كتاب الحج 5

الدرس في كتاب الحج 5، ألقاها

صفة التمتع وأداء العمرة

التمتع هو الإحرام بعمرة في أشهر الحج ثم الإحرام بالحج من نفس العام، ويبدأ المتمتع بالإحرام من الميقات ويلبي حتى يصل إلى مكة ثم يقوم بعملية العمرة. يتميز التمتع عن غيره من أنواع النسك كالقران والإفراد.

تفاصيل أداء الحج للمتمتع

يبدأ المتمتع بعمرة في أشهر الحج، ثم يحل بعد إتمام مناسك العمرة، ثم يحرم للحج في يوم التروية ويؤدي مناسك الحج. يختلف العلماء في بعض التفاصيل مثل تمتع المكي وفسخ الحج إلى عمرة.

أفضلية أنواع النسك وتفسير أقوال النبي

اختلف أهل العلم في أفضل أنواع النسك بين الإفراد والقران والتمتع، واستدلوا بأحاديث مختلفة. يُفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم في مناسك الحج بأنه كان تطييبًا لخاطر أصحابه، ويُذكر أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى مال إلى هذا التفسير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقبل أن ندخل في المسائل الجديدة، فتتم للمسألة الأخيرة التي مرت معنا، وهي مسألة الإكثار من العمرة في اليوم والليلة. فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الإكثار من العمرة في اليوم والليلة، أو في اليومين، أو ما شابه ذلك، قال: إن هذا مكروه. وكان السلف يكرهون ذلك، أي يكرهون التكرار للعمرة في اليوم واليومين. وإنما قال رحمه الله تعالى: إن الذين قالوا يعتمر في الحول أكثر من مرة، قالوا: يعتمر إذا أمكن الموسى من رأسه، أي إذا كان شعره قد أنبت، بحيث أنه حلق يجد الشعر. فذكر رحمه الله تعالى هذا المعنى، وحكى هذا القول عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه كان يقول به: أنه لا يعتمر حتى ينبت الشعر؛ لأجل أن يحلق أو يقصر. لذا قال أحمد: إذا اعتمر، فلابد أن يحلق أو يقصر. قال: وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس. قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال: وهذا الذي قاله الإمام أحمد، فعل أنس بن مالك، الذي رواه الإمام الشافعي، أي أن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، كان لا يجدد العمرة إلا إذا حلق، إلا إذا حلق. قال علماء: معنى أنه نبت الشعر، فإذا نبت الشعر بعد ذلك اعتمر مرة أخرى. فاستفيد من هذا أنه لا ينبغي للإنسان إن ذهب لأجل العمرة أن يكرر العمرة قبل أن ينبت الشعر، بل يتأخر فترة كما يقول علماء، تكون في خلالها ينبت الشعر. والناس في ذلك متفاوتون، منهم من ينبت الشعر سريعًا، ومنهم من يتأخر. فالحاصل: متى اسود الرأس، فله أن يعتمر مرة أخرى، ولو كان في سفرة واحدة. والله تعالى أعلم. ننتقل إلى مسائل أخرى، وهي مسائل النسك، وأنواع المحرمين. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المناسك ثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد. وهي التي جاءت الأدلة بها. قال العلمة رحمهم الله تعالى: والمحرمون، أي بالنسك، قالوا: إما محرم بعمرة مفردة. وقد تقدم معنا في الدرس الماضي أنه يصح في أي يوم من السنة، إلا ما استثناه بعض أهل العلم، قالوا: إلا يوم النحر وأيام التشريق. فقال العلماء: والمحرمون إما محرم بعمرة مفردة، وإما محرم بحج مفرد. قالوا: أو جامع بين الحج والعمرة. وهم قالوا: وهذا ضربان: إما متمتع، وإما قارن. بمعنى أن من أحرم بعمرة مع الحج، إما أن يكون متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وإما أن يكون أدخل العمرة في الحج. ومن يكون أدخل العمرة بالحج، وهو القارن، فإذا كان كذلك، فكما يقال: يحتاج إلى بيان هذه الأنواع الثلاثة، أي المناسك الثلاثة. فالمناسك الثلاثة، كما سمعتم، التي هي الإفراد والقران والتمتع، فيحتاج إلى بيان هذه الأنساك الثلاثة، وما يخص واحدًا عن واحد، إن كان هناك ما يخص. وكذلك نفعل فيما بعد ذلك، ماذا في الإحرام من أفعال الحج إن شاء الله تعالى. فحاصل ما يذكرها هنا أن الأنواع، كما مر معنا، أنها ثلاثة: إما إفراد، وإما تمتع، وإما قران. فالإفراد، أو المفرد، من أحرم بحج مفرد، وهو الذي يقال فيه بأنه مفرد. قال: هو ما يتعرى عن صفات التمتع والإقران، أي من لم يكن متمتعًا ولم يكن قارنًا. فإنه يقال فيه بأنه مفرد. فلذلك من أجل أن يتضح معنا الإفراد، يبدأ بإذن الله جل وعلا بصفة التمتع. نبدأ بصفة التمتع، ثم نردف ذلك بصفة القران، وبهما يعرف المفرد. فأولًا التمتع، قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن هذا النوع من النسك، هو التمتع. قال: هو المعنى بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وصفته: هو أن يهل الرجل بالعمرة في أشهر الحج، من الميقات. معنى هذا أن الرجل، أو المرأة، من أراد التمتع إذا وصل إلى الميقات، ولم يسق الهدي، فإنه كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: إذا وصل إلى الميقات، يتجهد للإحرام، فيتنظف، يحاول كما قال علماء رحمهم الله: فعلًا يتنظف، بأن يحلق الشعر الذي يحتاج إلى حلق، وينتف الشعر الذي يحتاج إلى نتف، وكذلك يقص الأظافر الذي يحتاج إلى قص. ويتهيأ للإحرام. فإذا فعل ذلك، قال بعض أهل علم: إنه يستحب له بعد ذلك أن يغتسل. ثم بعد ذلك يستحب له أن يهل بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج، بعد صلاة، سواء كانت مفروضة أو صلاة نافلة. وليس للحج صلاة معينة، ولكن يستحب أن يهل بعد صلاة؛ لهدي صلى الله عليه وسلم: أنه صلى ثم أهل بالحج. فقال العلماء رحمهم الله تعالى: يستحب، وهذا الاستحباب للجميع، سواء كان المتمتع أو القارن أو المفرد، أو كان معتمرًا. قالوا: بأن يهل بالعمرة في أشهر الحج من الميقات، وذلك إذا كان مسكنه خارجًا عن الحرم. فالحاصل: أنه إذا فعل هذا، نوى في قلبه العمرة، فله أن يقول: "لبيك اللهم بعمرة متمتعًا بها إلى الحج". وله أن يهل فيقول: "لبيك اللهم بعمرة"، وفي نفسه أنه بعمرة، وهي في أشهر الحج، تكون عمرة تمتع. فإذا فعل هذا، والنية أين محلها يا جماعة؟ محلها القلب. وإنما التلفظ بقوله: "لبيك اللهم لبيك"، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: هذا من الأنساك، وليس من النية؛ لأن النية محلها القلب. فلو كان في قلبه أنه أراد العمرة، وقال: "لبيك اللهم بحج"، أيهم المعتبر؟ المعتبر النية. فالحاصل: أنه كما سمعتم، إذا وصل إلى الميقات، وفعل ما ذكر، فيهل بعمرة متمتعًا بها إلى الحج، يقول: "لبيك اللهم بعمرة متمتعًا بها إلى الحج". قال العلماء رحمهم الله تعالى: ويستحب أن يفعل ذلك إذا ركب على الدابة. وهذا في الزمن الأول كانت الدابة هي المركوب. وفي أيامنا هذا، قال العلماء: إذا ركب على المركوب، إذا كان مركبًا في مركب، وإذا كان في سيارة، ففي سيارة، إذا ركب عليها، بدأ بالتلبية. ثم يبدأ بالتلبية إلى مكة. وبعض أهل العلم قالوا: إلى البيت الحرام. اختلف أهل العلم متى تنقطع التلبية، هل تنقطع برؤية البيت، أم برؤية أبيات مكة، على قولين لأهل العلم. فالحاصل من هذا أنه إذا فعل ذلك، إذا أحرم من الميقات، وانطلق إلى البيت، فإنه يبقى على التلبية، على تلبية الله، ويستمر في ذلك إلى أن يرى البيت. فإذا رأى البيت، قطع التلبية، وبدأ بالعمرة. قال العلماء رحمهم الله تعالى: فيطوف لعمرته سبعة أشواط، ويسعى بين الصفا والمروة كذلك سبعة أشواط، مبتدئًا بالصفا، ومنتهيًا بالمروة. قالوا: ويحلق في تلك الأشهر بعينها. وأشهر الحج كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: شوال، وذو القعدة، والعشر من ذي الحجة باتفاق، والخلاف في شهر ذي الحجة كاملًا. فالحاصل: أنه إذا فعل هذه الأمور، فيكون قد اعتمر. إذا طاف بالبيت، ثم سعى بين الصفا والمروة، ثم حلق رأسه أو قصر، يكون بذلك قد قام بالعمرة. فإذا قام بالعمرة، قال العلماء رحمهم الله تعالى: ثم بعد ذلك يحل. إذا حلق أو قصر بعد الطواف وبعد السعي، فإنه يحل. وبعد الحلق أو التقصير، يحل حلالًا كاملًا، فيحل له ما كان قد حرم عليه بعد الإحرام، فيحل له كل شيء، حتى النساء إن كان متزوجًا. قالوا: فإذا كان في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو المسمى بيوم التروية، أنشأ الحج في ذلك العام بعينه، وفي تلك الأشهر بعينها، من غير أن ينصرف إلى بلده. بمعنى أنه إذا أتى بالعمرة في أشهر الحج، ينبغي له أن يبقى في مكة، لا يرجع إلى بلده. قال العلم: إذا رجع إلى بلده، ثم أراد أن يأتي بحجة أخرى، لا يكون متمتعًا؛ لأنه قد سافر وخرج من مكة إلى بلده. واضح هذا يا جماعة؟ ليس بالسفر إلى بلده؛ لأجل أن يأتي بحجة أخرى. أما إلى المدينة، فلا على القول الصحيح. وإلا بعض أهل علم يطلق الحكم، فيقول: في كل سفر. ولكن بعض أهل علم يذهب إلى هذا: إلى أن السفر إذا كان إلى بلده، رجع إلى بلده، فإنه يأتي بعمرة أخرى؛ لأجل أن يكون متمتعًا. إلا الحسن البصري رضي الله عنه ورحمه الله تعالى، فإنه يرى أنه لو سافر، لو اعتمر في أشهر الحج، ثم سافر، ثم عاد إلى مكة مرة أخرى، يكون متمتعًا، ولا يلزمه أن يأتي بعمرة أخرى. فالحاصل من هذا أنه كما سمعتم، إذا كان في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو مسمى بيوم التروية، أنشأ الحج في ذلك العام، بمعنى أنه نوى الحج الآن، ويلبي بالحج. في يوم التروية، من أين يلبي؟ الجواب: لا، من حيث أنشأ، من حيث هو. إذا كان ساكنًا في مكة، في مكة، إذا كان في ضواحيها، من حيث هو، أي من منزله. واضح يا جماعة؟ ولا يشترط أن يذهب إلى الحرم. فيحرم من حيث هو، هو. أي من منزله. واضح يا جماعة؟ إذا كان في منزل، إذا كان في مكان، في بيت، في فندق، في هذه الأيام، وما شابه ذلك، فإنه يحرم من منزله الذي نزل فيه، ويحرم بالحج. ثم يبدأ التلبية، ثم يبدأ التلبية للحج: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك". ثم ينطلق بعد ذلك مع الحجاج، فيقيم بأعمال الحج. فإذا انتهى من ذلك، نحر هدية. وإذا قضى ما عليه من الواجبات والأركان، حل له بعد ذلك كل شيء. هذه صورة موجزة مختصرة على التمتع، على حج المتمتع، بأن يبدأ بالعمرة، ثم يحل، ثم في يوم التروية ينطلق إلى الحج مع الحجاج. يشترك في هذا الحج كلهم: الحاج المتمتع، والقارن، والمفرد. واضح هذه يا إخوان؟ ثم تحت هذه المسألة مسائل، منها: الأولى: أن العلماء مختلفون في تمتع المكي، أي هل يشرع للمكي أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ أم أن المتعة بالعمرة إلى الحج هي لغير المكي؟ قولان لأهل العلم. وأصله هذه المسألة عائدة إلى المسألة الأولى التي مرت معنا: هل للمكي العمرة أن يعتمر أم لا؟ المسألة عائدة إلى المسألة التي مرت معنا من قبل، وهي: هل المكي له عمرة أو عليه عمرة أم لا؟ من قال: عليه عمرة، قال: له التمتع. من لم يرَ: لا يرى. طيب. المسألة الثانية: هل يشرع فسخ الحج في العمرة؟ ومعنى هذا: تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة. ذهب الجمهور من أهل العلم في الصدر الأول، فقهاء الأمصار، ذهبوا إلى كراهة ذلك، إلى أنه لا يفعل ذلك، وأن هذا الأمر يكره. وذهب ابن عباس إلى جواز ذلك، وبه قال أحمد، وداود. وكلهم متفقون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه عام حج، بفسخ الحج في العمرة، بفسخ الحج بالعمرة. قال: وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة". وأمره لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يسق إهلاله في العمرة. وبهذا تمسك أهل الظاهر، أي بهذا الدليل تمسك أهل الظاهر، وهو الظاهر، أي الصواب؛ لأنه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي تمناه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فعلى هذا: من حج كما سمعتم، قال: "لبيك اللهم بحج"، ثم انطلق بالحج، ثم بدا له أن يعتمر، وأن يتمتع بالعمرة إلى الحج، فله أن يفعل ذلك، ولا سيما إذا لم يسق الهدي. أما إذا ساق الهدي، فإنه يجب عليه أن يبقى على القران، أن يدخل العمرة بالحج. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو لم أسق الهدي، لجعلتها عمرة". المسألة الثالثة: من أنشأ عمرة في غير أشهر الحج، أولًا هذه الصورة: من أنشأ عمرة في غير أشهر الحج، في رمضان مثلًا، ثم بقي إلى الحج، فهل يكون متمتعًا؟ الجواب: خلاف بين أهل العلم. والذي عليه جمهور أهل العلم: أنه لا يكون متمتعًا، وأنه لا يكون متمتعًا إلا من اعتمر في أشهر الحج. مسألة أخرى: من أحرم في غير أشهر الحج، وقام بأعمال العمرة في أشهر الحج. واضحة يا جماعة؟ مثلا أحرم منذي الحليفة في ثمانية عشر رمضان، وصل إلى مكة وقد دخل شوال، أو في هذه الأيام. فهل يكون بهذه الحال ممن اعتمر في أشهر الحج، فيكون متمتعًا من عمرة الحج أم لا؟ خلاف بين أهل العلم. فذهب بعض أهل العلم إلى أن عمرته في الشهر الذي حل فيه، فما دام أنه حل في أشهر الحرم، في أشهر الحج، فإنه يكون متمتعًا بالعمرة إلى الحج. وهذا قول إمام مالك رحمه الله تعالى. وبنحوه قال أبو حنيفة، والإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وقال الشافعي: هو الثوري، بنحوه كذلك. إلا أن الإمام الثوري قال: اشترط أن يقع طوافه كله في شوال. بشرط أن يطوف في شوال. معنى هذا أنه إذا طاف في غير شوال، فإنه لا ينفعه العمرة، يكون اعتمر في غير أشهر الحج. وبهذا القول، أو بنحو هذا القول، قال الشافعي. قال: لأن العمرة الطواف؛ لأن المقصود من العمرة: الطواف، وزيارة للبيت. فإذا كان الطواف قبل أشهر الحرم، وبعد الطواف في الأشهر الحرم، فإنه لا يكون معتمرًا. وقال أبو سورة: وذهب أبو سورة قال: إنه إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج، فسواء طاف لها في غير أشهر الحج، أو في أشهر الحج، لا يكون متمتعًا. وهذا من حيث النظر، هذا القول من حيث النظر: أقرب. وذلك أن العمرة ابتدأ العمرة، ورفع من أركان العمرة، وهو الإحرام، في غير أشهر الحج. وما دام أن أحد أركانها في غير أشهر الحج، فبقية الأركان كذلك. والله أعلم. ثانيًا: إلى النسك الثاني، وهو القارن. من كان قارنًا. قالوا: والقارن هو أن يهل بالنسكين معًا. من كان قارنًا عليه أن يهل بالنسكين معًا، من الميقات، بالنسكين معًا. يقول: "لبيك اللهم بحج وعمرة"، أو يقول: "لبيك اللهم عمرة في حج". أو يهل بالعمرة، ثم يهل بالحج. أن ينوي بعد ذلك إدخال العمرة فيما ذا في الحج. واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنه في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. وتحت هذا تفاصيل: أنه يهل بالعمرة قبل أن يهل بالحج. قال بعضهم: يشترط أن يكون قبل أن يدخل في أعمال العمرة. ثم يعتمر. نعيد القارن: أن يهل بالنسكين معًا من الميقات، كما ذكرنا. أن ينوي بقلبه، ويتلفظ به شأنه، فيقول: "لبيك اللهم بعمرة مع حج"، أو "بعمرة أدخلتها في الحج"، أو ما شابه ذلك من الألفاظ الدالة على اقتران العمرة بالحج. قالوا: ثم يعتمر، يفعل ما يفعله المعتمر، كما تقدم معنا في التمتع. بعد أن يفرغ من عمرته، من الطواف والسعي والحلق. فقال العلماء رحمهم الله تعالى: يبقى على إحرامه. هذا الآن من الفروق بين المتمتع والقارن: المتمتع بعد أن ينتهي، وأن يفرغ من العمرة، يصنع ما يصنعه غير المحرم، يتحلل تحللًا تامًا كاملًا. واضح يا جماعة؟ وأما القارن، فقالوا: فإنه لا يحل له شيء، بل يبقى على إحرامه إلى يوم التروية. فإذا جاء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، انطلق فحج مع الناس. ثم نحر هدية. قالوا: والقارن لابد له من أن يسوق معه الهدي، أي من دخوله من الميقات. أن يسوق معه الهدي. قالوا: فإذا لم يسق الهدي، فليتمتع بالعمرة إلى الحج؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في حجة الوداع، قال للناس: "من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه". أي بعد أن اعتمر. قال لهم نبي صلى الله عليه وسلم هذا. ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفى والمروة، وليقصر، وليحل، ثم ليهل بالحجة، وليهدي. واضح يا جماعة؟ معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، أول ما وصل مكة، أمر أصحابه: لماذا؟ أمر أصحابه أن من ساق الهدي، فإنه لا يحل له أن يحل حتى يقضي الحجة كاملًا. ومن لم يسق الهدي، فإنه يأتي بالعمرة، ثم يحل حلًا كاملًا. فإذا جاء يوم التروية، فإنه يحج كما يحج الناس، ثم ينحر هدية. ثالثًا: النسك الثالث، وهو الإفراد. من حج مفردًا. قالوا: حج الإفراد هو ما تعرى من هذه الصفات، وهو أن لا يكون متمتعًا ولا قارنًا، بل أن يهل بالحج فقط. وهذا يا جماعة: تصور في رجل مثلا دخل في اليوم الثامن من ذي الحجة، أراد الحج في اليوم الثامن، دخل الميقات، فماذا عليه؟ أن يهل بالحج، ثم ينطلق مباشرة إلى أن ينطلق مع الحجاج. فإذا كان اليوم التاسع، ذهب إلى عرفة، ثم بعد اليوم التاسع ينتقل إلى رمي الجمار، ثم الطواف، السعي، ثم النحر. فيكون عمله عمل الحجيج، عمله عمل الحجيج. وهذا ما يسمى المفرد. ها هنا مسألة متعلقة بما سبق، وهي: أي الأنساك أفضل؟ الإفراد، أو القران، أو التمتع؟ وقع خلاف بين أهل العلم في ذلك. فذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى الإفراد، إلى أن الإفراد أفضل. واستدل على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، قالت: فمنا من أهل بعمرة، قالت: ومنا من أهل بحج وعمرة، قالت: وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج". قالوا: فهذا في دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفردًا. قال ابن عبد البر: وروي الإفراد عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جابر بن عبد الله، من طرق شتى متواترة صحة. قال: وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وجابر. القول الثاني: أن التمتع أفضل. وهذا ذهب إليه كذلك طائفة من أهل العلم، ذهب إليه كثير من أهل العلم. ومن الصحابة ذهب إليه: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير. وكذلك روي عن عائشة. واستدل هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعًا. قال هؤلاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حجه متمتعًا. واحتجوا بما رواه بما جاء في حديث ابن عمر: "تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق الهدي معه من ذي الحليفة". وسدلوا أيضًا بأفضلية، أو على أفضلية التمتع، بقوله عليه الصلاة والسلام: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة". قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنى المفضول مع قيامه بالفاضل. القول الثالث: من رأى أن القران أفضل. قالوا: إن حج النبي صلى الله عليه وسلم، إن حج النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا، كما في حديث ابن عمر، وعائشة، وغيرهما. واستدلوا بما رواه البخاري عن عمر: قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو بوادي العقيق: أتاني الليلة آت من ربي، فقال: أهل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حج". قالوا: وما كان الله ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا الأكمل والأفضل. وأيضًا قالوا: أن القارن يجد من المشقة، وكذا من سوق الهدي، ما يكون سببًا لعظم أجره. قالوا: وهذا يدل على أفضلية القارن على المتمتع. وبهذا ذهب، أو إلى هذا القول ذهب: من الأئمة الإمام الثوري رحمه الله تعالى، وأبو حنيفة، وإسحاق، والمزني. وهو اختيار ابن المنذر، وطائفة من أهل العلم من المحققين. وهذا والله أعلم. لعله يكون أظهر. وإن جئنا إلى التفصيل، فيقال: من ساق الهدي، ففي حقه القران أفضل، بل يكون واجبًا. ومن لم يسق الهدي، فإن في حقه يتمتع، وهذا يكون بحاله أفضل. ولكن إذا ذكرنا المسألة من حيثه، أي من استطاع هذا وهذا، فأيهما أفضل؟ الأظهر، والله تعالى أعلم: أن ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ما حج به الرسول، أفضل. وأما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تمتع بالعمرة إلى الحج". فهذا خرجه العلماء على أنه تمتع بالعمرة إلى الحج، أي أنه اعتمر وحج في حجة واحدة، لا أنه تمتع ثم حج كما يفعل المتمتع. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة". قالوا: قولهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك الفاضل لأجل المفضول. قال العلماء: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، من القارن بالقران. قالوا: إنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم تطييبًا لخاطر أصحابه؛ لأنهم لما سمعوا ذلك شق عليهم، فقالوا: "يا رسول الله، أيذهب أحدنا إلى منى وإن ذكره ليقطر مني". فلما شق ذلك على أصحابه، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ما قال، من باب تطييب أنفسهم. أي: لو كنت لم أسق الهدي، لفعلت ما أمرتكم به. فيكون هذا من باب مراعاة القاعدة العامة الكلية، وهي: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فهذا القول هو الأقرب، والله تعالى أعلم، هو الذي مال إليه، ونصره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في زاد المعاد. والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه.

شاركنا على