الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 341، ألقاها
يشرح هذا الفصل أهمية إفشاء السلام بين الناس واعتباره مستحبًا، بينما يعتبر رد السلام واجبًا. كما يُفصّل في كيفية التعامل مع رد السلام في مختلف الحالات.
يناقش هذا الفصل حكم عدم الرد على السلام وأثر ذلك، ويبين أن عدم الرد لا يمنع الأجر. كما يشرح حكم إفشاء السلام ورده، ويعتبر إفشاء السلام من مكارم الأخلاق.
يتناول هذا الفصل شرح حديث ضعيف عن الكذوب والبخيل والسروق، ويبين أن اليمين الغموس كبيرة من كبائر الذنوب. كما يشدد على خطورة الكذب في اليمين ويفسر معنى سرقة الصلاة.
يشجع هذا الفصل على إفشاء السلام وعدم البخل به، ويعتبره من مكارم الأخلاق التي حث عليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كما ينبغي للإنسان أن يسلم على من عرف ومن لم يعرف.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله: باب من لم يرد السلام. قال حدثنا عياش بن الوليد، قال حدثنا عبد الأعلى، قال حدثنا سعيد عن قتادة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: قلت لأبي ذر -وأبو ذر عمه عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذر- قال: مررت بعبد الرحمن بن أم الحكم، فسلمت، فما رد علي شيئا. فقال: يا بن أخي، ما يكون عليك من ذلك، رد عليك من هو خير منك، أو من هو خير منه، ملك عن يمينه. وهذا الأثر صحيح، والعلامة الألباني رحمه الله موقوفا على أبي ذر، وصحة مرفوعا عن غيره. إن رد عليه، فالحمد لله، نال بذلك الأجر، ومن رد عليه كذلك أجر. وإن لم يرد عليه، رد عليه من هو خير منه. وعبد الرحمن بن أم الحكم هذه هي بنت أبي سفيان، فعبد الرحمن بن أم الحكم معاوية بن أبي سفيان خاله. وقد ولاه معاوية رضي الله عنه على الكوفة. وذكر صاحب أسد الغابة أن عبد الرحمن بن أم الحكم كان سيء الخلق، وقبيح السيرة، كان قبيح السيرة في إمارته. ولعل هذا مما جعله لا يرد السلام، مما كان عليه من قبح السيرة. وهو الذي قال فيه كعب بن عجرة رضي الله عنه حين رآه وهو يخطب جالسا: أنظر إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، وقد قال الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما، ويأتي هذا ويخطب قاعدا، يخالف ما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام. فأشاهد في هذا الأثر، كما سمعنا، أن من لم يرد السلام، رد عليه من هو خير منه، رد من هو خير منه، ملك عن يمينه. قال حدثنا عمر بن حفص، قال حدثنا أبي، قال حدثنا الأعمش -أو سليمان بن مهران- قال حدثنا زيد بن وهب أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقوبغ وهو في الطريق. قال عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم. إن الرجل إذا سلم على القوم، فرد عليه، كانت عليهم فضل درجة؛ لأنه ذكرهم السلام. وإن لم يرد عليه، رد عليه من هو خير منه وأطيب. وهذا الأثر صحيح موقوفا على عبد الله بن مسعود، وصح مرفوعا كما أشار شيخ الألباني رحمه الله. والشطر الأول من هذا الحديث مر معنا في الأحاديث السابقة، من حديث أنس رضي الله عنه: «إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوه بينكم» يعني أفشوا السلام، واذكروا هذا الاسم من أسماء الله بقولك: السلام عليكم. وقولوا: «فأفشوه بينكم»، هذا أمر بإفشاء السلام. وسيأتي أن إفشاء السلام مستحب. وقوله: «فأفشوه بينكم» كذلك يدل على أن إفشاء السلام ما يكفي أن يكون سرا، ما يكفي أن تأتي فتسلم سرا، ما يسمعك من كان حاضرا، فهذا لا يحصل فيه معنى الإفشاء، لابد أن يكون جهرا، تسمع من تخاطبه ومن تسلم عليه. قال: «إن الرجل إذا سلم على القوم» إلى آخره، هذا فيه ما ذكرنا سابقا، أن الإنسان إذا سلم، فرد عليه، فذلك زيادة فضل وأجر. وإن لم يرد عليه، رد عليه من هو خير من المسلم عليه، وهم الملائكة، رد عليه من هو خير منه وأطيب. إذا ما يضر الإنسان أن يسلم، ولا يحزن إذا لم يرد عليه، إذا كان يعلم أنه سيرد عليه من هو خير منه وأفضل. وأيضا في قوله: «أفشوه بينكم» فيه كذلك أيضا حث وترغيب على إفشاء السلام في سائر الأحوال. ومن ذلك السلام على المصلي، إذا جيت ودخلت على إنسان يصلي، تسلم عليه. ومن السنة أن يرد عليك بالإشارة، أن يرد عليك بالإشارة، إذا كان مثلا دخلت عليه ويصلي، قلت: السلام عليكم، فيرد بيده هكذا، يشير هكذا بيده، فيكون في هذا رد لسلامه، كما ثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام. وهذه تعتبر من السنة المهجورة التي هجرت وأميتت. كذلك أيضا إذا كان يقرأ القرآن، تسلم عليه، لعموم الحديث: «أفشوا السلام» أو «فأفشوه بينكم»، تسلم عليه، يرد عليك، ثم يكمل قراءته. أو كان يأكل، تسلم عليه، يرد السلام، ثم يكمل طعامه. وهكذا في سائر الأحوال. قال حدثنا محمد بن يوسف، قال حدثنا سفيان، عن هشام، عن الحسن -أم الحسن البصري- قال: التسليم تطوع، والرد فريضة. وهذا الأثر صحيح إلى الحسن، التسليم تطوع، يعني إبداء وإفشاء السلام مستحب، مستحب، وهذا باتفاق أهل العلم، على أن إفشاء السلام مستحب. والرد، رد السلام، فريضة، يعني واجب، وهذا أيضا باتفاق أهل العلم، أن الرد فريضة، إذا سلم عليك، وجب عليك أن ترد السلام. طيب إذا كان المسلم عليه واحدا، فلا إشكال، أنه يجب عليه أن يرد السلام، ويتعين عليه رد السلام. فإذا كان المسلم عليهم جماعة، هل يجب على الجميع أن يرد السلام، أو يكفي أن يرد واحد منهم؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والأقرب، والله أعلم، أنه يكفي أن يرد واحد منهم، ويكون الرد في مثل هذه الحالة فرض كفاية، إذا قام به البعض، سقط الإثم عن الباقين. وبهذا قال الإمام النووي رحمه الله. وأيضا ذهب إلى ذلك الإمام مالك والشافعي، أنه يجزئ أن يرد واحد من الجماعة. قال باب من بخل بالسلام. قال حدثنا محمد بن أبي بكر، وهو المقدمي، قال حدثنا فضيل بن سليمان، وهو النميري، قال بن معين: ليس بثقة. قال عن موسى بن عقبة، وهو صاحب المغازي، قال حدثني عبيد الله بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «الكذوب من كذب على يمينه، والبخيل من بخل بالسلام، والسروق من سرق الصلاة». هذا الأثر ضعيف، فضيل بن سليمان ضعيف. لكن الشطر الثاني من الحديث، وهو قوله: «والبخيل من بخل بالسلام» صحيح. وقد مرت معنا في الأحاديث السابقة. وأيضا قوله: «والسروق من سرق الصلاة» ثبت معنى هذا الحديث عند الإمام أحمد وغيره، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته». قال: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها». إذن الضعيف في هذا الأثر قوله: «الكذوب من كذب على يمينه»، فهذه القطعة من الأثر ليس لها شاهد يرفعها إلى الصحة. وقوله: «وإن كان» يعني ليس لها ما يدل على صحتها من حيث السند. فإن معناها صحيح، الذي يكذب في اليمين، لا شك أن هذا من الكذب العظيم، فيحلف يمينا وهو كاذب، وهذه اليمين الغموس كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب. والنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الكبائر في حديث عبد الله بن عمر في الصحيح، قال: «الإشراك بالله، وقتل النفس، واليمين الغموس»، فهي من الكبائر. «والبخيل من بخل بالسلام»، وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الأثر في هذا الباب، أن الذي يبخل بالسلام في إفشائه وفي إظهاره بخيل؛ لأنه لا يكلفه شيء، ولا يتعبه، ولا يجهده، فلماذا يبخل بإفشاء السلام، وأن يسلم على إخوانه المسلمين؟ هذا من البخل أن يبخل بشيء يستطيعه ويقدر عليه. وقوله: «السروق من سرق الصلاة»، وفي الرواية الصحيحة: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته»، لا يتم ركوعها ولا سجودها، يعني أنه لا يتم أركان الصلاة، يصلي صلاة بلا طمأنينة، لا في الركوع، ولا في السجود، ولا في القيام، فهذا يسرق من صلاته، يسرق من صلاته، ويذهب أجرها وثوابها. وكونه أسوأ سارق، كما ذكر المناوي رحمه الله في فيض القدير، أن السارق في الواقع عندما يسرق مالا سيأخذه، ربما ينتفع به في الدنيا، ثم يستحل من صاحبه، فينجو من عذاب الآخرة. لكن هذا الذي يسرق من صلاته، هو ينقص من أجره وثوابه، ويؤاخذ عليه يوم القيامة، فكانت سرقته أشد، وكانت سرقته أسوأ من سرقة من يسرق المال. والشاهد من الأثر، كما سمعنا، قوله: «والبخيل من بخل بالسلام»، فالإنسان لا يبخل بالسلام، لا ينبغي أن يبخل بالسلام، بل يفشيه، ويسلم على من عرف ومن لم يعرف. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.