التعليقات على كتاب الأدب المفرد 309

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 309، ألقاها

آداب العطاس والشماتة

يتناول هذا الفصل الأحاديث والأثار المتعلقة بالتعامل عند العطس والشماتة، ويبين ما يقال عند العطس وكيفية الرد على من شمته.

شروط تشميت العاطس

يشترط لتشميت العاطس أن يسمع تحميده، ولا يجوز تشميته بدون ذلك، ويمكن تذكيره إذا نسي الحمد.

تحديد عدد مرات التشميت

يحدد هذا الفصل عدد مرات تشميت العاطس بثلاث مرات، وبعدها يسكت لأن تكرار العطاس قد يكون دليلًا على المرض.

  • 28 جمادى الآخرة 1434هـ - 08/05/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب كيف يبدأ العاطس، قال: حدثنا إسماعيل، وهم نبي ويس، عن مالك، وهم نأنس إمام دار الهجرة، عن نافع، ومولى من عمر، عن عبد الله من عمر، أنه كان إذا عطس فقيل له: يرحمك الله، فقال: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم. وهذا الأثر صحيح. وهذا الأثر فيه أن عبد الله بن عمر كان إذا عطس فقيل له: يرحمك الله، قال: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم. وقد مر في الأحاديث الماضية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله، فليقل له صاحبه أو أخوه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم. وهنا ابن عمر قال: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم. وهذا يحتمل أن ابن عمر فعله أحيانًا، وكذلك أيضًا أن قوله: ويغفر لنا ولكم، مما ورد في بعض الأحاديث، وإن كان فيها شيء من الضعف، لكن بمجموعها يرتقي إلى الحسن، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله. فيكون أصل ذلك ثابتًا عن النبي عليه الصلاة والسلام أن تقول لمن شمتك: يرحمنا الله وإياكم، أو يغفر لنا ولكم، يغفر الله لنا ولكم. فهذا كذلك مما ثبت، وإن كان الأصح هو أن تقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. قال: وحدثنا أبو نعيم، هو الفضل المدكين، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن عطاء، وهو من السائب، أن أبي عبد الرحمن، وهو سلمي، عن عبد الله، وهو من مسعود، قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، وليقل من يرد يرحمك الله، وليقل هو: يغفر الله لي ولكم. وهذا الأثر كذلك صحيح الإسناد، موقوفًا على عبد الله وعطاء بن السائب، وإن كان قد اختلط، فقد سمع منه سفيان الثوري قبل الاختلاط، ونبه على ذلك الشيخ الألباني رحمه الله. فالأثر صحيح. وهذا كذلك يقال فيه ما قيل في الأثر الأول، أنه ربما قيل ذلك أحيانًا، وإلا فالأكثر الذي ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا عطس فيحمد الله بقوله: الحمد لله، فيقول له من سمعه: يرحمك الله، فيجيب: يهديكم الله ويصلح بالكم. قال: حدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا عكرمة وابن عمار، قال: حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه، أو سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، قال: عطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يرحمك الله، ثم عطس أخرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مزقوم». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم، وسيأتي الكلام عليه في الباب الثالث بعد هذين البابين. قال: باب من قال: يرحمك إن كنت حمدت الله. قال: حدثنا عارم، قال: حدثنا عمارة بن زاذان، قال: حدثني مكحول الأزدي، قال: كنت إلى جنب ابن عمر، فعطس رجل من ناحية المسجد، فقال ابن عمر: يرحمك الله إن كنت حمدت الله، يرحمك الله إن كنت حمدت الله. يعني: هل يجوز أن تقول ذلك لمن لم تسمع تحميده إذا عطس رجل من بعيد، فتقول له: يرحمك الله إن كنت حمدت الله؟ تعلق التشميت إذا كان حمد الله. هذا الأثر عن ابن عمر لا يصح، فعمارة بن زاذان ضعيف. وحينئذ فالأصل أنك لا تشمت أخاك المسلم إلا إذا سمعته حمد الله، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه. وفي بعض الروايات: فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته. فإذا لم تسمعه فإنك لا تشمته، ولا بأس أن تذكر أخاك إذا نسي. عطس أخوك مثلًا ونسي أن يحمد الله، لا بأس أن تذكر وتقول له: يا فلان، إذا عطس أحدنا ماذا يقول؟ فإذا قال: الحمد لله، تشمته، وإلا فالأصل أنك لا تشمته إلا إذا حمد الله كما ورد في الأحاديث. قال: باب لا يقال: آب. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا مخلد، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه سمعه يقول: عطس ابن لعبد الله بن عمر، إما أبو بكر وإما عمر، فقال: آب، فقال ابن عمر: وما آب؟ إن آب اسم شيطان من الشياطين، جعلها بين العطسة والحمد. وعلق شيخ الألباني رحمه الله عند قوله: فقال آب، قال: كذا في الأصل، وفي مصنف ابن أبي شيبة: أشهب، يعني قال: أشهب بدى الآب. قال: وفي الفتح نقلًا عن المصنف: أش بدى الآب. ثم قال: على الصواب ما نقله. قال: ولما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه كان يكره أن يقول: أشهب إذا عطس. ورجاله ثقات. فسواء كان هذا أو ذاك، آب أو أشهب أو أش أو غيرها من الكلمات، لا ينبغي أن يقول المسلم ذلك، وإنما يقول إذا عطس: الحمد لله. هذا الذي علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أننا إذا عطس أحدنا فإنه يقول: الحمد لله، يحمد الله الذي يسر له خروج هذا العطاس، وهو الهواء الذي يخرج من الدماغ، يخرج عن طريق الفم، فتخرج بعض المقروبات التي ربما يتأذى منها الإنسان. وكذلك أيضًا أن العطاس فيه دلالة على النشاط وعدم الكسل، ولهذا الله عز وجل يحب العطاس ويكره التثاؤب. قال: باب إذا عطس مرارًا، يعني إذا تكرر العطاس، فعطس أكثر من مرة، كيف شمت؟ قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا عكرمة من عمار، قال: حدثني إياس من سلم، قال: حدثني أبي، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فعطس رجل، فقال: يرحمك الله، ثم عطس أخرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مزكوم». والحديث صحيح، وهو في صحيح مسلم. قال: وحدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، وهو محمد من عجلان، عن المقبري، هو سعيد من أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: شمته واحدة وثنتين وثلاثًا، فما كان بعد هذا فهو زكام. يقول أبو هريرة: شمته واحدة وثنتين وثلاثًا، فما كان بعد هذا فهو زكام. وهذا الأثر صحيح، وهو موقوف على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الأثر الموقوف قد روي كذلك مرفوعًا كما في سنن أبي داود، من رواية الليث عن ابن عجلان، قال: لا أعلمه إلا رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وورد كذلك من طرق أخرى، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. ويؤيده كذلك ما ورد من الآثار عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في تشميتهم للعاطس ثلاثًا، رواهم ابن أبي شيبة، عن عمر بن العاص، وعن عبد الله بن الزبير، وجاء عن غيرهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وهذا يؤيد ما ورد في هذه الأحاديث أن العاطس يشمت ثلاثًا، إذا عطس فحمد الله تشمته، ثم الثانية، ثم الثالثة، وفي الرابعة تقول: هذا مزكوم، أو تسكت ولا ترد عليه، فليس عليك شيء؛ لأن الأمر بتشميته في هذه الثلاث: شمته واحدة وثنتين وثلاثًا، وبعد الثلاث فليس عليك أن تشمته؛ لأنه يعتبر مريضًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مزكوم»، يعني ليس العطاس هنا العطاس الطبيعي، وإنما هو عن زكام ومرض، فحينئذ يسقط وجوب التشميت. وهذا هو الصحيح من الأقوال أن العاطس يشمت ثلاث مرات، وبعد الثالثة ليس عليه أن يشمته؛ لأن هذا التشميت أو العطاس عن مرض، وليس العطاس الطبيعي. قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه الأذكار: إذا تكرر العطاس متتابعًا، فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن يبلغ ثلاثًا. قال: رويناه في صحيح مسلم وأبي داود والترمذي. ثم ذكر حديث سلمة بن الأكوع، ومثله كذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فيدل على أنه إذا تكرر العطاس من الشخص فيشمت ثلاث مرات، ثم في الرابعة يقال: هذا مزقوم، أو يسكت فلا يشمته، ولا شيء عليه. وإذا تتابع العطاس على الشخص، عطس المرة الأولى، ثم تابعه العطاس مرة ثانية قبل أن يقول: الحمد لله، فهل إذا انتهى يحمد لكل عطسة، أو أنه يكفي أن يحمد حمدًا واحدًا؟ الظاهر والله أعلم أنه يكفي أن يحمد حمدًا واحدًا إذا تتابع عليه العطاس فانتهى، فيقول: الحمد لله مرة واحدة، يجزئه ذلك عن سائر العطاس، ويشمته أخوه بقول: يرحمك الله. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على