كتاب البيوع 75

الدرس في كتاب البيوع 75، ألقاها

ضابط اللقطة اليسيرة وآراء الفقهاء

تناول المقطع الأول مسألة اللقطة اليسيرة التي لا يجب تعريفها، حيث اختلف العلماء في تحديد ضابطها، واستعرض آراء بعض الفقهاء مثل مالك وأبي حنيفة. يُستدل على ذلك بأحاديث وآثار عن الصحابة والتابعين.

أدلة وآراء الفقهاء حول اللقطة وتفاصيلها

ناقش المقطع الثاني بعض الأدلة والآراء الفقهية حول اللقطة، واستعرض آراء بعض الصحابة والتابعين في التعامل مع الأشياء الضائعة، كما ذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اللقطة وآرائهم حولها.

حكم دفع اللقطة لمن ادعاها ومعايير الاستحقاق

اتفق العلماء على عدم دفع اللقطة لمن ادعاها إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء، واختلفوا إذا عرف ذلك، حيث ذهب مالك إلى أنه يستحق بالعلامة، بينما قال الشافعي وأبو حنيفة أنه لا يستحق إلا ببينة.

ختام باب اللقطة والانتقال لباب الوصايا

يشير المقطع الأخير إلى انتهاء الحديث عن باب اللقطة وبدء الحديث عن باب الوصايا في الدرس القادم بإذن الله، ويتم ختام المقطع بالثناء على الله والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، طيب، مضى معنا فيما مضى ذكر ما يسره الله جل وعلا من المسائل المتعلقة في باب اللقطة، وكانت آخر مسألة أخذناها في بيان كيفية التعريف، أي تعريف اللقطة، كيف يعرفها من يلتقطها؟ واليوم، بإذن الله جل وعلا، أخذ ما تيسر كذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب، وبإذن الله عز وجل تكون المسائل المذكورة في هذا اليوم كالخاتمة لهذا الباب، بإذن الله عز وجل. طيب، المسألة الثانية والعشرون، ما هو الضابط فيما يعرف وفيما لا يعرف من اللقطة؟ يعني ذكرنا أحكام اللقطة أو تعريفها، وأشرنا في بداية الكلام عن اللقطة بعد الحديث عن الضابط، لكن ها هنا المسألة ذكرناها مفصلًا ليعرف أقوال العلماء فيها وأدلة كل قول في المسألة، بإذن الله جل وعلا. طيب، قالوا: أما الشيء اليسير الذي لا يؤبه له فلا يعرف بغير خلاف. قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به. ثم اختلفوا في اليسير، هل له حد يحد به؟ يا أخوة، الآن اليسير ما هو الضابط الذي من وجده والتقطه له أن يأخذه ويتملكه أو يأكله مباشرة دون أن يعرف؟ هل له ضابط؟ وهل له قدر؟ وهل له حد؟ أم لا خلاف بين العلماء؟ خلاف بين العلماء في هذه المسألة، فذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يحد بحد، وهذا القول نسب وذكر عن عمر وعلي وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك ذكروها عن طائفة كذلك من التابعين، منهم ابن المسيب. ومن الأئمة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورحم الله الجميع. وقالوا: ولم يؤثر عن أكثر العلماء القائلين في مسألة اللقطة وأن اليسير لا يعرف لا يذكر، أو لا يؤثر عن أحد منهم حد. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجب تعريف ما لا يقطع به السارق، وهو ربع دينار عند مالك، وعشرة دراهم عند أبي حنيفة. يعني الآن الإمام مالك وأبو حنيفة متفقان على أن اللقطة إذا كانت صغيرة بأنها تحد، ولكن يعني واتفقوا على كذلك على ضابط واحد، من هذا وهذا الضابط هو أنها ما كان يقطع به، يعني ما لا يقطع به يد السارق. ثم اختلفوا، إمام مالك رحمه الله تعالى يقول: يقطع وتقطع يد السارق بربع دينار، وأبو حنيفة يقول: بعشرة دراهم؛ لأن ما دون ذلك قالوا: لأن ما دون ذلك، أي ما دون حد القطع تافه، لا يجب تعريفه، كالكسرة والتمر ونحوها. قالوا: الدليل على أنه تافه قول عائشة رضي الله عنها: «كانوا لا يقطعون في الشيء التافه». واضح هذا، فدل على أن ما يقطع به فإنه ليس بتافه، وما لا يقطع به فإنه تافه، فإذن لا يعرف، بل يتملك مباشرة. هذا وجه دليل هؤلاء. وأيضًا مما استدل به هؤلاء ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري، وجاء كذلك عن علي مباشرة عن علي، وجاء عن سهل بن سعد: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجد دينارًا، فأتى به فاطمة، فسألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هو رزق الله عز وجل». قال: «هو رزق الله عز وجل»، فأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل علي وفاطمة. فلما كان بعد ذلك أتته امرأة تنشد الدينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي، أدي الدينار». والحديث حسن، أو العلامة الألباني، وله طرق، يعني بعض أهل العلم حكم عليه بالاضطراب. وروى الجوزجانين عن سلمة بنت كعب قالت: وجدت خاتمًا من ذهب في طريق مكة، فسألت عائشة عنه، فقالت: «تمتعي به». الواضح، أشهد منه ماذا؟ أن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قالت لها: «تمتعي به». وهي وجدت خاتمًا من ذهب. وهذا الأثر رواه كذلك علي بن جعد في مسنده، يعني من طريق شريك عن زهير بن أبي ثابت عن سلمة بنت كعب به، إلا أنه ليس عنده «من ذهب». وفي سنده شريك القاضي، وهو ليس بقوي في الحفظ. وسلمة بنت كعب ذكر ابن سعد في الطبقات، وقارب عن عائشة أم المؤمنين حديثًا في اللقطة، من حيث عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، يعني أنها لم يوثق. معتبر، وقد تابع شريكًا أبو عوانة، رواه بن حبان في الثقات، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة عن زهير بن أبي ثابت عن سلمة بنت كعب، فذكر نحوه فيه، فوجدت خاتمًا من ذهب. لكن مثل هذا، مثل هذا يكون، ما دام ثبت الإسناد إلى سلمة هذه، وهي صاحبة القصة، فأدعى في ثبوتها وحفظها، يعني في ثبوت القصة وحفظها لما حصل لها. لما حصل، فكونها لم يوثقها معتبر، في مثل هذا المقام لا يؤثر. فالحاصل يكون الأثر حسنًا، أقل أحواله يكون حسنًا. وروى أبو داود عن جابر رضي الله عنهم قال: «رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصى والصوت والحبل». قال: «لا رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصى والصوت والحبل وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به». وهذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه. قال أبو داود: يعني ذكر أبو داود رواه مرفوعًا، ورواه بإسناد الآخر، وقال: يعني عن جابر قال: «كانوا»، لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهم كانوا، يعني يرخصون في العصى والصوت والحبل وأشبه ذلك. لا يقول: «كانوا»، أو «رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم». وعلى كل، يكون هذا من باب الموقوف الذي له حكم الرفع، يعني إسناده إسناده صحيح، أو قل: حسن، إسناده حسن، وهو موقوف على جابر، ولكن موقوف له حكم الرفع، يكون من قبل الموقوف الذي له حكم الرفع؛ لأن قول: «كانوا» يدل على أن هذا كان في زمن من في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يصرح بأنه كان في زمن النبي، وإن لم يصرح أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رخص لهم، لكن كونهم كانوا يفعلون هذا ويترخصون في ذلك، فيلتقطون هذه الأشياء الصغيرة دون أن ينهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، والواحد ينزل يدل على الإقرار، وهذا هذا الأمر أم لا؟ فيكون من قبل الموقوف الذي له حكم الرفع، والله أعلى وأعلم. قالوا: الحبل قد تكون قيمته درهم، بمعنى أنه شيء يسير، أنه شيء يسير. ومما استدلوا به أيضًا قالوا: عن سويد بن غفلة قال: خرجت مع زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة، فوجدت صوتًا، فأخذته، فقال: «دعه». فقلت: «لا أدع، تأكله سباع». قال: «أخذته، فلا أستمتع به». قال: «فقدمت على أبي بن كعب، فسألت عن ذلك وحدثته الحديث، فقال: أحسنت». أشهد من أن أبي بن كعب أقره على ذلك. قال: «أحسنت». ثم ذكر أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه قصة لقطته التي قد مضى ذكرها، أنه وجد صرة فيها مئة دينار، تقدم ذكرها، أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رفا عامًا». وفي رواية: «ثلاثة أعوام». وفي رواية: يعني «حولًا أو ثلاث أحوال». طيب، وهذا الحديث وهذه القصة بهذا اللفظ رواها الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، وإسنادها صحيح، وأصلها في الصحيحين. طيب، وأشهد من هذا أن هذا قول من الأقوى في المسألة. طيب، وذهب الشافعية، رحمه الله تعالى، يعني وذهب الشافعية، أئمة الشافعية في هذه المسألة ثلاث أوجه، كالمذاهب الثلاثة. مذاهب ثلاثة، مذاهب من الأئمة الأربعة، مذهب مالك، مذهب أبي حنيفة. طيب، والراجح الأول، الراجح والله أعلم وأعلم الأول لحديث زيد بن خالد الجهني، فهو عام في كل لقطة، فيجب إبقاؤه على عمومه، إلا ما خرج منه بالدليل، ولم يرد بما ذكره نص، وله في معنى ما ورد النص به. قال: ولأن التحديد والتقدير لا يعرفه بالقياس، وإنما يؤخذ من نص أو إجماع، وليس فيما ذكره نص ولا إجماع. قالوا: أما حديث علي، فعلى صحته، يعني على الفرض صحته؛ لأنكما سمعتم بعضها العلم يحكموا عليه بالاضطراب. قالوا: فعلى صحته، فيتعين حمله على، أما على أنه كان مضطرًا؛ لأن جاء في بعض الروايات: «فكان الحسن والحسين جياعًا لا يجدون ما يأكلون»، أو أنفقه قبل مضي مدة التعريف، يعني عرفه وعرفه وعرفه قبل مضي السنة، استنفقه. واضح، قالوا: أو غير ذلك، يعني من التأويلات التي يجب تأويله بها. لماذا؟ قولي: أن ظاهره مخالف لسائر المذاهب، هذا القول مخالف لسائر المذاهب، لم يقل به أحد، من أنه سيد وجد دينارًا، والدينار دينار من الذهب، أنه يستنفقه مباشرة دون أن يعرفه. قال ابن قدامة: قاله مخالف لسائر لمذهبهم، بل ولسائر ماذا؟ المذاهب. قالوا: قصة عائشة أيضًا، على فرض صحتها، فقضية عين، ولا يدرى كم هو قدر الخاتم، كم هو قدر الخاتم؟ هل ربع دينار؟ أقل من ربع دينار؟ نصف دينار؟ كم قدره؟ الله أعلم كم قدره. قالوا: ثم هو موقوف، ثم هو موقوف. قالوا: ولكن يجوز أخذ ما كان من الصوت والعصى والحبل، لما رواه جابر رضي الله عنه. وما كان قيمته كقيمته، وما كان قيمته كقيمته. واضح؟ فترجع المسألة إلى ما ذكرناه في أول الباب، وهو أن ضابط اللقطة التي تعرف ما تكون، عرفًا عند أوساط الناس، عند أوساط الناس عرفًا. وكذلك يقال في ضابط الصغير الذي لا يؤبه له. واضح؟ فيرجع في ذلك إلى العرف، فيرجع ذلك إلى العرف. وأي عرف؟ العرف المعتبر في ذلك عرف أوسط الناس، لا أعلاهم ولا أدناهم، والله أعلى وأعلم. طيب، المسألة الثالثة والعشرون، وبها نختم بإذن الله عز وجل. قالوا: حكم دفع اللقطة لمن ادعاها. قال ابن رشد: اتفقوا على أنها لا تدفع إليه إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء. العفاص ولا الوكاء. واختلفوا إذا عرف ذلك، هل يحتاج إلى بينة أم لا؟ واضح هذا الأمر. يعني إذا لم يعرف الوكاء والعفاص، فليس يعني فليس له حق بأن يعطى. واضح، جماعة. طيب، وإذا عرفه، هل يكتفى بذلك فيعطى ويدفع له تلك اللقطة أم يجب أن يأتي ببينة؟ واضح، خلاف بين العلماء. ذهب مالك رحمه الله إلى أنه يستحق بالعلامة، ولا يحتاج إلى البينة، يعني إذا أتى بالذكر والعفاص والوكاء وأصاب في ذلك، عند مالك يكفي ذلك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يستحق إلا ببينة، أي وإن أتى بالوصف لا يعطى إلا بماذا؟ بالبينة، يأتي ببينة. وسبب الخلاف في ذلك معارضة الأصل، معارضة الأصل في اشتراط الشهادة في صحة الدعوة لظاهر حديث الباب، يعني الأصل أن يأتي بماذا؟ بالبينة، لحديث ابن عباس رضي الله عنه، ما في الصحيح، قال: يعني ماذا في الحديث؟ يعني لدعوى، لدعوى أناس دماء أناس وأموالهم. قال: «ولكن البينة على المدعي». واضح، ولكن البينة على المدعي. وكما جاء في الحديث الآخر: «على المدعي البينة، وعلى المنكر اليمين». المنكر ماذا؟ اليمين. قال: فإذن في الأموال وما شبهها من الأمور يحتاج فيها إلى ماذا؟ إلى بينة، أن يأتي بماذا؟ بالبينة. قالوا: البينة ها هنا الشهود. واضح، وذهب إمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه في هذه المسألة خاصة يكتفى ببينة الإتيان بالوصف. واضح، فلذا من غلب الأصل قال: لا بد من البينة، ومن غلب ظاهر الحديث قال: يحتاج إلى البينة. وهذا هو الأرجح، وهذا هو الأرجح، أنه لا يحتاج إلى بينة، بل يكتفى بذلك بالوصف، والوصف من البينة. واضح، ذكر الوصف المطابق للقطة، هذا بينة معتبرة في أمر اللقطة. لذا قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في سبل السلام، مجيبًا على من أوجب البينة، قال: «وأجيب بأن ظاهر الأحاديث وجوب الرد بمجرد الوصف، فإنه قال صلى الله عليه وسلم: فأعطيها إياهم». قال: «ثم البينة ليست مقصورة على الشهادة، بل هي عامة لكل ما يتبين به الحق، ومنها وصف العفاص والوكاء». هذا كما يقال، ملخص كلامه رحمه الله تعالى. وهذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة. طيب، هل يشترط أن يعرف العدد أيضًا؟ يعني مثلًا في ذلك الكيس أو المخبأ الذي قد فيه المال مبلغًا، مثلًا مئة دينار، قاله: كيف الوكاء؟ قاله: لونه كذا، أحمر، من أي أنواع يعني اللباس؟ قال: نوع كذا وكذا، وعليه خطوط مثلًا بيضاء، وما نوع الوكاء؟ نوعه كذا، لونه أسود، ونوع غليظ، ونوع كذا. ذكر الأوصاف على ما هي. قال: طب كم العدد؟ فقال الرجل: لا أذكر، أو قال: عددها مثلًا مئة، وكانت تسعون، أو كانت ماذا؟ كان عددها تسعين، أو قال: تسعون وهي مئة، أو ما شابه ذلك. هل العدد معتبر أم غير معتبر؟ الجواب الضابط أنه غير معتبر. لماذا؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم بماذا؟ بالوكاء والعفاص، تعرف وكاء وماذا؟ وعفاصها. هذا الأظهر، والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، وأستغفرك وأتوب إليك. وبهذا نكون انتهينا من باب اللقطة، يعني أخذ بما تيسر، إلا مسائلها كثيرة. وغدًا بإذن الله عز وجل ندخل في مسائل في باب الوصايا، نسأل الله عز وجل أن يعيننا إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك.

شاركنا على