الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 56، ألقاها
يناقش تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الربا ومال اليتيم، موضحًا أن أكل الربا يشمل كل أنواع التعامل به. التحذير من أكل مال اليتيم يعني التعدي فيه، بينما يجوز للولي أو الكافل أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف إذا احتاج إلى ذلك.
يشرح حديث التولي يوم الزحف ويبين حكمه، ثم ينتقل إلى شرح حديث حد الساحر ضربه بالسيف ويبين آراء الفقهاء في حكم الساحر. يناقش آراء الصحابة والتابعين في هذه المسألة.
يناقش حكم قتل الساحر في الإسلام مستندًا إلى روايات عن الصحابة والتابعين. يبين اختلاف آراء الفقهاء حول استتابة الساحر قبل قتله، مع توضيح حكم قتل الساحر إذا كان سحره بواسطة العقاقير وأدى إلى القتل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، في كتابه «قرة عيون الموحدين» في باب ما جاء في السحر، قال رحمه الله تعالى: قوله «وأكل الربا» أي وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذكر وحذر وأنذر من الموبقات، وذكر منها أكل الربا، أي أن أكل الربا من الموبقات، أي المهلكات. قال قوله «وأكل الربا» أي تناوله بأي وجه كان، كما قال تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾، قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك، أي أن الله جل وعلا يبتل من أكل الربا بهذا العذاب قبل الموت، وهذا من سوء الخاتمة والعياذ بالله، كما يقول له كذلك هذا العذاب يوم القيامة إن لم يتب إلى الله جل وعلا ولم يغفر الله جل وعلا له. وقوله رحمه الله تعالى في قول النبي صلى الله عليه وسلم «وأكل الربا» أي تناوله بأي وجه كان، ومعنى هذا أن قوله صلى الله عليه وسلم «أكل الربا» ليس خاصًا أو محصورًا بأكل الربا، بمعنى أن من تعامل بالربا بأي نوع من أنواع المعاملات فهو داخل في هذا الوعيد، سواء أكله، سواء لبسه، سواء شربه، سواء عمل به ما عمل، فإنه داخل في هذا الوعيد. وقد جاء في الحديث في آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه بأنهم في الإثم سواء، في الإثم سواء. ولكن قوله صلى الله عليه وسلم «وأكل الربا» يخرج أو يكون خرج مخرج الغالب. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. وفي قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾، ليس معناه أو ليس له مفهوم، وإنما هو إخبار عن الحال، أي لا يقول قائل: أنا لا آكل الربا أضعافًا مضاعفة، ولكن آكله أضعافًا فقط أو آكله أحيانًا أو ما شابه ذلك، وإنما نهى الله جل وعلا عن الأضعاف المضاعفة، فيقال بأن هذا الخبر خرج مخرج الإخبار عن الحال، وما كان كذلك فليس له مفهوم. وإلا فإن الله جل وعلا نهى عن الربا نهيًا عامًا مطلقًا، قليله وكثيره. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم في الآية الأولى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إن البيع مثل الربا وحرم الله البيع وحرم الربا﴾، وحرم الربا قليلًا كان أو كثيرًا، قليلًا كان أو كثيرًا. قال رحمه الله تعالى: وفي الحديث «الربا نيف وسبعون حوبًا» أي بابًا وخصلة، أي سرها مثل أن ينكح الرجل أمة، أي هذا أيسر أحوال المراب، والحديث رواه ابن ماجه وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. قوله رحمه الله تعالى قوله، أي قول النبي صلى الله عليه وسلم «أكل مال اليتيم» يعني التعدي فيه، واليتيم هو كل من لم يبلغ الحلم، ذكرًا كان أو أنثى، هذا الذي يسمى يتيما، يسمى يتيما، يعني قال «وأكل مال اليتيم» يعني التعدي فيه، ومعنى التعدي يعني قوله التعدي إشارة إلى أن من أكل بالمعروف من مال اليتيم إن احتاج إلى ذلك فلا بأس، أي كافل اليتيم أو وليه اليتيم إن احتاج إلى أن يأكل شيئًا من مال اليتيم بالمعروف، فإن هذا جائز، كما يدل عليه أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى، أي أدلة تدل على جواز أن يأكل وليه اليتيم من مال اليتيم بالمعروف. فإنما نهى الله جل وعلا عن التعدي في ذلك، عن التعدي في ذلك، أي أن يأكله متعديًا المعروف، أي متعارف عليه الناس، وخرج عن هذا المعنى إلى معنى التعدي والظلم. قال وعبر بالآكل لأنه أعم وجوه الانتفاع. ومعنى هذا أنه يدخل فيه كذلك اللبس، من أخذ من مال يتيم لبس أو اشترى الدور أو العقار أو السيارات أو ما شابه ذلك، يدخل كذلك في هذا المعنى، يدخل في هذا المعنى، يكون ممن أكل مال اليتيم. فإذا قوله صلى الله عليه وسلم «أكل مال يتيم» ليس محصورًا ولا مقصورًا على الأكل، بل هو أعم، بل هو أعم، فكل معتد ومتعد على مال اليتيم فإنه داخل في هذا الوعيد، فإنه داخل في هذا الوعيد. قال رحمه الله تعالى: قوله «وأكل مال يتيم» يعني التعدي فيه، وعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع، كما قال تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾. فالله جل وعلا قال: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾، فيه إشارة وإلماحة إلى أن من أكل من مال يتيم بالمعروف، بالمعروف إن احتاج إلى ذلك، فإن ذلك جائز، جائز له. قال الله جل وعلا: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾، والله يعلم المفسد من المصلح. ولو شاء الله لأعنتكم. فالله جل وعلا يعلم المفسد من المصلح، وقال: لا بأس أن يخالط الإنسان ما له بمال اليتيم، إن كان على سبيل الإصلاح والمعروف والبر وما شابه ذلك. وقد جاءت في ذلك أحاديث، جاءت في ذلك أحاديث يحسنها بعض أهل العلم: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني رجل فقير وعندي يتيم، ليس عندي مال، فقال: «كل من ماله بالمعروف» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فدلت هذه المعاني على جواز الأكل أو الآكل من مال يتيم، لكن بالمعروف، لكن بالمعروف، لا إفراط ولا تفريط ولا تعد. قال رحمه الله تعالى: قوله «والتولي يوم الزحف»، قال: أي الإدبار على الكفار وقت التحام القتال، كما قال تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾، أي إذا التقى المسلمون مع الكافرين والصف وتقابل، فمثل في مثل هذه الحالة لا يجوز التولي. قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾، إذن من تولى عند التقاء جيش الإسلام أو المسلمين بجيش الكفار، فإنهم متوعدون بهذا الوعيد، إلا أن يكون متحيزًا إلى فئة، أي يكون في فئة وقع فيها ضعف، فيتحيز يعني يكون في مكان يخشى على نفسه الهلكة، فيتحيز إلى فئة من المسلمين يقاتل معهم، هذا لا بأس. أو متحيزًا لقتال، أو متحرفًا لقتال، أي يذهب يولي دبرة لا للفرار، ولكن للتهيئ لأجل أن يكر مرة أخرى، فهذا كذلك لا بأس به، وهذا يدلنا على معنى كذلك من معاني المقاصد والنيات، وأنها معتبرة، ولو كان في مثل هذه المقامات. قوله «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»، قال: وهو بفتح الصاد، أي المحصنات بفتح الصاد، المحفوظات من الزنا، وبكسرها، أي المحصنات وبكسرها الحافظات، فروجهن الحافظات فروجهن منهم، وبينهما تلازم، بينهما تلازم، سواء كانوا محفوظات من الزنا لحفظهن لأنفسهن، أو كن حافظات لفروجهن منهم، فهم محفوظات منهم، فبينهما تلازم. قال: والمراد الحرائر العفيفات. قال تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة﴾، فدل هذا على حرمة قذف المحصنات المؤمنات الغافلات، ومعنى قذف، أي رميهن بالزنا، رميهن بالز، وهن عفيفات، وهن طاهرات مسلمات، هذا لا يجوز، بل هو كبيرة ثم من الكبائر. قال قولهم عن جندب مرفوعًا: «حد الساحر ضربة بالسيف» أو «حد الساحر ضربه بالسيف»، يعني جاء: «حد الساحر ضربة بالسيف»، و«ضربه بالسيف»، والحديث روي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح فيه الوقف، لكن من فعل جندب كما سيأتي معنا في الذي يليه. قال قوله عن جندب رضي الله عنه: قوله عن جندب رواه الطبراني في ترجمة جندب بن عبد الله البجلي، قال الحافظ والصاب أنه غيره. وقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين عن الحسن عن جندب الخير: أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حد الساحر ضربه بالسيف»، وهذا كذلك لم يصح، أي المرفوع. قوله «حد الساحر ضربه بالسيف» روي بالهاء وبالتاء، أي روي «ضربه بالسيف» بالهاء، وروي «ضربة» بالتاء، «ضربة بالسيف»، وكلاهما صحيح. وبهذا الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر، إلا إن عمل في سحر ما يبلغ الكفر به. قال ابن المنذر: وهو رواية عن أحمد، والأول أولى للحديث ولأثر عمر وعمل به الناس في خلافته من غير نكير. ومعنى هذا أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فصل: أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فصل بين السحر الذي يكون بالاستعانة بالشياطين والكواكب والأرواح الخبيثة وما شابه ذلك، الذي فيه الكفر بالله جل وعلا، فهذا يقتل. وبين السحر الذي هو عبارة عن تعاويذ ودخاخين وعقاقير وما شابه ذلك، أي ليس فيه معنى من معاني الكفر، من الاستعانة بالشياطين أو عبادة الكواكب أو ما شابه ذلك. وهذا في الحقيقة هذا التفصيل من إمام الشافعي رحمه الله تعالى هو المعتبر، وهو لا ينافي ما تقدم ذكره عن الأولين، وذلك لأن الأولين إذا أطلقوا السحر، إنما يقصدون به المعنى الأول. إذا أطلقوا السحر فإنما يقصدون به المعنى الأول، وإنما ذكر المعنى أو النوع الثاني من أنواع السحر، وهو الذي يكون بواسطة العقاقير وما شابه ذلك، كما قيل على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة. ومنه نعلم أن في حقيقة الأمر، في حقيقة الأمر هم متفقون على أن السحر إذا كان فيه معنى الاستعانة بالشياطين، ولا تكون الاستعانة بهم إلا بعد الكفر بالله جل وعلا، وما في معنى تعظيم الكواكب وعبادتهم، فهذا كفر بالله جل وعلا. والشافعي وغيره من الأئمة متفقون على أن هذا النوع من السحر كفر بالله جل وعلا، وأن صاحبه يضرب، وأن صاحبه تضرب عنقه، وهذا هو الذي ثبت عن جماعة من الصحابة، ثبت عن جماعة من الصحابة، ثبت عن عمر كما سيأتي معنا، وكذلك عن ابن عمر وحفصة، وكذلك جندب الخير وعثمان عفان، وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، من غير نكير، من غير نكير. وهذا يدل على إجماع بينهم، يدل على أن ذلك كان إجماعًا بينهم، لا خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في أن الساحر يقتل. قد يقول قائل: ثبت عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن جارية لها سحرتها، فلما علمت بذلك عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وعافاها الله جل وعلا من ذلك، أرسلت بها مع ابن أخيها، فقال لها أو قالت له: بيعها عند شر أو بيعها لشر الناس من الأعراب، بيعها لشر الناس من الأعراب، أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها، ولم تأمر بقتلها، ولم تأمر بقتلها. فهل هذا يعكر علينا ما تقدم نقله من أن الصحابة مجمعون على كفر الساحر؟ الجواب: أن هذا قد يحمل على أمور، المروي عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها يحمل على أمور، أولًا: أن يقال بأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها عفت عنها، أو أن تلك المرأة اعترفت فتابت، كما جاءت في أنها اعترفت، ولكن عائشة بسبب بغضها لها أمرت بما أمرت به. الأمر الثاني: قد يقال بأن سحرها أن سحرها لعائشة رضي الله عنها وأرضاها كان من النوع الثاني، أي باستخدام بعض العقاقير وما شابه ذلك، لا باستخدام الشياطين ونحوهم وما شابه ذلك من التخيلات التي يمكن أن تخرج، يمكن أن تخرج. وإلا في المقابل حفصة رضي الله عنها وأرضاها كذلك ثبت: أن أمة أو جارية لها كذلك سحرتها، فأمرت فضرب عنقها، فضربت عنقها. وهذا يدلنا على ماذا؟ على هذا المعنى. وجاء في بعض الروايات: أن ابن عمر هو الذي قتلها، أن ابن عمر هو الذي قتلها، وهذا يدلنا على ماذا؟ على أن هذا الأمر كان شائعًا ذائعًا بين الصحابة، من غير نكير. وإلا لو كان لا يجوز أو يحرم، لكان الصحابة أورع الناس، لكان صحابة أورع الناس عن الدماء، ولكن يدلنا على أن هذا كان شائعًا ذائعًا مشهورًا عندهم. قال رحمه الله تعالى: قوله في صحيح البخاري عن بجالة بن عبده قال: كتب عمر: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر. وهذا كما ترون كذلك شاع وذاع من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فهو كتب هذا الكتاب وأرسله، والصحابة امتثلوا أمرهم وقتلوا ثلاث سواحر، وهذا يدلنا على أن هذا الأمر كان مشهورًا متعارفًا به عندهم: أن الساحرة حده القتل، أن تضرب عنقها. قال رحمه الله تعالى: هذا الأثر رواه أبو داود كما قال المصنف، هذا الأثر رواه البخاري كما قال المصنف، لم يذكر قاتل السواحر، أي أن هذا الحديث أو هذا الأثر بطوله لم يروه البخاري رحمه الله تعالى، وإنما روى الشطر الأول، أي في قوله: «كتب عمر أن يقتلوا كل ساحر وساحرة»، وقوله: «فقتلنا ثلاث سواحر»، هذا رواه أبو داود وغيره، وإسناده صحيح. قوله عن بجالة، قوله عن بجالة بفتح الموحدة بعد هجيم ابن عبد بفتحتين التميمي العنبري البصري، ثقة. قال: كتب عمر بن الخطاب: أن يقتلوا كل ساحر وساحرة. وظاهره أنه يقتل من غير استتابة. قال: وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك، لأن علم السحر لا يزول بالتوبة. وعن أحمد: يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وبه قال الشافعي، لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته. ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم. والأمر كذلك: أنه إن يستتاب، فإن تاب وظهرت توبته، إن تاب وظهرت توبته وحسنت توبته، فالحمد لله. والدليل على هذا سحرة فرعون: أنهم تابوا، فرب ساحر قد يتوب إلى الله جل وعلا وتحسن توبته، فإن كان كذلك فالحمد لله. وإن لم يتوب أو تاب وكانت توبة نفاقًا ومراوغة وخداعًا وتدليسًا، وعلم ذلك بأمور بها علم ذلك الأمر عنهم، فإنه يقتل، يقتل مثل هذا لأنه متلاعب، لم يتوب، لم يتوب بعد استتابته. وأثر عمر رضي الله عنه وأرضه محتمل: محتمل أن يحمل على أنه لم يستتب هؤلاء، ومحتمل أنه أن هؤلاء استتابوا، ولكن هؤلاء الثلاثة لم يتوبوا، فقتلوا، أو أنهم كان في توبتهم كذب وتلبيس وغش، فقتلوا لأجل ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. قول وصح عن حفصة رضي الله عنها: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت. وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ، وهو أثر صحيح ثابت. قال: وحفصة يا أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خنيس بن حذافة، ومات سنة خمس وأربعين، رضي الله عنه وأرضاها. والشاهد منه: أنها قتلت ساحرة أو قتلت جارية لها سحرتها. ما السبب؟ السبب أنها دبرتها. ومعنى دبرتها: أي أنها قالت لها: إن مت فأنت حرة، أو فأنت عتيقة، عتيقة، أو قد أعتقتك بعد الموت، أو ما شابه ذلك، أي أعتقتها عن دبر، استعجلت استعجلت الأمر، سحرت حفصة رضي الله عنها وأرضاها لأجل أن تموت فتكون حرة. ومن استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بماذا؟ بحرمانه. فكان عقبتها أن ضربت عنقها. قال رحمه الله تعالى: وقوله: وكذلك صح عن جندب، أشار المصنف بهذا إلى قتله الساحر، كما رواه البخاري في تاريخه عن أبي عثمان نهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه، فعجبنا، فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزد، فقتله، ورواه البيهقي في الدلائل مطولًا، وفيه: فأمر به الوليد فسجن، فذكر قصة بتمامها، ولها طرق كثيرة. الشاهد النجاز في القصة: أن ذاك الرجل ساحر، كان سحر أعينهم، فكانوا يقولون: انظروا كيف يطير من حائط إلى حائط، وجندب رضي الله عنه وأرضاه يقول لهم: كذب عليكم، كذب عليكم الدجال، كذب عليكم، إنما هو أمامكم، ولكن سحر أعينهم، فظنوا أنه يتحرك من مكانه إلى آخر، وأنه يقطع عنق الرجل، وما حصل شيء من ذلك، وإنما حصل سحر، أنه سحر أعين الناس. فلما رآه جندب كذلك، أخذ السيف وعمد إلى ذلك الساحر وضرب عنقه، قتله أمام الأمير، فغضب الأمير فسجن جندب رضي الله عنه وأرضاه، ولما قتله رضي الله عنه وأرضاه، جعل يقول: «أفتأتون السحرة وأنتم تبصرون»، أي منكرًا عليهم هذه الحالة وهذه الفعلة. والشاهد من هذا: أن جندب هو صحابي جليل، كذلك ممن قتل الساحر، ممن قتل الساحر. قال: ورواه البيهقي في الدلائل مطولًا، وفيه: فأمر به الوليد فسجن، فذكر القصة بتمامها، وله طرق كثيرة. قوله: قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أي قتل الساحر ثبت عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أي جاء عن عمر بن الخطاب بأمره بقتل السواحر، وكذلك جاء عن حفصة: أن قتلت من سحرتها، وكذلك جاء عن جندب الخير كذلك بأنه قتل ساحرًا. فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثبت هذا الحكم، أي حكم قتل الساحر. وهذا الحكم لا ينبغي أن يحصل فيه تردد، ولا سيما الساحر الذي قد عرف من سحره أنه يستخدم الشياطين، الاستعانة بالشياطين وطاعة الشياطين وموالاة الشياطين، وكذلك تعظيم الكواكب وما شابه ذلك، هذا يقتل، هذا يقتل. وكما قلنا: أن قول الشافعي رحمه الله تعالى في هذه الصورة لا تخالف قول من سبق، وفي الصورة الثانية والحالة الثانية والقسم الثاني من أنواع السحر، وهو السحر بواسطة العقاقير وما شابه ذلك، فهل يقتل أم لا؟ بعض أهل العلم فصل: قالوا: إن قتل بسحره، فإنه يقتل. النوع الثاني: إذا كان السحر بواسطة العقاقير، قالوا: إن قتل بسحره، أي بواسطة العقاقير أعطى بعض الناس عقاقير فماتوا وقتلوا بسبب ماذا؟ سحره ذلك، فإنه يقتل. وإن لم يقتل، وإن لم يقتل، فلا يقتل، ولكن يعزر ويؤدب ويشنع عليه، ويعزر تعزيرًا شديدًا ليكفه وأمثاله عن هذه الفعلة. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.