التعليق على كتاب العلم  33

التعليق على كتاب العلم 33

الدرس في التعليق على كتاب العلم 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خطر التصدر للفتوى والتدريس قبل التأهل العلمي

يحذر الشيخ ابن عثيمين من مبادرة طالب العلم إلى الفتوى والتدريس قبل استكمال أهليته العلمية، مبيناً أن ذلك يورث الإعجاب بالنفس والتعالي على العلماء. ويشير إلى أن السلف الصالح كانوا يتجنبون الألقاب ويرون أنفسهم طلاب علم رغم مكانتهم الرفيعة.

مخاطر الفتوى بغير أهلية وآثار سوء الظن بالعلماء

يوضح المقطع أن التصدر للفتوى بغير علم يؤدي إلى القول على الله بغير علم ورد الحق تكبراً. كما ينبه إلى خطورة سوء الظن بالعلماء وطلبة العلم، موضحاً أنه يوقع في البغض والقدح في الأعراض ورفض الحق.

أحكام سوء الظن بالمسلمين والفرق بين صاحب العدالة ومن يعرض نفسه للشبهات

يبين المقطع أن سوء الظن بالمسلم ظاهره العدالة حرام إلا مع وجود قرائن واضحة، بينما من يخالط أهل البدع أو الشهوات فيُساء الظن به لعرضه نفسه للشبهات. ويستدل بالآيات والأحاديث وأقوال السلف على وجوب حمل كلام المسلم على المحمل الحسن وطلب العذر له.

حسن الظن بالمخطئ من أهل العدالة وتصحيح خطئه برفق

يؤكد المقطع على عدم سوء الظن بمن يظهر العدالة إذا أخطأ، بل يُصحح خطؤه وينصح فيه برفق. والهدف تجنب نسبة أقوال أو اعتقادات لم يقصدها الشخص ولم يعتقدها، مع الاكتفاء بهذا التوجيه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي الفصل الثاني "أخطاء يجب الحذر منها": فذكر منها الحسد، ومنها كذلك الإفتاء بغير علم، وذكر منها أيضًا الكبر والتعصب للمذاهب والآراء. قال: ومنها التصدر قبل التأهل. ومعنى التصدر: أي إنزال طالب العلم نفسه منزلة العالم المفتي المرجع الذي يرجع إليه الناس، وهو لم ينضج بعد ولم يتأهل بعد، فهذا معنى قوله: "التصدر قبل التأهل". قال: مما يجب الحذر منه أن يتصدر طالب العلم قبل أن يكون أهلاً للتصدر، لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلاً على أمور، وهذه الأمور خطيرة وتتنافى مع العلم الذي يتحصل عليه طالب العلم، وسيتبين لك من خلال ذكر هذه الأمور خطورة هذه الأمور. قال: الأمر الأول: إعجابه بنفسه، حيث تصدر فهو يرى نفسه علم الأعلام، والعجب مرض خطير ربما يؤدي بصاحبه إلى أن ينزل نفسه منزلة العلامة الفهامة، وهو لا يزال طالب علم ولا يزال في طور الطلب. يظهر من خلال فلتات لسانه أو من خلال أعماله أنه العالم، وأنه كذلك الثابت السني، وأنه... وأنه، فيعجب بنفسه. ولربما سمعته يقول: "أنا لست بجاهل، أنا عالم"، أو سمعته يقول: "أنا لست بعربجي بل أنا عالم"، أو إلى غير ذلك من الألفاظ التي تدل على الإعجاب، بل ربما تشعر من خلال كلامه أنه لا عالم أعلم منه، فهو مستعد أن يناظر جميع العلماء، ومستعد أن يهين كرامة جميع العلماء. وهذا لا شك أنه من الإعجاب بالنفس، لا شك أنه من الإعجاب بالنفس. فحسب طالب العلم أن يقول: "أنا طالب علم، وأنا كذلك أتبع العلماء وأشاور العلماء، وكذلك آخذ من نصحي ومن إرشادي العلماء". هذا دليل على تواضعه، وعلى إنزاله لنفسه المنزلة التي تليق بها، التي تليق بها. فالعالم مهما بلغ من العلم ومن الرفعة إلا أنه يرى نفسه لا يساوي شيئًا، وتراه يتواضع ويرى أنه لا يزال طالب علم. اقرأوا في تراجم السلف، ربما بعضهم إذا أثني عليه في مجلس بأنه العلامة أو بأنه كذلك العالم أنكر هذا الثناء، وقال: "ما أنا إلا طالب علم"، وهو عالم علامة، اتفق العقلاء والعلماء على أنه عالم وأنه علامة، ومع هذا يرى نفسه طالب علم، لا يعجب بنفسه ولا بعلمه. وأما بعض أنصاف المتعلمين فيرى نفسه هو العالم العلامة، ويرى الألقاب أو يسمع الألقاب تقال فيه وهو لا ينكرها، ولا كذلك ينكر على قائليها، وإنما يسكت أو يفرح بذلك. فهذا من الإعجاب، فليحذر طالب العلم من هذا المسلك. فهذا هو الأمر الأول: إذا تصدر طالب العلم قبل أن يكون أهلاً للتصدر. قال: الأمر الثاني: أن ذلك يدل على عدم فقهه ومعرفته للأمور، لأنه إذا تصدر ربما يقع في أمر لا يستطيع الخلاص منه، لا يستطيع الخلاص منه. إذ أن الناس إذا رأوه متصدرًا أوردوا عليه من المسائل ما يبين عواره. وهذا مطب آخر يقع فيه من تصدر قبل أن يتأهل، فإنه إذا تصدر ربما يقع في أمر لا يستطيع الخلاص منه، يخبط خبط عشواء، وربما يقرر مسائل مصيرية والصحيح خلاف ما قرر. فهذه مصيبة عظيمة. وربما بعدما قرر المسألة ذهب يستدل لها، يبحث عن أدلة تؤيد ما قال، وهو في هذا يعتقد قبل أن يستدل، أولاً يعتقد ثم يستدل، يبحث عن الأدلة لماذا؟ لأنه لا علم عنده ولا فقه عنده ولا معرفة عنده بالأمور، فيخبط خبط عشواء، فيقع في أمور لربما في العقيدة، أخطأ في العقيدة ما قال بها أحد من أهل العلم، فينتقد، فيذهب يبحث ويلوي النصوص لويًا حتى يدلل أنه قد قال بقول فيه هذا وذاك الدليل، أو قد قال به العالم الفلاني، وقول العالم ليس بصريح فيما ذهب إليه، وإنما فعل ذلك حتى يبرهن أنه ما أخطأ، أنه ما أخطأ. وهذا مزلق خطير، وهذا مزلق خطير. فإذا نزل نفسه منزلة المفتي العلامة العالم، الناس أوردوا عليه الإشكالات وأوردوا عليه المدلهمات، فهو لأنه قد تصدر لهذا المقام لا يسكت عن مسألة يسأل عنها، يجيب عن كل شيء، فلا شك أنه سيجيب عن أشياء لا دليل لها، وإنما اضطر اضطرارًا إلى أن يقول فيها قولاً ثم يريد الخلاص والمخرج. قال: الأمر الثالث: أنه إذا تصدر قبل أن يتأهل لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم، لأنه يفتي بجهل، فلا شك أنه سيقول على الله ما لا يعلم. قال: لأن الغالب أن من كان هذا قصده أنه لا يبالي ويجيب على كل ما سئل، ويخاطر بدينه وبقوله على الله عز وجل بلا علم، لأنه يقول: "كيف أنا الآن نزلت نفسي منزلة العلامة، منزلة المفتي، منزلة المتصدر، فلو سألني الناس ولم أجب عن كل ما سألوا عنه لقالوا: هذا ما يسوى شيء، هذا يعني ليس بعالم، وهذا كذا وكذا". وهو حقيق ليس بعالم، لكن هو يريد أن يثبت أنه عالم، فماذا يصنع؟ يفتي في كل شيء، يفتي في كل شيء، فيقول على الله بلا علم، والله المستعان. قال: الأمر الرابع: أن الإنسان إذا تصدر فإنه في الغالب لا يقبل الحق، وهذا من أسباب رد الحق، من أسباب رد الحق التصدر. يتصدر فيقول: "كيف أقبل الحق فأخضع لغيري؟ لا، أنا ما أخضع لغيري، بل يجب على غيري أن يتبعني". فيجره هذا الأمر إلى أن يرد الحق، إلى أن يرد الحق. وهذا معنى، وهذا معنى قوله: "أن الإنسان إذا تصدر فإنه في الغالب لا يقبل الحق"، لأنه يظن بسفهه أنه إذا خضع لغيره ولو كان معه الحق كان هذا دليلاً على أنه ليس بعالم، وهو حقيق ليس بعالم، لكنه يرى نفسه عالمًا، فلذلك لا يقبل الحق إذا أتاه من غيره، لأنه يرى أن غيره أنزل منه، وأن غيره لا يدانيه ولا يساويه، فلذلك يعني لا يقبل الحق، لا يقبل الحق. ولذلك لا تعجب من أمثال هؤلاء عندما يبين لهم الحق من العلماء الجهابدة الأجلاء، من شابت لحاهم في السنة، ومن فنيت أعمارهم في طلب العلم، ومع هذا لا يقبلون نصيحة الناصحين، ولا يقبلون كذلك تعليمًا من أبين لهم خطأهم. لماذا؟ لأنهم تصدروا قبل أن يتأهلوا. قال: ومنها -أي من الأخطاء الذي يجب الحذر منها لطالب العلم خاصة وللمسلمين عامة- سوء الظن. قال: فيجب على طالب العلم الحذر من أن يظن بغيره ظنًا سيئًا. وسوء الظن معناه: أنك تعتقد أمراً في أخيك وهو لم يتصف به ولم يقل به، فتبني عليه أحكامًا من البغض ومن الكلام في العرض وإلى غير ذلك. فلا شك أن في حصول ذلك مفاسد عظيمة، لا سيما إذا كان هذا سوء الظن في العلماء وفي طلاب العلم: أن تظن بالعالم الصادق أنه كاذب، أن تظن بالعالم الناصح أنه غاش، أن تظن بالعالم السني أنه حزبي، أن تظن بالعالم المخلص أنه غشاش وأنه مراء وأنه كذا وكذا. فهذا لا شك أنه خطر عظيم، ربما يؤدي إلى رد طلبة العلم والعامة للعلم ولكلام أهل العلم. قال: مثل أن يقول: "لم يتصدق هذا إلا رياءً"، "ولم يلقَ الطالب هذا السؤال إلا رياءً ليعرف أنه طالب فاهم". وهذا من باب المثال، والأمثلة كثيرة، والأمثلة كثيرة. أن يظن أن فلانًا مثلاً طالب العلم ما حضر درس الشيخ إلا لأنه مثلاً لا يراه عالمًا، أو أن الطالب الفلاني ما يكتب في الدرس إلا لأنه زاهدًا في علم الشيخ أو في علم المدرس. كل هذا من سوء الظن، كل ذلك من سوء الظن إذا لم تكن معك بيّنة، وإذا لم تكن معك قرائن تدل على ما ذهبت إليه. أما إذا لم توجد الدلائل والقرائن فهذا هو سوء الظن الذي حذرنا الله عز وجل منه. قال: وكان المنافقون إذا أتى المتصدق من المؤمنين بالصدقة، إن كانت كثيرة قالوا: مرائي، وإذا كانت قليلة قالوا: إن الله غني عن صدقة هذا. كما قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: فإياك وسوء الظن بمن ظاهره العدالة. انظر بمن ظاهره العدالة. أما الفاسق الفاجر فإن دلائل الفسق والفجور تدل على جواز سوء الظن به. ولذلك قال بعض السلف: "إذا من عرض نفسه للشبهات فلا يلومن من أساء الظن به". لماذا؟ لأنه هو الذي عرض نفسه للشبهات. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما زارته صفية في معتكفه وأراد أن يرجعها إلى منزلها، خرج معها عليه الصلاة والسلام، فرآه صحابيان فأسرعا، فقال لهما النبي عليه الصلاة والسلام: «على رسلكما، إنها صفية، لا تظناني ظنًا سيئًا». فالنبي عليه الصلاة والسلام قطع عنهما وساوس الشيطان. فهكذا ينبغي المسلم ألا يعرض نفسه للشبهات. مثل الإنسان يقول: "يتهموني بالحزبية وهو يدخل ويخرج مع الحزبيين"، كيف ما يتهم؟ هذا يتهم، وهذا يساء الظن به، لماذا؟ لأنه عرض نفسه للشبهات، وإن كان يدعي السنة والسلفية، طالما أنه قد خالط هؤلاء الحزبيين وهو يدخل ويخرج معهم، فيساء الظن به ويلحق بهم، ولا كرامة. وهكذا في مسألة الشهوات: إنسان يقول: "كيف تتهموني أني أجلس مع النساء وأني أحب مجالسة النساء وأن في قلبي مرض، وهو يتتبع مجالس النساء ويتحدث مع النساء ويعرض نفسه للشبهة؟" فهذا يساء الظن به، لماذا؟ لأنه هو الذي عرض نفسه للشبهات. ينبغي أن يفرق: أما من ظاهره العدالة ولا توجد قرائن ولا دلائل على سوء الظن به، فهذا لا يجوز الظن به، كما سيأتي بيانه. قال: ولا فرق بين أن تظن ظنًا سيئًا بمعلمك أو بزميلك، فإن الواجب إحسان الظن بمن ظاهره العدالة. أما من ظاهره غير العدالة فلا حرج أن يكون في نفسك سوء ظن به، لكن مع ذلك عليك أن تتحقق حتى يزول ما في نفسك من هذا الوهم، لأن بعض الناس قد يسيء الظن بشخص ما بناءً على وهم كاذب لا حقيقة له. فالواجب إذا أسأت الظن بشخص سوى من طلبة العلم أو غيرهم، فالواجب أن تنظر: هل هناك قرائن واضحة تسوغ أو تسوغ لك سوء الظن؟ فلا بأس، كما ذكرنا: يعرض نفسه للشبهات ولا يريد أن يساء الظن به، هذا محال. قال: وأما إذا كان مجرد أوهام، فإنه لا يحل لك أن تسيء الظن بمسلم ظاهره العدالة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾. لم يقل: كل الظن، يعني لأنه قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. في بعض النسخ كان الظن صوابه: "كل". لم يقل: كل الظن، قال: لأن بعض الظنون لها أصل ولها مبرر. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، يعني: قال الله: إن بعض الظن إثم، ليس كل الظن إثم، لأن من الظنون ما هو سائغ إذا احتفت كما سبق بقرائن ودلائل، إذا احتفت بقرائن ودلائل. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. ما هو هذا البعض؟ الذي لم يحتف بقرائن ولا دلائل، والذي كان في مسلم ظاهره العدالة. وليس كل الظن، فالظن الذي يحصل فيه العدوان على الغير لا شك أنه إثم، وكذلك الظن الذي لا مستند له. وأما إذا كان له مستند فلا بأس أن تظن الظن السيء بحسب القرائن والقرائن والأدلة. أما إذا لم تكن قرائن ولا أدلة فينبغي أن تحسن الظن، وإن خرجت كلمة ظاهرها الخطأ فإنك بعدالة هذا القائل تحملها على المحمل الحسن، مع النصيحة، مع النصيحة وبيان الخطأ، إن كان هذا الخطأ قد قيل على الملأ. ولذلك جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملاً». ذكر هذا الحافظ ابن كثير في تفسيره. وقال محمد بن سيرين عليه رحمة الله: «إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا، فقل: لعل له عذرًا». هذا فيمن ظاهره العدالة، فإن الإنسان قد يخطئ، فلا يساء الظن به بسبب هذا الخطأ، وإنما يصحح هذا الخطأ وينصح فيه، حتى لا يقال فيه ما لم يرده وما لم يعتقده. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر