الدرس في كتاب الزكاة 4، ألقاها
اختلف العلماء فيمن يدخل في معنى الرقاب، وتحت هذه المسألة مسائل متعلقة بعتق الرقاب وولاء المعتق. يتناول المقطع تعريف الرقاب وأحكام عتقها.
يتناول المقطع أحكام فك الرقاب في الزكاة، ويشمل تعريف الرقاب وجواز إخراج الزكاة لفك أسرى المسلمين وأحكام إعطاء المكاتب من الزكاة. يشمل ذلك آراء العلماء في هذه المسائل.
الغارمون هم من تراكمت عليهم الديون ولا يستطيعون السداد، ويجوز إعطاؤهم الزكاة لقضاء ديونهم. اختلف العلماء في قضاء دين الميت من الزكاة.
المقطع يشير إلى خاتمة موضوع مع التسبيح والاستغفار، حيث يتم التمجيد لله والاعتراف بالذنب والتوبة إليه. ينهي المقطع بملاحظات ختامية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الصنف الرابع: وفي الرقاب، قول الله جل وعلا: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيمن يدخل في هذا المعنى ومن لا يدخل فيه. فأما العبد القن، أي العبد الخالص، فالعلماء رحمهم الله تعالى يقولون بأن هذا هو الذي يدخل في الرقاب، بمعنى أن يشترى العبد وأن يعتق. وهل يدخل فيه المكاتب أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك. اختلف العلم في المكاتب هل يدخل في عموم قول الله جل وعلا: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ على قولين لأهل العلم. فذهب طائفة من أهل العلم إلى أنها تعطى للمكاتب، وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، والليث، والثوري، وأهل الرأي، وغيرهم. المكاتب هو العبد الذي يكاتب سيده على مبلغ معين يؤديه في زمن معين. فإن أعطى المال لسيده وأدى المال لسيده يكون بعد ذلك حرا. فأهل العلم من أهل العلم قالوا: إن المكاتب يعطى المال لأنه رقبة، فإذا أدى المال كان ماذا؟ أعتق أو أعتق رقبته. فيدخل في عموم قول الله جل وعلا: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. وذهب آخرون إلى أنه لا يدخل فيهم المكاتب. قالوا: لأن المكاتب أشبه ما يكون بالغريم، وذكروا عللا في ذلك. والصواب أنه يدخل فيه كل من كان على هذا الوصف، سواء كان عبدا يشترى ثم يعتق، أو مكاتبا يعطى المال من أجل أن يعتق. فإن الكل يشملهم معنى الرقبة. فك رقبة يكون به يحصل مقصود في فك الرقبة. وهذا قول جماعة من المحققين، ذهب إلى هذا أو رجح هذا القول الإمام ابن حزم، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغير واحد من أهل العلم. وتحت هذه المسألة مسائل: إن اعتقت الرقبة من مال الصدقة، فالولاء يرجع إلى المسلمين. ولو اعتقها الإمام ترجع أيضا إلى المسلمين، لماذا؟ لأن الإمام استلم مال المسلمين واعتق الرقاب بمال المسلمين. فترجع الرقبة إلى المسلمين، أي فلا تكون لشخص دون شخص. مسألة أخرى: هل يدخل في عتق الرقاب أو في فك الرقاب الأسارى؟ فك الأسارى بمال الصدقة، يعني أسير من المسلمين في يد الكافرين، وأرادوا من أجل فك رقبته أو من أجل إطلاقه مبلغا من المال. هل من أدى هذا المال عن هذا الإنسان وهذا المسلم يكون دخل في عموم هذه الآية أم لا؟ اختلف العلم في هذا. فذهب طائفة من العلم إلى أنه لا يجوز أن يؤدى إلى مثل هؤلاء في مثل الصدقة، أي في مثل الزكاة. وذهب آخرون إلى أنه يجوز، لأن المعنى فيه أظهر. إذا كان العبد يحرر لأجل أن يكون حرا، فالحر لأجل أن يحرر من أيدي الكفار من باب أولى. وهذا الظاهر والله تعالى أعلم أنه أقرب أنه يدخل في الرقاب لوجود المعنى في تحرير ذلك الأسير من أيدي أولئك الكفار. مسألة أخرى: يدفع إلى المكاتب جميع ما يحتاج إليه لوفاء كتابته. فإن لم يكن معه شيء جاز أن يدفع إليه جميعها. وإن كان معه شيء له أن يتم ما يتخلص به، لأن حاجته لا تندفع إلا بذلك. قالوا: ولا يدفع إلى من معه وفاء كتابته شيء. يعني من كان عنده المال كاملا ولكنه ما زال مكاتبا لم يعط سيدا، هل للمتصدق أو المزكي أن يعطيه مالا أو شيئا من المال ويقول: هذا مكاتب؟ الجواب: لا يعطيه شيئا، لماذا؟ لأنه قد أغنى نفسه بنفسه، من هذا الباب، لأنه مستغن عنه في وفاء الكتابة. قالوا: ويجوز أن يدفع إليه في كتابته قبل حلول النجم. أي قبل حلول الأجل الذي تكاتب عليه. يعني كانوا في الزمان الأول يتكاتبون على أزمنة معينة وأوقات معينة. فإذا جاء الزمن هل يعطى أم لا؟ سيدي الكلام عليه واضح. قالوا: ولا يدفع إلى مكاتب كافر شيء. إذا جاء مكاتب وهو كافر، قال: يا جماعة، أنتم تقولون إن المكاتب يعطى، وتقولون في كتابكم أن الله جل وعلا قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، وهذا كتابي، أنا قد كاتبت، فاعطوني من الزكاة. قال العلماء: لا يعطى الكافر، الكافر لا يعطى، لماذا؟ لأنه كافر. مسألة أخرى: السيد هل يعطي مكاتبه من الزكاة شيئا؟ سيد عنده مال فيقول: أنا أحق من أعطيه هذا المكاتب. هل له أن يعطيه مالا أم لا؟ قولان لأهل العلم. فمن أهل العلم من قال: إنه يعطى، لأنه داخل في عموم الرقاب، وهو أحق من غيره في هذا المعنى. وذهب آخرون إلى أنه لا يعطى. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا يعطيه شيئا، لأنه عبده. الصنف الخامس من أصناف ومصارف الزكاة: الغارمين. والغارمون هم الذين رقبهم الدين ولا وفاء عندهم، وكذا من تحمل حمالة أو ضمن دينا. فالغارم هو الذي يدخل فيه ويدور عليه معنى الغرامة. فكما ذكر: هم الذين ركبهم الدين، إنسان استدان لأمور احتاج إليها فكثرت عليه الديون وما استطاع الوفاء بالدين وقضاء الدين لعدم قدرته، إما لشدة حاجة وفقره، وإما لكثرة الدين أو ما شابه ذلك. ومثل هذا يدخل في الغارمين الذين تحل لهم الزكاة، أي يجوز لأهل الزكاة أن يعطوا هؤلاء من الزكاة من أجل أن يقضوا دينهم. وكذلك من تحمل حمالة، ومعنى من تحمل حمالة: أن رجلا يدخل بين المتشاجرين أو بين متشاجرين، إما أن يدخل بين قبيلتين أو يدخل بين طائفتين أو يدخل بين رجلين حصل بينهم وشجار، إما بقتل أو بغير ذلك، فيدخل بينهم ويقول: أنا أتحمل أي شيء تريدون من الطرف الآخر الظالم. مثل هذا يقال بأنه تحمل حمالة من أجل إصلاح، فلأجل هذا المعنى فإنه يدخل في الغارمين. وهو من أصناف الزكاة كما جاء في حديث قبيصة رضي الله عنه وأرضاه أنه تحمل حمالة، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أمكث عندنا حتى تأتي الصدقة فنعطيك منها»، ثم قال: «يا قبيصة، إن الصدقة لا تحل إلا لثلاثة: لرجل تحمل حمالة، فله أن يسأل حتى يوفي حمالته، ورجل أصابته جائحة، فيسأل حتى يكون عنده قوام من عيش، ورجل به فاقة، فيسأل حتى يصيب قواما من عيش». فالحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ممن يقوز لهم المسألة ثلاثة أصناف، ومنهم من تحمل حمالة. وهذا فيه إعانة على إصلاح ذات البين وعلى الخير. قال علماء: إن هذا الصنف من تحمل حمالة لا لأهل أو للإمام ولأهل الزكاة أن يعينه ولو كان غنيا. مسألة أخرى: اختلف أهل العلم في قضاء دين الميت. بمعنى إذا مات ميت وعليه دين، هل يقضى عنه دينه أم لا؟ فبعض أهل العلم كالإمام أحمد وأبي حنيفة وغيرهما قالوا: لا يؤدي من الصدقة عن الميت شيئا. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يقضي منها، قالوا: لأنه من الغارمين. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.