الدرس في كتاب الحج 15، ألقاها
يشرح المقطع كيفية الدفع إلى مزدلفة وأعمالها، مع التشديد على اتباع الإمام وعدم التقديم عليه، واستحباب السكينة والذكر والتلبية أثناء الطريق. يتم جمع صلاتي المغرب والعشاء في مزدلفة.
يتناول المقطع أحكام الوقوف بمزدلفة، حيث يشرح صلاة المغرب والعشاء جمعا وقصرا، وأهمية الوقوف عند المشعر الحرام، وحدود مزدلفة، وحكم المبيت فيها مع ذكر آراء العلماء.
يتناول المقطع آراء العلماء المختلفة حول حكم المبيت بمزدلفة، حيث اختلفوا بين القول بركنيته أو استحبابه أو وجوبه، مع استدلال كل فريق بأدلة من القرآن والسنة.
يتضمن المقطع أعمال مزدلفة، مع التركيز على ذكر الله تعالى بالتسبيح والاستغفار والتوبة، والتضرع والاعتراف بالذنب واللجوء إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، بعد أن ذكرنا ما تيسر من مسائل الوقوف بعرفة، وذكرنا كذلك بعض ما يتعلق بذلك، وهو كما سمعتم رابع الأعمال التي يعملها الحاج بعد الوقوف بعرفة، يأتي للفعل أو العمل الخامس للحاج، وهو المبيت بمزدلفة، وتحته مسائل، وأولى هذه المسائل صفة الدفع إلى مزدلفة، وأعمال مزدلفة. تقدم معنا في الدرس الماضي أن الإمام إذا صلى، أو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بعد أن وقف بعرفة إلى أن غربت الشمس وتأكد من غروبها، كما جاء في حديث جابر وغيره، دفع بعد ذلك إلى مزدلفة، ودفع الناس معه، فلأجل هذا قال من قال من أهل العلم: إنه إذا كان سمى إمام على الحج، إذا كان الحج إمام كما كان في الأزمان السابقة، ولكن الآن مع تفرق الأحرار الإسلامية، صار الناس يحجون طوائف، المهم إذا كان، وبإذن الله عز وجل سيكون، فالحاصل أنه إذا كان تم إمام على الحج، سواء كان الإمام الأعظم أو من ولاه الإمام، فلا ينبغي أن يدفع من عرفة إلا بعد دفعه. لذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام. وسئل رحمه الله تعالى عن رجل دفع قبل الإمام بعد غروب الشمس، فقال: ما وجدت عن أحد أنه سهل فيه، كلهم يشدد فيه، أي أن الأئمة والسلف رحمهم الله وغفر الله لهم ورضي الله عنهم، كلهم يشددون في هذا الباب، بمعنى أنه لا يدفع الحاج ولو غربت الشمس إلا بعد أن يدفع الإمام. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: والمستحب أن يقف حتى يدفع الإمام، ثم يسير نحو المزدلفة على سكينة ووقار، لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين دفع: «أيها الناس السكينة السكينة»، «عليكم السكينة فإن البر ليس بإيضاع الإبل». رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: ويستحب ذكر الله في الأوقات كلها، وفي هذه الأوقات أشد تأكيدا، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وتستحب التلبية، أي أن يكسر الإنسان يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك». ودليل هذا ما رواه الفضل بن العباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة. قال: والسنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصل مزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء، لا خلاف في هذا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا خلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بين المغرب والعشاء، والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما. ويقيم لكل صلاة إقامة، لما روى أسامة بن زيد قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ، فقلت له: الصلاة يا رسول الله، قال: «الصلاة أمامك». ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء، ولم يصل بينهما. قال: وإن جمع بينهما بإقامة الأولى فلا بأس، أي إن صلى المغرب والعشاء بإقامة واحدة. قالوا: كذلك لا شيء في ذلك، لا بأس بذلك. قالوا: يروى ذلك عن ابن عمر، وبه قال الثوري. قال: ومن فاته الصلاة مع الإمام، أي بعضهم، صلى وحده منفردا كما يجمع مع الإمام، لا خلاف في هذا، أي أنه يصلي المغرب والعشاء جمعا وقصرا. قالوا: وكذلك إن فرق بينهما لم يبطل الجمع، أي أنه صلى المغرب ثم أخر قليلا، ثم صلى العشاء بعد ذلك. قال: والسنة أن يصلي التعجيز بالصلاتين، بمعنى أول ما يصل إلى مزدلفة يبدأ بصلاة المغرب والعشاء جمعا وقصرا. قال: ولم يصلي بينهما شيئا، وحديث أسامة بن زيد وابن عمر، وكذلك جاء في حديث جابر ما يدل على أنه لم يتطوع بينهما. قال: فإن صلى المغرب قبل أن يأتي مزدلفة ولم يجمع، قالوا: خالف السنة، وصح صلاته. قال عطاء وعروة والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف وابن المنذر: صلاته صحيحة، ولكنه خالف السنة. قال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: وربما يجب أن يصلي في الطريق، وذلك إذا خشي خروج وقت صلاة العشاء بمنتصف الليل، فإنه يجب أن يصلي في الطريق، فينزل ويصلي. فإن لم يمكنه النزول للصلاة، قال: فإنه يصلي ولو على السيارة؛ لأنه ربما يكون السير يمشي مشيا ضعيفا لا يمكنه أن يصل معه إلى مزدلفة قبل منتصف الليل. قال: ثم إذا صلى الفجر، قالوا: وقف عند المشعر الحرام، وهو قزح، بضم القاف وفتح الزاي وبالحاء المهملة. قالوا: هو جبل صغير، وهو في آخر المزدلفة، فيرقى عليه إن أمكنه، وإلا وقف عنده، فذكر الله تعالى ودعا واجتهد في الدعاء والذكر عند المشعر الحرام. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. وفي حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المشعر الحرام، فرقى عليه، فدعا الله، وهلله، وكبره، ووحده. ويقف حتى يسفر جدا، أي حتى يظهر الصبح ظهورا واضحا. مزدلفة لها ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمع، والمشعر الحرام. قالوا: من مأزم عرفة، ومعنى المأزم كل طريق ضيق بين جبلين. وقولهم: من مأزم عرفة، أي مضيق بين جمع وعرفة. يبدأ المكان هنا من ذاك المضيق إلى قرن محسر، وهي من جهة ما، لا من جهة مؤمنة. قالوا: وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ففي أي موضع وقف من أجزأه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكل المزدلفة موقف». رواه أبو داود وغيره من حديث جابر رضي الله عنه، وهو حديث صحيح. قالوا: وليس وادي محسر من مزدلفة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «وارفعوا عن بطن محسر». رواه أحمد عن ابن عباس بالسند الصحيح. قالوا: إذا امتلأت مزدلفة بالحجيج، فلم يجد الحجاج مكانا، فإنهم يقفون أو يبيتون في أقرب مكان محاذ لمزدلفة أو قريبا منها. وتأتي القاعدة هنا: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. فمن وقف في أقرب مكان متصل بمزدلفة، فإنه يكون حكمه كحكم من بات في مزدلفة؛ لأنه يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. الأصل لا يجوز المبيت في خارج مزدلفة، لكن إذا امتلأت مزدلفة بالحجيج، فما وجد الإنسان مكانا، هل يسقط عنه هذا الوجوب؟ الجواب: أنه يقف في أقرب مكان يلي مزدلفة. ذهب جمهور العلماء من السلف والأمة إلى أن المبيت بمزدلفة واجب، ومن تركه فعليه دم. وهذا قول عطاء والزهري وقتادة والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور والخرقي. وذهب علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري إلى أنه ركن من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به. وبه قال أبو بكر بن خزيمة من الشافعية، وغيره. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد: ذكر أن هذا القول قول ابن عباس وابن الزبير. وذكر من تقدم، أو بعض من تقدم. وذكر أيضا أن هذا القول هو قول الأوزاعي، وحمد بن أبي سليمان، وداود الظاهري، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وابن جرير. وهو الذي مال إليه ابن القيم. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه سنة مستحبة، وهو قول في مذهب الشافعي وأحمد. قالوا: إنه مبيت، فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة. تقدم معنى أن المبيت ليلة عرفة بمنى حكمه سنة بإجماع، كما نقل الإجماع ابن المنذر، ونقله ابن قدامة، ونقله كذلك ابن الرجبي. قالوا: فما قبله مستحب، وما بعده مستحب. واحتج من قال بالركنية بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. وبقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عروة بن مدرس: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه». قالوا: هذه الأدلة قاضية في أن الوقوف بعرفة ركن، كالوقوف بمزدلفة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه». واستدلوا بحديث آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فاته المبيت بمزدلفة، فقد فاته الحج». وهذا نص صريح في المسألة، لو صح الحديث. رواه الدارقطني وغيره من حديث ابن عباس، وهو ضعيف. قال أصحاب القول الأول الذين قالوا بأنه واجب وليس بركن: إن حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه». هذا دليل قوي في الباب، والدلالة منه واضحة لمن تأملها. قالوا: فاستدل الجمهور بهذا الحديث على أن الوقوف بمزدلفة ليس بركن؛ إذ لو كان ركنا لقرنه النبي صلى الله عليه وسلم بالوقوف بعرفة. وأجاب عن القائلين بالركنية: أما محتج به من الآية والخبر، فالمنطوق فيهما ليس بركن في الحج إجماعا. قالوا: فإنهم لو باتوا بجمع، ولم يذكروا الله تعالى، ولم يشهدوا الصلاة فيها، صح حجهم. لا يلزم من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وجوب المبيت. هل المبيت من ضرورة ذكر الله تعالى؟ الجواب: لا. قالوا: وكذلك صلاة الفجر، فإنه لو أفاض من عرفة في آخر ليلة النحر، أمكنه أن يصلي الفجر في المزدلفة. فدل الحديث على أن هذه الأفعال، كما أن الذكر ليس بواجب إجماعا، والصلاة ليست واجبة إجماعا، فدلت الآية على أن ما ذكر في الآية ليس المراد به الوجوب. قالوا: فتعين حمل ذلك على مجرد الإيجاب، أو الفضيلة، أو الاستحباب. والأظهر والله تعالى أعلى وأعلم القول بالوجوب: أنه واجب وليس بركن. أما الموجب، فلفعله صلى الله عليه وسلم ذلك، مع قوله: «خذوا عني مناسككم». ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للضعفة، وكذلك رخص لمن كان من أهل السيطايا، وكذلك لمن كان من أهل الإبل أن ينفروا، وأن لا يبيت بمزدلفة. فالترخيص يدل على أن الأمر عزيمة؛ إذ لو لم يكن عزيمة لم يحتاج إلى الترخيص. فالذي يظهر والله أعلى وأعلم: أن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، وليس بركن، وليس كذلك بمستحب. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.