كتاب البيوع 20

الدرس في كتاب البيوع 20، ألقاها

تعريف المحاقلة وأحكامها في الإسلام

المحاقلة هي بيع الزرع بحب من جنسه قبل بدو صلاحه، وقد نهى النبي عنها لما فيها من الغرر والربا.

الخلاف في حكم بيع الكلاب وضمان متلفها

اختلف العلماء في حكم بيع الكلاب، فقال الجمهور بتحريم بيعها وعدم ضمان متلفها، بينما قال الإمام مالك بوجوب ضمان متلفها.

بيوع محرمة أخرى وكسب المال بالباطل

تناولت النصوص البيوع المحرمة مثل مهر البغي، أجرة المغنية، وكسب الإماء بالزنا، وتحريم كسب الكاهن والعراف.

حكم كسب الحجام وأجرة الكاهن والعراف

أجمع المسلمون على تحريم أجرة الكاهن والعراف، بينما اختلفوا في كسب الحجام، حيث يستحب للحر التنزه عنه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد، توقفنا في الدرس الحديث عند الكلام على مسائل المخابرة والمزارعة، فندخل اليوم في الكلام على المحاقلة. قوله: «المحاقلة» قد اختلف في تفسيرها، فمنهم -أي من أهل العلم- من فسرها ببيع الحقل بكيل من الطعام معلوم. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-: هي بيع الطعام في سنبله والحقل الحرث وموضع الزرع. وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن تغلظ سوقه. وروي عن جابر بن عبد الله أن المحاقلة: أن يبيع الرجل الزرع بمئة فرق من الحنطة. ففي معنى ما تقدم أولا من بيع الحنطة بالزرع، قال الشافعي: وتفسير المحاقلة والمزابنة في الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن يكون من رواة الرواة -أي أنه مدرج من قول الرواة- ليس من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-. وروي عن رافع بن خديج وسهل بن سعد أن المحاقلة: تم أخذها من الحقل -جمع حقله- قال الجوهري: وهي الساحات -جمع ساحة- والزرع قد تشعب ورقه وظهر وكثر، أو إذا استجمع خروج نباته، أو ما دام أخضر. وقد أحقل في الكل، والمحاقل مزارع، والمحاقلة بيع الزرع قبل بدو صلاحه، أو بيعه في سنبوله بالحنطة، والمزارع بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، واكترى الأرض بالحنطة -هذه المزارع تقدم معنا-. وقال مالك: المحاقلة أن تكرى الأرض ببعض ما ينبت منها، وهي المخابرة، وهي المخابرة. قال الشوكاني -رحمه الله- في النيل: قال: ولكنه يبعد هذا عطف المخابرة عليها في الأحاديث -أي ليست المحاقلة هي المخابرة- لأن في الأحاديث جاء أنه عن المحاقلة والمخابرة، والواو تقتضي المغايرة -أي بين المحاقلة والمخابرة-. قال النووي في المجموع شرح المهذب: قال العلماء: المحاقلة بيع الحنطة في سنبولها بكيل معلوم الحنطة. قال: واتفق العلماء على بطلانها، وله علتان مع الحديث -أي النهي له علتان مع نص الحديث في النهي-. أحدهما: أنه بيع حنطة وتبن، وذلك ربا -أي بيع الحنطة التي هي مكيلة بالحنطة التي في سنبولها- والحنطة في سنبولها: السنبول فيه حنطة، وفيه التبن الذي هو قشر الحنطة، فتنعدم فيها المماثلة، إن عدموا فيها المماثلة، ففيها الربا. قال العلامة عبد الرحمن بن القاسم في حاشية على الروض: قال: والعلة في ذلك هو الربا -أي في هذا النهي- قال: لعدم التساوي، الربا لعدم التساوي. قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم كره بيع المحاقلة والمزابنة، قال: وألحق الشافعي وغيره بذلك كل بيع مجهول بمعلوم -كل بيع مجهول بمعلوم- من جنس يجري الربا في نقده، وهو قول جمهور. وقد دلت الأحاديث: أنه لا يباع جنس بجنسه وأحدهما مجهول مقدار، لأن العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس شرط لا يجوز البيع بدونه، وهذا في الأصناف الربوية. طيب هذه العلة الأولى التي تذكر الإمام النووي. الثانية: أنه بيع حنطة في سنبولها، قال: فلو باع شعيرا في سنبوله بحنطة خالصة صافية وتقابض في المجلس جاز بلا خلاف. ولو باع زرعا قبل ظهور حبه بحب من جنسه صح البيع بلا خلاف؛ لأن الحشيشة ليس ربويا، وهذا واضح لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». فبيع الشعير بحنطة في سنبولها جائز؛ لعموم «فبيعوا كيف شئتم» -أي لا تجبوا المماثلة إذا اختلفت الأصناف- لكن لا بد أن يكون يدا بيد. طيب قال الأزهري صاحب تهذيب اللغة: فإن كان مأخوذ من الإحقال -إحقال زرع إذا تشعب- كما قال لي، فهو بيع الزرع قبل صلاحه، قال: وهو غرر -يعني فتكون العلة الغرر- يعني بيع الزرع قبل بدو صلاحه، فيكون معنى المحاقلة بيع الزرع قبل بدو صلاحه، وهذا فيه معنى من معاني الغرر، فيكون النهي لمعنى الغرر. وإذا كان من جنسه، فيكون معنى الغرر معنى الربا. وإن كان مأخوذا من الحقل وهو القراح -بالفتح المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر- والجمع أقريحة، قال: وإن كان مأخوذا من الحقل وهو القراح وباع الزرع في سنبره -نباتا في قراح أو نابتا في قراح بالبر- فهو بيع بر مجهول ببر معلوم، ويدخله الربا؛ لأنه لا يؤمن التفاضل، ويدخله الغرر؛ لأنه مغيب في أكمامه. فإذا العلة إذا له علتان: الأولى الجهل بالتساوي، والعلة الثانية الغرر. قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في المغني: وروي عن أنس قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المحاقلة والمخابرة والمخاضرة والملامسة، نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة. قال: أخرجه البخاري. والمحاقلة بيع الزرع بحب من جنسه، قال جابر: أن يبيع الزرع بمئة فرق حنطة. قال الأزهري: الحقل القراح المزرع، والحواقل المزارع، فسر أبو سعيد المحاقلة باستكرار الأرض بالحنطة. فهذه -كما هو واضح- أقوال العلماء -رحمهم الله تعالى- في معنى المحاقلة، وتقدم العلة في النهي: إما أن تكون لأجل الربا، وإما أن تكون لأجل الغرر. قوله في الحديث: «وعن المزابنة» تقدم الكلام عليها. وقوله: «عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها» أيضا قد تقدم الكلام عليها -بحمد الله-. قوله: «أن لا تباع إلا بالدينار والدرهم» قال ابن بطال: إنما اقتصر على الذهب والفضة؛ لأنهما جل ما يتعامل به الناس، قال: وإلا فلا خلاف بين الأمة في جواز بيعه بالعروض -يعني بشرطه- بيع هذه الأشياء بماذا؟ بالعروض -يعني بملابس مثلا، أو بدابة، ببقرة، بإبل- هذا جائز أيضا. طيب قوله: «إلا العرية» وسئل الكلام على هذه على مسألة العرية في بابها -إن شاء الله تعالى- قريبا. وقوله: «المحاطلة الحنطة في سنبولها بحنطة» هذا تفسير من المؤلف -من الإمام عبد الغني المقدسي- وقد تقدم تفسيرها كذلك بما يغني -بحمد الله جل وعلا-. فندخل في الحديث الذي يليه، قال: عن أبي مسعود عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. قوله: «ثمن الكلب» قال الحافظ: وظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب معلم كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز. ومن لازم ذلك: أن لا قيمة على متلفه، وبذلك قال الجمهور. واضحة المسألة -يعني قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نهى عن ثمن الكلب» ذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- أن قوله: «نهى عن ثمن الكلب» يتناول كل كلب -الحكم يتناول كل كلب- سواء كان معلما أو لم يكن معلما، سواء كان كلب ماشي أو زرع أو حراسة أو لم يكن كذلك. لازم ذلك: أن من قتله لا يلزم بقيمة إتلافه؛ لأنه لا ثمن له -لا قيمة له- وبذلك قال الجمهور. هذا قول الجمهور. وقال الإمام مالك -رحمه الله-: لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه. إمام مالك -رحمه الله- له ثلاثة روايات: هذه رواية، ورواية أخرى له موافقة لقول الجمهور -يعني الرواية الأولى موافقة لقول الجمهور- والرواية الثانية: أنه يقول لا يجوز بيعه، ولكن من أتلفه فإنه يضمن ثمنه. والرواية الثالثة عنه -رحمه الله-: أنه يجوز بيعه وتجب فيه القيمة، وهذا كذلك قول أبي حنيفة. وقال الأوزاعي والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره -كلب الصيد دون غيره- وهؤلاء كأنهم نظروا إلى النفع -كأنهم يقولون يجوز بيعه كلب الصيد للمنفعة الموجودة فيه- فيكون مما يباع لأجل المنفعة الموجودة فيه. لكن -يعني- روى الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى- من حديث ابن عباس مرفوعا: «نهى -أي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب» قال: «إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا». وهذا يعني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ثمن الكلب، فإن أخذ إنسان مثلا كلبا أو أتلف كلبا، فجاء صاحبه يطلب بثمن، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «املأ كفهم ترابا». والحديث رواه أبو داود، وإسناده صحيح كما قال الحافظ ابن حجر، وكذلك صححه العلامة الألباني، وشيخنا العلامة الوادعي. وهذا فيه بيان لحكم هذه المسألة: أنه لا شيء على متلفه -لا شيء على متلفه-. قال: ورووا أيضا بإسناد حسن -أي أبو داود- عن أبي هريرة مرفوعا: «لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي». وكذلك هذا الحديث صحيح، والعلامة الألباني، وإسناده حسن، وفيه كذلك هذا المعنى: أنه لا يجوز بيع الكلب، وأن ثمنه ليس بحلال، وما لم يكن حلالا فهو حرام. فإذا قوله: «نهى» في الحديث يدل على التحريم -قوله في الحديث «نهى» يدل على أن النهي للتحريم-. طيب قال الحافظ -رحمه الله-: والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي: نجاسته -نجاسته مطلقا- وهي قائمة في المعلم وغيره. الشافعي لماذا يقول منهي عنه؟ يقول: لأن الكلب نجس -سَواء كان كلب صيد أو غيره- الكلب نجس، فلا يجوز بيع الشيء النجس. وغير الشافعي من العلماء -رحمهم الله تعالى- ذكروا عللا أخرى، فمن هذه العلل: أن النهي عن اتخاذه -النهي عن اتخاذه- أن يسع سمنها -أن يتخذ الكلب- يعني إن كان إنسان يربي كلب في بيته لغير حاجة، نقص كل يوم من أجره قيراط، فهذا نهي، فيقول: العلة ليس لأنه نجس، ولكن العلة النهي عن اتخاذه. وأيضا الأمر بقتله -الأمر بقتله- قالوا: هذا أيضا علة. قال: ولذلك خص منه ما أذن في اتخاذه -خص منه ما أذن في اتخاذه- قالوا: ويدل عليه حديث جابر قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب إلا كلب صيد» -نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد- أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات، إلا أنه طعن في صحته -طعن في صحته- يعني قال الإمام النسائي -رحمه الله تعالى- عن هذا الحديث: «ليس هو بصحيح، بل هو حديث منكر». وقال البيهقي -رحمه الله-: الأحاديث الصحيحة في النهي عن ثمن الكلب ليس فيه استثناء -ليس فيه استثناء- قال: وإن من استثناء في الاقتناء، قال: فلعله شبه على بعض الرواة -على بعض الرواة-. ومعنى هذا: أن هذا الحديث لو صح، لا كان نصا في المسألة: من أنه يجوز أن يؤخذ كلب صيد -أن يؤخذ كلب صيد- يجوز أن يباع، لكن الحديث منكر بهذا اللفظ. ويقول: إنما الحديث الصحيح: أنه عن اقتناء الكلاب إلا كلب صيد أو كلب حرث -فهذه يجوز اقتناؤها للحاجة-. طيب قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله-: عن حديث ابن عمر قال: «سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو ماشية» -يأمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو ماشية- قال: «فإذا كان غير الضار من الكلاب مأمورا بقتله، فإنما وقع النهي عن ثمن الكلب المباح اتخاذه للمأمور بقتله». والله استنباط هذا أم لا؟ وهذا استنباط دقيق من الإمام ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- يقول ابن عبد البر: عن حديث ابن عمر أنه قال: «سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو ماشية»، إذا المستثنى ماذا؟ «كلب صيد أو ماشية»، فإذا كل كلب عدا كلب الصيد والماشية، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا الحديث أمر بماذا؟ أمر بقتله. فيدخل فيه الكلب الضار وغير الضار إلا ما استثني، أو هو كلب الصيد أو كلب الماشية. فيقول الإمام ابن عبد البر: «فإذا كان غير الضار من الكلاب مأمورا بقتله»، قال: «فإنما وقع النهي عن ثمن الكلب المباح اتخاذه للمأمور بقتله». ما هو المباح اتخاذه؟ الصيد وماذا؟ والماشية، إذن نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب -أي عن ثمن الكلب المباح اقتناؤه- اقتناؤه وهو كلب الصيد وكلب ماذا؟ الماشية. فيكون على هذا الاستنباط الدقيق من الإمام ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- نص في المسألة: من أنه لا يجوز ثمن الكلب الذي يجوز اقتناؤه، وفيه منفعة -ككلب الصيد- وكلب الحرف وما شابه ذلك من الكلاب الذي فيها منفعة. وهذا استنباط دقيق يدل على فقه عميق من الإمام ابن عبد البر -رحمه الله-. لذا قال -رحمه الله-: قال: «لأن المأمور بقتله معدوم؛ لأن المأمور بقتله معدوم، ولأنه محال أن لا يطاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أمر به من قتله»، فإذا ينصب النهي في ثمن الكلب عن ماذا؟ عن الكلب الذي استثنى في اتخاذه، وهو الكلب وهو كلب ذو منفعة، وهو كلب ذو منفعة -سَواء كان كلب ماشية أو كلب حارث أو كلب صيد-. ومن هذا الاستنباط ومن هذا الاستنباط الخفي الدقيق من الإمام ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- نستفيد فائدة: وهي ما تقدم ذكره قبله: من أنه لا يجوز شراء ولا بيع الكلاب مطلقا -سَواء ما كان نافعا، ما كان فيها نفع ككلب الصيد أو الحارث- ويدخل فيها كذلك الكلاب البوليسية، الكلاب البوليسية يدخل في هذا المعنى؛ لأنها داخلة في العموم، فلا يجوز كذلك بيعها ولا شراؤها، فضلا عن الكلاب التي يتخذها بعض المترفين لا لحاجة، هذه من باب أولى بأنها لا تجوز، بل يخشى عليهم من أن يدخل في الحديث: «أنه ينقص من أجرهم كل يوم قيراط» والقيراط كما جاء في بعض الأحاديث: «كجبل أحد» -كجبل أحد- من الأجر والثواب، ينظر على ثواب يذهب بسبب هذه المخالفة وهذه المعصية. فإن لله وإن إليه راجعون. ومن باب الفائدة: ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب زاد المعاد بحثا واسعا متعنا في ذكر أقوال من أجاز بيع كلب الصيد والماشية ونحوهما، وأجاب عنها بجواب شاف كاف، فيرجع إليه من أراد الاستزادة والاستفادة، وكلامه في المجلد الخامس من زاد المعاد صفحة سبعة وستين وسبعمائة إلى اثنين وسبعين وسبعمائة. طيب فائدة: ذكر العلامة عبد الرحمن بن القاسم -رحمه الله- في حاشيته على الروض المربع قال: «والنص على تحريم ثمنه» قال: «يدل باللزوم على تحريم بيعه -على تحريم بيعه- ولأنه لا ينتفع به إلا لحاجة، ويحرم اقتناؤه كما يحرم اقتناء خنزير -اجماعا- ولو لحفظ البيوت إلا كلب صيد أو ماشية أو حرث، فيباح للخبر». وكره أحمد بيع قرد وشرائه، وحرم اقتناؤه للعب -لماذا؟ للعب- انتهى كلامه. طيب فإذا أخرى، قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في كتاب الاستذكار: وقال أحمد بن حنبل: «بيع الكلاب باطل، وإن كان معلما» -وإن كان معلما- ويدخل فيه معلما -كما ذكرنا اليوم- الكلاب البوليسية، الكلاب البوليسية وإن قال بعض الناس فيها نفع، وهي تستطيع أن تشم المخدرات وتستطيع أن تعرف اللصوص وما شابه ذلك. فيقال: الأصل في أنها محرمة -لا يجوز بيعها ولا شراؤها- لكن اقتناؤها يجوز اقتناؤها من غير شراء ولا بيع -ماذا يجوز؟ طيب-. قال: وقال أحمد -رحمه الله-: «بيعه الكلاب باطل، وإن كان معلما»، قال: «ومن قتله وهو معلم فقد أساء ولا غرم عليه» -فقد أساء ولا غرم عليه- قال: «وبيع الفهد والصقر جائز»، وكذلك بيع الهر وكل ما فيه منفعة -والله أعلم-. واضح الآن: الإمام أحمد -رحمه الله- يقول: عادة عدم الحيوانات مثل الفهد يستفاد منه في الصيد، مثل كذلك الصقر يستفاد منه في الصيد، وكذلك قال: «بيع الهر إن كان يستفاد منها مثلا لشيء، مثلا لدواب الأرض -يعني الفئران- أو ما شابه ذلك»، يقول: «كل ما فيه منفعة جائز» -كل حيوان فيه منفعة سوى الكلب- وكما جاءت النصوص الأخرى في الخنزير، فإنه يجوز ماذا؟ اقتناؤها ويجوز بيعها وشراؤها؛ لأصل الحل؛ لأصل الحل؛ لأن الأصل في البيوع ماذا؟ الحل، الأصل في البيوع الحل، وأحل الله البيع وحرم الربا إلا ما دل الدليل على تحريمه. طيب قال الإمام ابن عبد البر: قال: «وهو قول مالك والشافعي والكوفيين: في بيع كل ما ينتفع به أنه جائز ملكه وشراؤه وبيعه»، قال: «ولم يختلف في القرد والفأر وكل ما لا منفعة فيه: أنه لا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا أكل ثمنه؛ لأن ما لا منفعة فيه -هذه الأشياء ليس فيها منفعة-». قال: «وقد روي في ثمن الهر حديث لا يثبت رفعه في النهي عن ذلك، فذكرناه وعلته في التمهيد» -واضح- يعني الهر قد جاء حديث، وابن عبد البر -رحمه الله تعالى- يشير إلى أن الحديث لم يصح، والحديث في النهي -الحديث يعني الذي في النهي عن ثمن الهر- جاء في صحيح مسلم، جاء في صحيح مسلم بلفظ: «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن السنور» -عن ثمن السنور- والحديث من طريق معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. ومعقل بن عبيد الله في رواية عن جابر كلام، وفي رواية عن جابر كلام، بل نص الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أن له مناكير، وذكر الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تعالى- كما في شرح العلل في شرح علل الترمذي: أن هذا الحديث منهم -يعني الإمام أحمد -رحمه الله- قال: «حديثه يشبه حديث ابن لهيعة» -حديثه يشبه حديث ابن لهيعة- عن أبي الزبير. فالحاصل: أن الحديث أعل بهذه العلة، ولكن الحديث شواهد، والحديث -بحمد الله جل وعلا- يسر الله جل وعلا بجمعها منذ زمن في جزء وخلصنا فيه بأن الحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن -الحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن- والله أعلم. وإذا كان كذلك، فيكون كذلك السنور -الذي هو الهر- من البيوع المنهي عنها، وإن كان فيه منفعة، وإن كان فيه ماذا؟ منفعة؛ لأن الحديث ثابت. ومن ضعف الحديث من العلماء، فإنه يقول ماذا؟ الأصل بقاؤه على الحل -كما هو صنيع الإمام أحمد وغيره-. قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في المغني: قال: «وجملة ذلك: أن كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه» -إلا ما استثناه الشرع- من الكلب وأم الولد والوقف، وفي المدبر والمكاتب والزيت النجس اختلاف نذكره في موضعه -إن شاء الله- بمعنى أن الأصل: كل ما فيه منفعة فإنه يجوز بيعه إلا ما استثناه الشرع -إلا ما استثناه الشرع-. طيب قوله: «ومهر البغي» جاء في الحديث: «ومهر البغي»، قال: وهو ما تأخذه الزانية على الزنا، سماه مهرا مجازا. والبغي -بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية- وهو فعيل بمعنى فاعلة، وجمعوا البغي بغايا. والبغاء -بكسر أوله- الزنا والفجور، وأصل البغاء الطلب، أصل البغاء الطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد -انتهى من الفتح- الحافظ بن حجر. قال النووي -رحمه الله-: «مهر البغي» قال: هو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهرا لكونه على صورته -على صورته- يعني أنه استحل من فرجها بمقابل ذلك العوض، فكان أشبه ما يكون بماذا؟ بالمهر في استحلال فرج العفيثة -في استحلال فرج العفيثة- مع الفرق بين هذه وهذا -فرق بين هذه وهذا- لكن -كما يقال- تقريب الصورة إذا قال: «على صورته». قال: وهو حرام بإجماع المسلمين، بل هو من الأمور معلومة -ضرورة- حرمته من الأمور معلومة -ضرورة- أي حرمة الزنا حرمة الزنا من الأمور معلومة في دين الإسلام -ضرورة-. قال: وكذلك أجمع على تحريم أجرة المغنية للغناء -هذا من الإلحاق- هذا من الإلحاق بحكم مهر البغي. قال النووي: وكذلك أجمع على تحريم أجرة المغنية للغناء، والنائحة للنوح. قال: «وأما الذي جاء في صحيح مسلم من النهي عن كسب الإماء، فالمراد به كسبهن بالزنا وشبهه -لا بالغزل والخياطة ونحوهما- أي هذا مباح، ولكن بالزنا وما كان في معنى الغنى ونحوه، فإن هذا لا يجوز». وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: «لا خلاف بين علماء المسلمين في أن مهر البغي حرام» -لا خلاف بين أهل العلم-. طيب قوله -صلى الله عليه وسلم-: «حلوان الكاهن» في الحديث نهى عن كذلك «حلوان الكاهن»، قال: هو ما يعطاه الكاهن على كهانته -ما يعطاه الكاهن على كهانته- يقال منه: حلوته حلوانا إذا أعطيته. قال الهروي وغيره: أصله من الحلاوة -شبه بالشيء الحلو- من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا فيه مقابلة مشقة، يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو -كما يقال عسلته إذا أطعمته العسل-. قال أبو عبيد: ويطلق الحلوان أيضا على غير هذا، قال: وهو أن يأخذ الرجل مهر بنته لنفسه، وذلك عيب عند النساء أيضا -هذا داخل في معنى حلوان الكاهن- أي الحلوان الحلوان يدخل في هذا المعنى -يعني الرجل يأخذ مهر ابنته فينتفع به هو دونها- هذا يسمع حلوان كذا، وهذا كان مما يتنزه عنه العرب ويذمون من يفعل ذلك. قال النووي -رحمه الله-: وقال البغوي من أصحابنا، وقال القاضي عياض: «أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه عوض عن محرم، ولأنه أكل المال بالباطل» -يعني هذا بإجماع- كما هو ظاهر، ونص الحديث يدل عليه: أن حلوان الكاهن لا يقول؛ لأنه أخذه بالباطل. قال الخطابي: وقال ابن الأعرابي -وهو من أئمة اللغة- قال: «ويقال حلوان الكاهن الشعر والصهميم» -الشعر والصهميم- قال الخطابي: «وحلوان العراف أيضا حرام» -حلوان العراف أيضا حرام- الكاهن وكذلك العراف. قال: والفرق بين الكاهن والعراف: أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار -أي أن الكاهن يدور حول أي شيء؟ الأمور المستقبلية -الأمور المستقبلية- أنه سيحصل وسيحصل يتكهن-. قال: والعراف: هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق وما كان الضال ونحوهما من الأمور، إذن العراف ما هو؟ أنه يدعي معرفة الشيء الضال، فيكون العراف في أشياء قد مضت، والكاهن في أشياء ستحصل. قال الخطابي -رحمه الله-: وقال الخطابي في موضع آخر -وهذا ما زلنا في كلام النووي- وقال الخطابي في موضع آخر: «إن الكاهن هو الذي يدعي مطالعة الغيب ويخبر الناس عن كوائن كان في العرب كهنة، وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور، فمنهم من يزعم أن له رفقا من الجن وتابعا تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطي، وكان منهم من يسمى عرافا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها أو يستدل بها على مواقعها -كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة- ومنهم من كان يسمى المنجم كاهنا -المنجم كاهنا-». وهذا يدلنا كذلك على ماذا؟ على أن المنجم أجرة المنجم تدخل فيه الحكم. قال: «وحديث النهي عن إتيان الكاهن يشمله على النهي عن هؤلاء كلهم، وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم» -وهذا واضح- أن الكاهن أو العراف أو المنجم أو الساحر أو ما شابه ذلك، كل هؤلاء لا يجوز الإتيان إليهم، ولا يجوز إعطاؤهم الأجرة، ولا يجوز تصديقهم، قد جاء الوعيد الشديد في ذلك. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد» -جاء في حديث آخر-: «فلا تقبل له صلاة أربعين يوما» -فلا تقبل له صلاة أربعين يوما- ففيه الزجر عن إتيان الكاهن أو العراف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: قال: «التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية»، قال: «وهو من السحر، وهو كذلك من مدى من السحر». فالحاصل: أن الأمور كلها أن هذه كلها تدخل في معنى الكهانة وفي حلوان الكاهن، فيشمل الحكم لهذه الأمور كلها -والله تعالى أعلى وأعلم-. قال: عن رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: إمام عبد الغني المقدس -رحمه الله- عن رافع بن خديج -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث» -الحديث من أفراد مسلم-. قوله: «كسب الحجام خبيث» يعني: ثمن الكلب تقدم، ومهر البغي تقدم، بقي كسب الحجام. قوله: «كسب الحجام خبيث» الخبيث ضد الطيب، وهل يدل على تحريمه؟ الظاهر أنه لا يدل؛ لأنه تعالى قال: «ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون» -فسمى ذلك المال خبيثا- ولم يحرمهم -يعني الأشياء التي ليست طيبة- بمعنى أنها من الجيد أشياء رذية، ربما سمي هذا خبيثا -بلسان الشرع- كما في هذه الآية: «ولا تيمموا الخبيث منهم تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه» -مسألة حكم كسب الحجام- ذهب الجمهور إلى عدم التحريم -لا على العبد ولا على الحر- لكن يستحب للحر التنزه عنه وعن أكله، وهذا يعني فيه إشارة إلى أن العبد يجوز له من غير كراهة -بخلاف الحر- فإنه ينبغي له أن يتنزه عنه. وقال الإمام أحمد في رواية عنه: «يحرم على الأحرار دون العبيد كسب الحجام»، قال: «يحرم على الأحرار دون العبيد»، وبه قال فقهاء المحدثين -بهذا القول- قال: وكذلك فقهاء المحدثين، واحتجوا بأحاديث النهي السابقة. وممما استدل به على التفريق بين الأحرار والعبيد: ما رواه أحمد عن محيصة -ما رواه إمام أحمد في مسند عن محيصة- أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجام، فنهى، ومحيصة كان من الأحرار -كان من الأحرار- قال: «أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجام فنهى»، فأعاد عليه فنهى، فذكر من حاجته -أي أنه فقير يحتاج إلى مال- قال: «فذكر من حاجته، فقال: اعلف ناضحك، وأطعمه رقيقك» -يعني كأنه يقول-: «إن كان ولابد فاجعله فيها، ولا تأكل منه» -ولا تأكل منه- والحديث إسناده صحيح، والحديث إسناده صحيح. قال الحافظ في الفتح: «وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوا للعبد مطلقا» -عمدتهم حديث محيصة- محيصة -أي المذكور- يعني قول أحمد -رحمه الله- من ذهب: «إن كان ولابد وكان محتاجا» -الحر- «فيجوز أن يعمل، لكن لا يطعمه نفسه، ولكن يطعمه ماذا؟ إن كان له عبيد فالعبيد، وإن كان له -يعني غنم- إبل يطعمه ماذا؟ الحيوانات، أما هو فلا يطعم منه». وما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ الظاهر -والله تعالى أعلم- قول جمهور، ويدل عليه ما رواه الشيخان عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وأعطى الحجام أجره، واستعط. ولهما عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجمه أبو طيبة، فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصاعين من طعام، وكلم مواليه فخفف عنه من ضريبته، وقال: «خيرا ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري» -أو القسط البحري- قال النبي -رحمه الله-. واحتج الجمهور بحديث ابن عباس، وحمل أحاديث الباقي على التنزيه والارتفاع عن دنيء الاكتساب، والحث على مكارم الأخلاق -الحث على مكارم الأخلاق- يعني قالوا: «إذا كان حلالا على الرقيق، فإنه يكون حلالا على ماذا؟ على غيرهم؛ إذ لا يجوز أن يطعم رقيقه ما كان حراما، لا يجوز أن يطعم رقيقه ما كان حراما»، فيقول: «حديث محمولا على ماذا؟ على التنزه والترفع، على أنه ينبغي للحر أن ي

شاركنا على