كتاب الحج 21

الدرس في كتاب الحج 21، ألقاها

أحكام الحج والمبيت بمنى

يتناول الفصل مسائل فقهية متعلقة برمي الجمرات والمبيت بمنى وأحكام الهدي، مع توضيح آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسائل. يستند إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

أحكام المتمتع والقارن وسوق الهدي

يشرح الفصل أحكام المتمتع والقارن وسوق الهدي، مع توضيح آراء الفقهاء في تحلل المتمتع والقارن ووجوب سوق الهدي. يستدل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية.

المواقيت المكانية للحج والعمرة

يتناول الفصل شرح المواقيت المكانية للحج والعمرة، مع توضيح معنى الإحرام من هذه المواقيت وتعظيم البيت الحرام. يذكر آراء العلماء في حكم من اعتمر ثم سافر إلى بلده أو إلى مكان آخر قبل الحج.

مواقيت الإحرام وتفاصيلها

يشرح الفصل مواقيت الإحرام للحج والعمرة، مع التركيز على بعض المواقيت مثل رابغ ويلملم وقرن المنازل وذات عرق. يوضح تاريخها وأهميتها وموقعها الجغرافي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فهذه بعض المسائل كتتمة لما مضى من مسائل الحج. فمن هذه المسائل: أولًا، ما هي أقل المدة المجزئة في المبيت بمنى؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الواجب أن يبيت في منى معظم الليل، وهو قول للشافعي رحمه الله. وذهب إليه جماعة من أهل العلم أيضًا. وذهب بعضهم إلى أن الواجب أن يبيت فيها أن يبقى فيها ولو ساعة، وبهذا قال أيضًا طائفة من أهل العلم، وهو قول للإمام الشافعي رحمه الله تعالى آخر. وعلى كلام الفقهاء من وجوب المبيت بمنى، فإن لفظ المبيت لا يتحقق إلا أن يبقى فيها معظم الليل. فإن بهذا الأمر يتحقق معنا البيتوتة. والأولى في هذا كله -أي الأفضل والمستحب- أن يبقى في منى ليله ونهاره، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فإنه بعد أن طاف طواف الإفاضة رجع إلى منى وبقي فيها ليلًا ونهارًا حتى انتهت أيام منى، ثم رجع فطاف للوداع، ثم انطلق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومن معه. وهذا هو الأكمل، وهذا هو الأفضل لفعله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فمن كان عنده بعض الأعمال أو عنده بعض الأمراض أو عنده بعض الأشغال، فذهب الفقهاء إلى أنه لا بأس أن يذهب في النهار، أن يذهب في نهار أيام التشريق إلى حاجته. قالوا: بل لو ذهب للترفه -لو ذهب للترفه مثلا عنده سكن في مكة فذهب لأجل أن يرتاح- ذهب لأجل أن يرتاح، يقول: سأنام في السكن، فيه مكيفات وفيه أمور مهيئة. قال العلماء: لا بأس بذلك، مع أنه خلاف الأولى والأفضل؛ لأن الإنسان ما خرج من بيته حاجًا لأجل أن يترفه، وإنما خرج لأجل أن يقوم بمناسك الحاج على وفق هدْيه صلى الله عليه وسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. ومن تأمل الحديث الذي أثنى الله جل وعلا فيه على الواقفين بعرفة، أن الله عز وجل يباهي بهم الملائكة، ويقول: «هؤلاء عبادي جاءوا شعثًا غبرًا»، قال: وهذا يدل على ماذا؟ على حالة الحجيج، أنه يكون في حالة بعيدة عن الترفه، أن يكون في حال بعيدة عن الترفه. لكن قلنا: من فعل هذا فلا شيء عليه، مع أن الأفضل له -إن لم يكن له حاجة- أن يبقى في أيام منى. ومسألة أخرى: وهي كذلك مما ذكره الفقهاء: من أراد التعجيل من أراد التعجيل في يومين، رمى الجمرات في ثاني أيام التشريق، ثم انطلق فطاف الوداع وخرج من مكة. الله جل وعلا يقول: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. فمن مكة رمى العقبة في يوم النحر، ثم في أول أيام التشريق -في الحادي عشر- رمى الجمرات، ثم في اليوم الثاني عشر أيضًا رمى جميع الجمرات، وأراد أن ينطلق -أراد أن يتعجل- فهل يجب عليه أن يرمي الجمرات إلى اليوم الثالث؟ أم لا يجب عليه؟ الجواب: أنه لا يجب عليه، بل رميه للجمرات في اليوم الثاني يجبه ذلك؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. وكذلك المبيت بمنى لا يجب عليه. بل له أن ينطلق بعد أن يرمي الجمرات، إلا أن بعض الفقهاء قالوا: بأنه لو أدركه الليل -لو أدركه الليل وهو ما زال في منى- فإنه يجب عليه البقاء في منى، وأن لا يدفع من منى. وبعض أهل العلم رخص في شأن هذا الأمر، إن كان أراد الدفع فأدركه الليل لأمر أو لآخر -أدركه الليل لأمر أو لآخر لزحام أو لمرض أو لغير ذلك- فهو أراد الخروج، ولكن ما استطاع الخروج إلا بعد الليل، فهل عليه أن يعود إلى منى ويبيت؟ ذهب بعض الفقهاء إلى ذلك. وبعض الفقهاء رخص في ذلك. والثاني أظهر؛ ما دام أنه دفع، وإنما منعه مانع من الخروج، فله أن يدفع، ولا يجب عليه أن يرجع إلى منى ويتم اليوم الثالث. ولا شك ولا ريب أن من أتم اليوم الثالث فإنه أفضل؛ من تأخر فإنه أفضل. والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تعجل، بل بقي إلى اليوم الثالث، بل بقي إلى اليوم الثالث صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان خلفاؤه بعده رضي الله عنهم وأرضاهم. وأيضًا؛ لأن الحاج إذا بقي في اليوم الثالث كذلك أدركته بعض الأعمال -مثل المبيت بمنى- فهو يؤجر عليه. وكذلك رمي الجمار أيضًا فهو يؤجر عليه. وكذلك ما يحصل له من التعب والمشقة فإنه يؤجر عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «أجرك على قدر نصبك». فكلما كان التعب وكذا المشقة كان الأجر أكثر بإذن الله جل وعلا. فالأفضل أن يبقى الإنسان -هو أن لا يتأخر أو أن لا يتعجل- فإن تعجل، فالله جل وعلا يقول: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾، ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. ومسألة ثالثة: ثم ندخل بإذن الله جل وعلا في الكتاب، وهي: من ساق الهدي، فهل يجب عليه البقاء على إحرامه، فلا يحل إلا بعد نحر هديه؟ نحن ذكرنا فيما مضى أن التحلل تحللان: تحلل أول، وأيضًا يلقب الفقهاء بالتحلل الأصغر. وتحلل ثاني، ويلقب كذلك بالتحلل الأكبر. أما التحلل الأصغر؛ فكما مضى معنا: أنه يتحلل برمي جمرة العقبة على الصحيح. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يتحلل برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير. وهذا كذلك قول للفقهاء. والأول -كما تقدم معنا في المسائل التي مضت- أرجح. وإذا تحلل الأول، ثم مر معنا: حل له كل شيء إلا النساء. فإذا طاف الإفاضة بعد ذلك وحلق أو قصر، فإنه يحل له كل شيء كان قد حرم عليه. بقي من فعل هذا ولم ينحر، هل يجب عليه أن يبقى على إحرامه أم لا؟ واضح هذا. جماعة أم لا؟ سمعتم أنه من فعل هذا أو هذا فإنه يصح منه ذلك. بقي النحر؛ فلأجل هذا كانت هذه مسألة: وهي من ساق الهدي، فهل يجب عليه البقاء على إحرامه فلا يحل إلا بعد نحر هديه؟ ذهب أهل الحجاز إلى أن المتمتع إذا ساق الهدي لا يلزمه البقاء محرمًا، بل يتحلل. وهذا بناء على أن من ساق الهدي فله أن يتمتع أو أن يقرن، وأن القران ليس عليه بواجب. واضح جماعة أم لا؟ ونحن قد تقدمت معنا هذه المسألة: وأن الواجب على من ساق الهدي أن يكون قارنًا، وأن الواجب على من ساق الهدي أن يكون قارنًا، ولا يكون متمتعًا. والعكس بالعكس: من لم يسق الهدي فإنه يجب عليه أن يكون متمتعًا، ولا يكون قارنًا. لكن على قول -وهذا القول قول الجمهور- أنهم يرون أن من ساق الهدي لا يجب عليه أن يكون قارنًا، بل يجوز له أن يكون متمتعًا. فيقولون: لو ساق المتمتع الهدي -لو ساق المتمتع معه الهدي ثم اعتمر- هل له أن يتحلل أم ليس له أن يتحلل؟ وضح هذا جماعة أم لا؟ ذهب أهل مكة إلى أنه ما يتحلل. أو ذهب أهل الحجاز إلى أنه يتحلل. وذهب مالك والشافعي إلى أن المعتمر يحل من عمرته إذا طاف وسعى -ساق هديا أو لم يسق- ساق هديا أو لم يسق. وقال أبو حنيفة: إذا ساق المعتمر في أشهر الحج هديا وهو يريد المتعة لم ينحره إلا بمنى، وطاف وسعى، وأقام إحرامه، ولا يحل منه شيء، ولا يحلق ولا يقصر؛ لأنه ساق مع الهدي، فمحله محل الهدي، فلا يحل حتى ينحر الهدي. وضح جماعة. أبو حنيفة يقول: أبقى علمه عليه ما دام أنه ساق الهدي، فلا يتحلل حتى يبلغ الهدي ما حلاله -ينحر هديه في يوم النحر-. قالوا: ومن لم يسق الهدي كان له أن يحل من عمرته. قالوا: ولو لم يسق الهدي كان له أن يحل من عمرته. واحتجوا بحديث حفصة: «ما شأن الناس حلّوا ولم تحلّي من عمرتك؟» فلم ينكر عليها قولها. وقال: «إني قلت هدي ولبت رأسي، فلا أحل حتى أحل من الهدي». وحجة مالك والشافعي ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، قالوا: معلوم أنه لا يكون متمتعًا بالعمرة إلى الحج إلا من حل من إحرامه وتمتع بالإحرام إلى أن يحرم لحجه يوم التروية. واضح هذا جماعة. هذا في المتمتع. قالوا: أما القارن، قالوا: أما القارن فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله. أما القارن فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله -يبقى على إحرامه-. قال ابن عبدالبر رحمه الله: «وهدي القارن يمنع من التحلل عند جماعة فقهاء الأمصار، وجمهور أهل العلم». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. والمسألة -كما ترون- على الأقوال السابقة: ممن يجوز لمن ساق الهدي أن لا يكون قارنًا يقع الإشكال؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ مع قوله: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. فعلى قول الجمهور: يقول: الأظهر على صحة هذا القول: أن المتمتع يحل تحللًا تامًا بعد عمرته -حين القدوم-. وهذا حين يصل يتمتع -يعتمر- ثم بعد أن يعتمر -بعد أن يحلق رأسه أو يقصر- يحل له كل شيء. يحل له كل شيء؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. ثم بعد ذلك إذا دخل في الحج يوم التروية، فإنه لا يحل حتى ينحر هديه. واضح هذا جماعة. لا يبقى محرمًا -يصير حكم حكم القارن- على قول جمهورهم: على أنه لا يحل له شيء حتى يبلغ الهدي محله. وعلى القول الصحيح في المسألة: من أن من ساق الهدي فإنه يجب عليه القران -من ساق الهدي فإنه يجب عليه القران- أي: أن يكون قارنًا، ولا يجوز له أن يتمتع، ولا يجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج. وعلى هذا فالأمر في حقه واضح: هو أنه لا يحل حتى ينحر هديه -يبقى على إحرامه حتى يحلق أو حتى ينحر هديه-. فإذا نحر هديه وقام بالأعمال الأخرى، فإنه يتحلل تحللًا تامًا. وعلى هذا ويستدل على هذا بعموم حديث حفصة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: «إني قلت هديه ولبت رأسي، فلا أحل حتى يبلغ الهدي محله». أو قالت: «حتى أحل من الهدي». وهو كذلك ظاهر قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾؛ حتى يبقى الإنسان على إحرامه حتى ينحر الهدي. وهذا على من؟ هذا في حق من كان قارنًا، وقد ساق الهدي -في من كان قارنًا وقد ساق الهدي-. والله تعالى أعلى وأعلم. فدخل في أحاديث الكتاب بإذن الله جل وعلا. وأول أحاديث الكتاب قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «باب المواقيت». والمواقيت جمع ميقات، وهي زمانية ومكانية. فالزمانية: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وبعض أهل العلم يقولون: وعشر من ذي الحجة. يقولون: هذه أيام الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وهذا العلماء متفقون عليه. وإنما اختلفوا في الزيادة على هذه الأيام -الزيادة على هذه الأيام- بمعنى: من أهل العلم من قال: أن أشهر الحج تمتد إلى آخره، أو تكون في شهر ذي الحجة كله. فيقول: شهر شوال وشهر ذو القعدة وشهر كذلك ذي الحجة كاملًا -ذي الحجة كاملًا- يقال: ذي الحجة. فقد يقول: ما الفائدة من كون هذا الوقت عشر أو إلى آخر الشهر؟ ذكر العلماء: قالوا: هذا فائدته في مسألة -في مسألة طواف الإفاضة-. من قال: أنها عشر، فإنه يجب عليه أن يطوف للإفاضة في اليوم العاشر، ولا يؤخر إلا لعذر -ولا يؤخر إلا لعذر- كامرأة حائض ونحوها. ومن قال: أن شهر ذي الحجة كلهم من أيام الحج، فالأمر في هذا واسع -فالأمر في هذا يكون عندهم واسع-. هذه -كما سمعتم- أشهر زمانية، أو مواقيت زمانية للحج. لذا يفرع العلماء رحمهم الله تعالى على هذه الأزمنة، وعلى هذه المواقيت مسائل؛ من أهمها: من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج -مثلا أحرم رجل بالعمرة في رمضان- ونوى أن يبقى متمتعًا إلى الحج، هل يصح منه ذلك أم لا؟ واضح جماعة أم لا؟ الذي عليه جمهور أهل العلم: أنه لا يصح منه ذلك -أي: لا يكون متمتعًا من العمرة إلى الحج- لأنه اعتمر في غير أشهر الحج. وبعض أهل العلم يرى أن الأمر في ذلك واسع؛ يرى أن الأمر في ذلك واسع؛ بناء على أصل المسألة: من أنه يجوز له أن يحرم بالحج في أي وقت من الأوقات -في أي وقت من الأوقات-. والأظهر: أنه لا يكون متمتعًا؛ ما دام أنه اعتمر قبل الوقت -اعتمر قبل الوقت-. واضح هذا جماعة أم لا؟ ومسألة ثانية: من اعتمر في زمن الحج، ولكنه لم ينو التمتع -الأولى قبل الحج قبل أشهر الحج- ونوى الثانية في زمن الحج، ولكن لم ينو الحج، ولكن يقول: ماذا؟ يقول: «سأعتمر». وعنده بعض الأعمال، وعنده بعض الأشياء، فبقي في مكة إلى أيام الحج. فلما جاء يوم التروية: «أحج». فهل يكون هذا الحاج حجه مفردًا؟ أي: هل يكون مفردًا؟ أو يكون متمتعًا أيضًا؟ في هذه المسألة وقع خلاف بين أهل العلم. والصحيح من أقوال أهل العلم: أن من اعتمر في أيام الحج فإنه يكون متمتعًا -يكون متمتعًا-. فإذا حج من ذلك العام، فإنه يكون متمتعًا؛ لأنه اعتمر في أشهر الحج. ومن المسائل المذكورة هاهنا: من اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده. واضح هذا جماعة أم لا؟ اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم رجع إلى مكة في أيام الحج، هل يكون متمتعًا أم لا؟ واضح هذا. صورة جماعة أم لا؟ اعتمر في أشهر الحج -مثلا في شوال- ثم رجع إلى بلده. مثلا كان من أهل مدينة -مدينة قريبة- حتى تكون متصورة. مثلا ذهب وعمل أعماله. كذا لما جاء في السابع انطلق أو اليوم الثامن انطلق إلى مكة، يقول: «أنا اعتمرت في شوال، والآن سأدخل». فتكون له عمرة متمتعًا بها إلى الحج، هل يصح منه ذلك أم لا؟ الجواب: أنه لا يصح منه ذلك. إنما يكون مفردًا؛ لأنه فصل بين عمرته وبين حجه بسفر إلى بلده -بسفر إلى بلده-. وهذا على قول عامة العلماء. وما خالف في هذه المسألة إلا الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، فإنه قال: يكون متمتعًا، وعليه الهدي. وما دام ذكرنا السفر إلى البلد، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى هاهنا مسألة أيضًا: من اعتمر ثم سافر سفرًا، ثم رجع -هل يكون متمتعًا بالعمرة إلى الحج؟ رجل مثلا من أهل جدة اعتمر، بعد أن اعتمر ذهب إلى المدينة -من مكة إلى المدينة- سفر. جماعة أم لا؟ سفر. واضح هذا يا إخوان؟ طيب. ذهب إلى المدينة، ثم رجع وانتظر حتى جاء يوم التروية، قال: «أنا متمتع، سأحج». هل يصح منه ذلك أم لا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصح منه ذلك. وذهب بعضهم إلى أنه لا يصح منه ذلك، بل يكون مفردًا؛ لماذا؟ لأنه فصل بين عمرته وحجه بماذا؟ بسفر. وأصحاب القول الأول قالوا: المقصود بالسفر: أن يسافر إلى بلده وإلى رحله. أما إذا سافر سفرًا لا يقصد به الانفصال على الحج -وإن ذهب إلى مكان- وإن كان مسافة مسافة سفر لأمر أو لآخر، ثم رجع، فإن ذاك الرجل ما زال على سفرته الأولى إلى الحج -ما زال على سفرته الأولى إلى ماذا؟ إلى الحج-. بمعنى أنه الآن خرج من أجل ماذا؟ من أجل الحج. واضحة جماعة. لكنه ذهب إلى الرياض أو ذهب إلى المدينة أو ذهب ما شابه ذلك من المناطق، فإنه وإن كان مسافرًا إلا أنه لم يكن مسافرًا إلى رحله -لم يرجع إلى بلده-. والمعتبر في السفر: أن يكون إلى ماذا؟ إلى بلده. وهذا القول هو الذي رجحه العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: من أنه لا يكون مسافرًا إلا من سافر إلى بلد. أما من سافر سفرًا مطلقًا -غير البلد- إلى غير بلده، فإنه لا يكون متمتعًا بالعمرة إلى الحج. وهذه -كما يقال- بعض المسائل المتعلقة بالمواقيت الزمانية. بقي المواقيت المكانية. المواقيت المكانية: هي ما ذكرت في أحاديث الباب. ذكرها الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في هذا الكتاب. وجعل هذه المواقيت -كما قال العلماء- تعظيمًا للبيت الحرام، وتكريمًا ليأتي إليه الحاج والزوار من هذه الحدود معظمين خاضعين، وكذلك خاشعين لله جل وعلا. فيكون فيه معنى التعبد لله جل وعلا بالإحرام من تلك الأماكن. فيكون فيه معنى من معاني تعظيم وإجلال لشعائر الله جل وعلا. ولذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن ما حول المواقيت، فإنها ماذا؟ فإنها تكون ماذا؟ يحرم الصيد، ويحرم قطع الشجر -إلى غير ذلك- مما يختص بماذا؟ بتحريم تلك الأشياء. فالحاصل من هذا: أن المواقيت المكانية هي ما ذكر الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في هذا الكتاب. فمنها قال رحمه الله تعالى عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ -حتى أهل مكة- من مكة». يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة. أي: في رواية: «قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن المنازل». قال عبدالله: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهل أهل اليمن من يلملم». هذا الحديث الآخر. هذا الحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. الحديث الأول حديث عبدالله بن عباس. والحديث الثاني عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن المنازل». قال عبدالله بن عمر: «وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهل أهل اليمن من يلملم». وهذا إشعار من أن عبدالله بن عمر لم يسمع هذا الحديث -أي: هذه الزيادة- من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما سمعها من غيره من الصحابة. ونقرأ هذه المواقيت الزمانية والمكانية من كتاب «تيسير العلام» للشيخ بسام رحمه الله تعالى؛ لأنه كان من اللجنة المشرفة على المواقيت. فنقرأ ما ذكره رحمه الله تعالى؛ لأنه رحمه الله تعالى ربط المواقيت بأسمائها القديمة مع أسمائها الحديثة في هذه الأيام. ونحن أحوج ما نكون إلى معرفة هذه الأمور. قال رحمه الله تعالى: «المواقيت المكانية: ذو الحليفة». قال: «بضم الحاء وفتح اللام، تصغير الحلفاء -نبت معروف ينبت بتلك المنطقة- وتسمى الآن بآبار علي». ثم الآن بآبار علي. قال: «ويكاد عمران المدينة المنورة الآن يصل إليها». وتبلغ المسافة من ضفة وادي الحليفة إلى المسجد النبوي ثلاثة عشر ميلًا -من تلك الضفة إلى مكة المكرمة عن طريق وادي الجموم أربعمائة وثمانية وعشرون ميلًا-. والحليفة ميقات أهل المدينة، ومن أتى عن طريقهم. أي: أن الميقات يسمى الآن بماذا؟ بآبار علي. الآن ميقات يسمى بآبار علي. ما هو الآن؟ من زمن قديم -من زمن قديم- يسمى بماذا؟ بآبار علي. وبعضهم يذكر في هذا -كما يقال- أن هذه سميت بآبار علي: بعضهم يذكر فيها خرافة: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه في ذلك المكان بارده الجن -بارده الجن- فباردهم حتى قتلهم علي رضي الله عنه وأرضاه. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى حينما ذكر هذا عن بعض من يغل في علي -من أنه بارده الجن- وأنه غلب الجن -ما شابه ذلك- قال لهم: «هذه مثلبة وليست بمنقبة». ذكر كلامًا معناه هذا: أن هذه مثلبة وليست بمنقبة. قال: «وإلا علي رضي الله عنه وأرضاه أعظم وأجل من أن يظهر له شياطين فضلًا عن أن يبارزهم». واضح جماعة. قال: «وعلي أشرف وأكرم من هذا الأمر -يعني وأكرم وأشرف- أعظم من أن يظهر إليه شياطين فضلًا عن أن يبارزوه». فالحاصل: أن هذه -فيما سمعتم- أقوى: ليس بصحيحة: من أنه هذه سميت لهذا المعنى -ليس بصحيحة-. بل هو كلام من كلام بعض الغلاة في علي رضي الله عنه وأرضاه. قال: «والجحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء بعدها غين». بينها وبين البحر الأحمر عشرة أكيال. وهي الآن خراب. ويحرم الناس من رابغ. كانت من قبل منطقة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك في زمن ثم تركها الناس، وصارت ماذا؟ خرابة. فصار الناس بعد ذلك يحرمون من رابغ. قال: «مدينة كبيرة فيها الدور والمرافق والمجالس الحكومية». وتبعد عن مكة المكرمة -عن طريق وادي بجموم- مئة وستة وثمانين كيلًا -كيلًا أو كيلًا- ظاهر كيلًا. ويحرم من رابغ أهل لبنان، ويحرم من رابغ أهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والسودان، وحكومات المغرب الأربع، وبلدان أفريقيا، وبعض منطقة الشمالية في المملكة السعودية -أي: من جهة الشام- ومن أتى من طريقهم كذلك. قال: «يلملم بفتح الياء المثناة التحتية فلام فميم فلام أخرى بعدها ميم أخرى». ويقال: ألملم. وسكان تلك المنطقة الآن يقولون: لم لم. ولما ذكر قصته ذهب إلى هناك، قال: «لما سفلت حكومتنا الطريق الآتي من جنوب المملكة العربية السعودية إلى مكة المكرمة، والمار بوادي يلملم -من غير مكان الإحرام القديم المسمى بالسعدية- كنت أحد أعضاء لجنة مشكلة لمعرفة مكان الإحرام مع الطريق». فذهبنا إليه -معنا أهل الخبرة والعارفون بالمسميات- اجتمعنا بإعيان وكبار السكان من سكان تلك المنطقة. وسألناهم عن مسمى يلملم: هل هو جبل أم واد؟ فقالوا: «إنا يلملم -وهذا الوادي الذي أمامكم- وإننا لا نعرف جبلًا نسميه بهذا الاسم». وهذا بعض أهل المؤرخين ذكروا أن يلملم جبل -جبل في ماذا؟ في تلك المنطقة-. وهؤلاء يقولون: ليس هناك جبل. قال: «وإنما الاسم خاص بهذا الوادي، وسيوله تنزل من جبال السراه، ثم تمده الأودية في جانبيه، وهو يعظم حتى صار هذا الوادي الفحل الذي تشاهدونه». وإن مجراه ممتد من الشرق إلى الغرب حتى يصب في البحر الأحمر عند مكان في الساحل يسمى المجيرمة. قال: «وقد كان الطريق يمر بالسعدية -وهي قرية فيها بئر السعدية- وفيها إمارة ومدرسة ومسجد قديم -ينسب الآن إلى معاذ بن جبل-. والسعدية تبعد عن مكة المكرمة اثنين وتسعين كيلًا». أما الطريق الذي سفلته حكومتنا فهو يقع عن السعدية غربًا بنحو عشرين كيلًا -يمر على وادي يلملم- وعنده ممر إلى يلملم. يكون وادي يلملم عن مكة يبعد -الظاهر وعنده ممر إلى يلملم- يكون وادي يلملم عن مكة مئة وعشرين كيلًا. قال: «ونحن بينا للمسؤولين جواز الإحرام من الطريق القديم والطريق الجديد، وغيرهما مما يمر في هذا». وذلك عام... وذلك حج عام ألف وأربعمائة وواحد. وآنا الآن أكتب هذه الأسطر في ربيع ثاني من عام ألف وأربعمائة واثنين. فلا أدري: هل يعاد الطريق من السعدية -حيث الممر الأول- أو يبقى هذا الطريق الجديد، ويعد على ضفة الوادي أماكن الإحرام، ودورات مياه المحرمين. قال: «ويحرم من يلملم أهل اليمن الساحلي، وسواحل المملكة السعودية، وأندونيسيا وماليزيا والصين والهند، وغيرهم من حجاج جنوب آسيا». والآن أصبح الغالب عن طريق الطائرات والبواخر التي لا ترسل في موانئ جدة. قال: «وقرن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء». وقد يقال: قرن الثعالب. يوجد أربعة روابي صغار تسكنها الثعالب. وقد أزيلت إحدى تلك الروابي لتوسع الطريق -مكة الطائف- وبقي الآن منها ثلاث. أما الثعالب: مع توسع عمران هربت عن المنطقة. والقرن هو الجبل الصغير. وهذا الميقات اشتهر اسمه الآن بالسيل الكبير. ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة ثمانية وسبعون كيلًا. ومن المقاهي والأمكنة التي اعتاد الناس أن يحرموا منها: خمسة وسبعون كيلًا. والسيل الكبير الآن قرية كبيرة فيها محكمة وإمارة، وجميع الدوائر المرافق والخدمات والمدارس المنوعة. ويحرم من قرن المنازل أهل نجد، وحجاج الشرق كله -من أهل الخليج والعراق وإيران وغيرهم-. قال: «وادي معرم: هذا هو أعلى قرن المنازل، وهو قرية عامرة فيها مدرسة». وكان لا يحرم منها إلا قلة -حتى فتحت حكومة طريق الطائف مكة المار بالهدى وجبل كرا- فصار محرمًا هامًا مزدحمًا. فبنت فيها الحكومة مسجدًا كبيرًا جدًا -وهو طرق مسفلتة للداخل والخارجة- ومواقف للسيارات، ومكان راحة، وأمكنة للاقتصار -إلى آخر ما ذكره-. قال: «ذات عرق: بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف». سمي بذلك لأنه فيه عرق -وهو الجبل الصغير-. وسمي الآن: الضريبة. قال: «يقطع ضريبة -والضريبة بفتح الضاد المعجم بعدها راء مكسورة ثم ياء مسلنا تحتية ثم باء موحدة تحتية ثم هاء واحدة- والضراب هو الجبال الصغار». وهذا الميقات: الأظهر في حديثه صحيح. ولكن ورد في بعض السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقته لأهل العراق: ذات عرق. وقد ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث. قال: «في الفتح -في فتح الباري- قال: والذي في البخاري عن ابن عمر قال: لما فتحت الكوفة والبصرة أتوا عمر، فقالوا: يا أمير مؤمنين! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنًا، وهو جور -أي: بعيد عن طريقنا-. قال: «فانظروا حذوها في طريقكم». هذا انتبهوا لهذا اللفظ. قال: «فانظروا حذوها -أي: ما يحاذيها- ما يحاذيها في طريقكم». فحد لهم ذات عرق. قال الشافعي: «لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حد ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس». وهذا يدل على أن ذات عرق لم يكن منصوصًا عليه. وبه قطع الغزالي، والرافعي في شرح مسلم، والنووي في شرح مسلم. وكذا وقع في المدونة المالكية. وصح عند الحنفية والحنابلة، وجمهور الشافعي: أنه منصوص. وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم -إلا أنه مشكوك في رفعه-. وقد وقع في حديث عائشة، وحديث حارثة -السهمي- كلاهما عند أحمد، وأبي داود والنسائي. وهذا يدل على أن الحديث أصلا... فلعل من قال: إنه غير منصوص عليه لم يبلغه. أو ضعف الحديث -ملخصًا من فتح الباري-. قال الشيخ البسام: «على كل حال، فقد صح توقيته عن عمر رضي الله عنه». فإن كان منصوصًا عليه، وجهله فهو من وافق المعروف. إن لم يكن نص عليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالسنة، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وقد أجمع المسلمون على أنه أحد المواقيت للحج. والله أعلم. والحمد لله. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على