الدرس في كتاب الزكاة 3، ألقاها
العاملون على الزكاة هم الأشخاص الذين يعملون في جباية الزكاة وحفظها وتقسيمها بإذن من الإمام. يُشترط فيهم أن يكونوا مفوضين من الإمام.
العاملون على الزكاة مستحقون لها بقدر عملهم، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، ويعطون أجرًا مثل أجر المثل. لا يشترط فيهم العدالة أو الإسلام.
المؤلفة قلوبهم هم صنف من أصناف الزكاة يعطون لتأليفهم على الإسلام أو لكف شرهم أو لتقوية إيمانهم. اختلف أهل العلم في استمرار وجود هذا الصنف بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
المؤلفة قلوبهم يُذكر الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار في سياق الحديث عنهم. هم الذين يُؤلّفون لأجل مصلحة الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي ذكر صنفين ممن هم من مصارف الزكاة، وهم الفقراء والمساكين. الصنف الثالث من أصناف مصارف الزكاة: العاملين عليها. العاملون عليها هم السعاة والجباة الذين بعثهم الإمام لتحصيل الزكاة. قال العلماء: إن الزكاة تحتاج إلى ثلاثة أشياء: إلى جباية، وحفظ، وتقسيم. فالذين يشتغلون في هذه الأمور هم العاملون عليها. إذا بعثهم الإمام، الزكاة تحتاج إلى ثلاثة أشياء: إلى جباية، أي إلى جمع، ثم بعد الجمع تحتاج إلى حفظ، ثم بعد الحفظ تحتاج إلى تقسيم، أي تقسيمها إلى مستحقيها. فهؤلاء الذين يولون هذه الأمور: الجباية والحفظ وتقسيم، هؤلاء كلهم من العاملين عليها. ذكر بعض أهل العلم أنه يدخل في العاملين عليها: الحاسب والكاتب والحاشد والخازن. يعطى من أجر العاملين عليها. قالوا: كذلك الحاسب الذي يحسب، والكاتب الذي يكتب، يكتب الزكاة: أخذنا من فلان عنده من الزكاة كذا وكذا، فأخذنا منها كذا وكذا. كل هؤلاء معدودون من العاملين عليها. شرط في العامل عليها أن يكون مفوضًا من الإمام. وعلى هذا تأتي مسألة: وهي من أعطى إنسانًا زكاته لتوزيعها وليس مفوضًا من الإمام، فهو وكيل عليها، وإن كان بأجر فهو أجير عليها، وليس هو من العاملين عليها. يستفاد من هذا التنبيه عدة أمور: منها أن من دفع زكاته إلى العامل عليها من قبل الإمام، فلما قبضها وكانت معه تلفت، تلفت في يد العامل من قبل الإمام. فمثل هذا يكون قد برئت ذمته، لماذا؟ لأنه أعطاها إلى من بعثه الإمام. بخلاف الوكيل، من وكل رجلا بأن يوزع زكاة، أعطاه مجموعة من الإبل أو الماشية ليوزعها، فإن تلف ذاك الرجل، فمر بالسيل، جاء السيل أخذها. على المزكي أن يخرج زكاة على ما تبقى. الفرق بينهما أن الأول كان مفوضًا من قبل الإمام، فكأنه بتسليمه لذلك المفوض كأنه سلمها إلى الإمام. من الفروق بين هؤلاء وهؤلاء: ما يفعله بعض الحركيين والحزبيين في هذه الأيام، من جمع الأموال ثم ادعاء أنهم من العاملين عليها، وصرفها على هذا الباب. فإن هؤلاء لا يجوز لهم هذا الأمر، فإن هؤلاء لا يجوز لهم التصرف بهذا المال إلا تصرف الوكيل. يعطون من الزكاة وإن كانوا أغنياء، لماذا؟ لأنهم أحد الأصناف التي هم من مصارف الزكاة. ولا يشترط فيهم أن يكونوا فقراء، لأن الفقراء قد ذكرهم الله جل وعلا في أول آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. فدل على أن العاملين عليها صنف غير الفقراء والمساكين. لذا قال علماء: العاملون عليها وإن كانوا أغنياء، فإنهم يستحقون من الزكاة بقدر عملهم. التعليل: لأن الإمام هو بحاجة إليهم، لا أنهم بحاجة إلى المال. فإن كانوا فقراء وأعطاهم الإمام من مال الزكاة ما لا يكفيهم على عملهم، فله أن يعطيهم كذلك ما يكفيهم من أجل فقرهم. فيكونون يأخذون الزكاة لسببين: أنهم من العاملين عليها، والسبب الآخر أنهم من الفقراء. اختلف أهل العلم في المقدار الذي يعطاه ذلك العامل لأجل عمله. فذهب بعض أهل العلم إلى أنهم يعطون بقدر عملهم من الأجر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنهم يعطون أجرًا بحسب ما يراه الإمام. قال الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله: الصريح أنه يعطى قدر الأجرة مطلقًا، أي المتعارف عليها في مثل ذلك العمل. لأنه يعطي الحاجة إليه، فيستحق قدر الأجرة مطلقًا. بعضهم ذكر بعض المسائل التي مختلف فيها، من هذه المسائل: هل للإمام أن يبعث كافرًا لأجل جباية المال؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يصح من الكافر، لأن شرط العمال أن يكون أمينًا، والكافر ليس بعدل ولا أمين. اختلفوا كذلك في الهاشمي، هل يعطى الهاشمي إذا بعث الإمام هاشميًا؟ الجواب أن الهاشمي لا يكون من جباة الأموال. وهل يعطيه أم لا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الهاشمي لا يعطى، بل يمنع، لأن هذا من الصدقة، وصدقة محرمة على آل البيت. الصنف الرابع من أصناف الزكاة: المؤلفة قلوبهم، هم ممن يرجى إسلامه، أو كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه. فممن يرجى إسلامه وإيمانه، معنى هذا أنه لا يعطى إلا إذا دلت القرائن على أن له ميلًا إلى الإسلام. قالوا: كأن يكون عنده شوكة ومنعة، إما أن يكون من قطاع الطريق، وعنده شوكة ومنعة، ولا تستطيع الدولة على القضاء عليه. قالوا: فمثل هذا لا بأس أن يعطى من هذا الباب، من أجل تأليفه على الإسلام، ومن أجل كف شره. ولكن بشرط أن لا يكون فيه عونًا له على ذلك الفعل. أن يكون في المال عونًا له على الكف لا على الفعل. وكذلك أن يرجى بعطيته قوة إيمانه، هذا كأن يكون إنسان حديث عهد بإسلام، أو دخل في الإسلام وهو فيه نوع تذبذب. اختلف أهل العلم بالمقصود بالمؤلفة قلوبهم على أقوال. فمنهم من قال: إنهم صنف من الكفار يعطون لأجل تأليفهم على الإسلام. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا نتألف الكافر، وإنما نتألف الفاسق. والراجح أن كل من أُسريج إلى الإعطاء ليتمكن الإسلام في قلبه فإنه يعطى. وكذلك يدخل فيه من يعطى لكف شره، ولعله أن يلين قلبه. مسألة أخرى: وهي هل هذا الصنف ما زال ممن يستحقه الزكاة أم لا؟ اختلف أهل العلم في هذا، أي في المؤلفة قلوبهم من الكفار ونحوهم، هل لا زال هذا الصنف موجودًا أم لا؟ فقال طائفة من أهل العلم: أن هذا الصنف قد انقطع. وذهب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، والشعب، وهو مذهب مالك وأصحاب الرأي. وقال جماعة من العلماء: بل هم باقون، واستدلوا لذلك بأمور، منها ظاهر الآية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى هؤلاء المؤلفة بعد الفتح. فالحاصل أن هذا المعنى موجود، وقد يكون موجودًا في مكان دون مكان، وزمان دون زمان. وهذا عائد إلى اجتهاد الحاكم في ذلك. فينظر، يعطى لماذا؟ هؤلاء المؤلفة لأجل مصلحة الإسلام. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.