، إن مشيئة. طيب، وهكذا الحديث في السنة في مرتبة المشيئة كثيرة: منها ما جاء في مسلم عن عبد الله بن عمر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، يقلبها كيف يشاء». لما قال يسلم: «اللهم مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك». وهكذا الإمام مسلم، لما نام النبي عليه السلام والصحابة في الوادي، وما استيقظوا إلا على حر الشمس، قال عليه الصلاة: «إن الله جل وعلا لما شاء أن ينيمكم أنامكم، ولما شاء أن يبعثكم بعثكم». وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام على علي وفاطمة، وجدهما نائمين، وجدهما نائمين، فأيقظهما، فقال عليه: «يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا، إن شاء أن يبعثنا بعثنا». فذهب النبي عليه السلام، وضرب فخذه، وهمّ، وقال: «وكان إنسان، وكان إنسان، وأكثر شيء إن جدلاً، أقره على إثبات المشيئة، وأن أنفسهما بيد الله عز وجل، إن شاء يبعثهم بعثهما». وإلى آخر ذلك من الأدلة الدالة على المشيئة. طيب، ومع الإيمان بها، الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والشاعر رحمه الله تعالى أبيات عظيمة في هذا، وهي أجمل ما قيل في القدر، كما قال بعضها: العلم: ما شئت كان، ما شئت كان، إن لم أشأ، وما شئت إن لم تشأ لم يكن. خلقت العباد على ما علمت، ففي العلم يجري الفتى والمسن. على ذا من أنت، وهذا أعنت، على ذا من أنت، وهذا عنت، وهذا خذلت، وذا لم تعن. خلقت العباد على ما... طيب. وهذا عنت، وذا لم تعن، فمنهم شقي، ومنهم سعيد، ومنهم قبيح، ومنهم حسن. فالأمر بمشيئة الله جل وعلا. انتهى الوقت، صحيح. طيب، نقف هنا. عنده مرتبة الكلام، عنده مرتبة المشيئة، وإن شاء الله الدرس القادم نذكر مرتبة الخلق وما بقي من كلام الشيخ. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر