الدرس في أداء الحقوق 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث عن ترتيب الحقوق الإسلامية وأولوياتها، حيث يُوضح أن حق النبي مقدم على جميع الحقوق الأخرى. كما يشير إلى أهمية حق العلماء ورثة الأنبياء في الإسلام.
يُشدد على أهمية احترام العلماء والوالدين في الإسلام، حيث يُعتبرون من أوائل الناس الذين يجب أن نُؤدي حقوقهم. يُبين أن العلماء لهم حق عظيم بسبب علمهم الذي يرفعهم الله به.
يُناقش أهمية حقوق الوالدين والأقارب والجيران والفقراء، ويُشدد على ضرورة تقديم حق الوالدين على غيرهم. كما يُوضح أن حقوق الأرحام تختلف باختلاف قربهم، ويُنصح بالتواصل معهم.
ينبغي للمسلم أن يعطي كل ذي حق حقه، ويبدأ بصاحب الأولوية، وبهذا يتبين له الطريق الصحيح في التعامل مع الأمور. أسأل الله أن ينفعنا بما قلنا ويوفقنا للعمل به.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلنذكر إخواني في الله في مثل هذه المقامات أهم القواعد العامة في باب الحقوق الإسلامية، والتي ينبغي أن تؤدى لأهل الإسلام، وهي ضوابط عامة تعين وتساعد على معرفة ضبط هذه الحقوق. ومما يذكر من هذه القواعد، إخواني في الله، أن نتعرف جميعًا على أن الحقوق الإسلامية أو حقوق الأخوة الإيمانية تتفاوت من حيث الأولوية ومن حيث الأفضلية. الأصل أن الحقوق تؤدى لجميع المسلمين، كل من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، له حق في ذمتك عليك أن تؤديه، والأدلة العامة تدل على ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: «حق المسلم على المسلم خمس»، وفي لفظة: «حق المسلم على المسلم ست». وكل مسلم له حق يطالبك به، والأدلة العامة تدل على هذا الأصل. لكن ينبغي أن نعلم كذلك أن هذه الحقوق تختلف من حيث الترتيب، فبعضها أوجب من بعض، وبعضها أولى من بعض. وهذا ينفع عند التزاحم، قد تتزاحم الحقوق على بعض المسلمين، هذا حق، وهذا حق، وهذاك حق، فتتزاحم في وقت واحد. فأيهم تبدأ؟ أيهم تبدي على غيره؟ هذا يرجع إلى ترتيب الشرع، ننظر إلى الشرع كيف رتب هذه الحقوق. ومن أعظم الحقوق التي ينبغي أن تقدم ولا يتعداها إلى غيرها، ولها الأولوية ولها المقدمة، هي حقوق النبي عليه الصلاة والسلام. حقوق النبي عليه الصلاة والسلام وقد مر معنا في دروس سابقة ما يتعلق بحقوق النبي على أمته، وذكرنا ست أو سبع حقوق ينبغي للأمة جميعًا أن تؤديها لنبينا عليه الصلاة والسلام، من النصرة ومن المحبة، وكذلك الدعوة إلى سنته، التبليغ لدينه، الذب عنه عليه الصلاة والسلام، إلى آخره. فحق النبي عليه الصلاة والسلام مقدم على أي حق، ولو حتى على نفسك. لو تزاحم حقان، حق النبي أو حق النفس، فحق النبي مقدم عليه الصلاة والسلام بنص القرآن، كما قال جل في علاه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فنبينا أولى بنا، أولى من أنفسنا. بل ربما تزهق الأرواح وتسفك الدماء من أجله عليه الصلاة والسلام. قام سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه وقال: يا رسول الله، لو شئت لو شئت لخضنا غمار هذا البحر نقاتل عن يمينك وعن شمالك، فتسفك الدماء وتزهق الأرواح في سبيل نصرة النبي عليه الصلاة والسلام. فهو أولى، أولى بأي حق وفي كل حق عليه الصلاة والسلام. بل حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». فليس هناك حقوق متقدمة على حق النبي عليه الصلاة والسلام البتة. فهذا الحق إذا تقدم، وإذا جاءت له ما يتعلق بحق، فهو يقدم، ولو كان مقابل حق الوالدين، ولو كان مقابل حق الأرحام، ولو كان حتى مقابل حق نفسك، فإنك تهضم نفسك مقابل أنك توفي حق النبي عليه الصلاة والسلام الحق الكامل. وفي الحقيقة، إخواني في الله، إيفاء النبي عليه الصلاة والسلام بحقوقه الكاملة هي بالحقيقة إيفاء لحقوق الدين. وحتى أن بعض العلماء في كتب الاعتقاد عندما يذكرون حقوق النبي على أمته يذكرون أن من حق النبي ما يتعلق بحق زوجاته، زوجات الرسول، ما يتعلق بحق الصحابة، كل ذلك يندرج تحت حق النبي عليه الصلاة والسلام. إذن حق النبي عليه الصلاة والسلام من أولى الحقوق التي ينبغي أن تقدم. وبعد ذلك، بعد تأدية حق النبي، يأتي بالأهمية في دين الله عز وجل حق العلماء. فالعلماء هم ورثة الأنبياء، هم ورثة الأنبياء، لا أحد يدانيهم ولا أحد يوازيهم في هذه المرتبة بعد الأنبياء. الأولياء العلماء الأتقياء، من كان لله أعرف كان منه أخوف. ولا يقف إخواني في الله على معاشر طلاب العلم سيلًا من الآيات العظيمة التي فيها التأييد والرفعة لأهل العلم. فهذه الرفعة مؤداها أن نعرف حقهم وأن نعرف قدرهم. والسنة قد صرحت وبينت أن العلماء حق ينبغي أن يؤدى. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه». إذن العلماء لهم حق. والأسف، كثير من الناس لا أقول تجاهلوا حق العلماء، بل إن من الناس من يرى أن العلماء ليس لهم حق أصلا. وهذه البنية، يعني بعض الناس قد يجهل، يعرف أن العلماء لهم حق، لكن مع انشغاله بدنياه ومع توسعه في معاشه قد يتجاهل وينسى. لكن المصيبة تحل على الأمة إذا وجد طائفة من الناس تقول: تصرح لأن العلماء ليس لهم حق، هم كباقي البشر لا. يا عبد الله، هم ليس كباقي البشر، هم صحيح بشر من حيث الخلق من لحم ودم، لكن حباهم الله جل وعلا بالعلم اللدني، بالعلم الشرعي، رفعهم الله جل وعلا بهذا العلم. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، بماذا رفعهم الله؟ بالقرآن، رفعهم بالسنة. كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا». فبالقرآن وبالسنة وبالآيات البينات التي جعلت في صدور القوم من العلماء رفعهم الله جل وعلا. فهؤلاء لهم حق. فإذا تقدمت وذا تزاحمت الحقوق، ومن هذه الحقوق حق العلماء، فإن حق العلماء يقدم. وليس نحن في هذا المقام بصدد تعداد أو سرد لحقوق العلماء، هذا سيأتي في محله إن يسر الله جل وعلا في مقام آخر. لكن هنا القصد في ترتيب الحقوق ومعرفة الأولوية في الحقوق. فبعد الأنبياء، وبعد حق النبي عليه الصلاة والسلام، يأتي حق العلماء، وذلك بالذب عنهم والنصر لهم. ونعني بالعلماء إخواني في الله ليس كل من تجلبب بجلباب أو ألبس عمامة، لا، إنما نقصد العلماء الربانيون الذين نصر الله جل وعلا بهم الدين، وهم أهل الحل والعقد ممن يشار إليهم بالبنان وتناط بهم مسائل النوازل والفتن، كبار العلماء، هؤلاء ذي نعني بهم أنهم حق على الأمة. وكلما كان العالم له قدم صدق في دين الله جل وعلا، فإن حقه يعظم ويعظم. حتى قال من قال من أئمتنا: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته. كذلك إخواني في الله، من الحقوق التي جاء الشرع بتقريرها وتأصيلها وتأكيدها وتثبيتها حق الوالدين وحق الأرحام. فحق الوالدين من الحقوق العظيمة، والآيات البينات المنزلة من فوق سبع السماوات تؤيد وتعظم حق الوالدين. قال جل في علاه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. حقهم يبقى في ذمتك ليس في حال الحياة بل وكذلك بعد الممات. بعظم حق الوالدين على الإنسان يبقى حتى بعد موتهما، يبقى لك الحق أن تدعو لهما، أن تتصدق لهما، وأن تذكرهم بكل خير. وبلغ من اعتناء الشرع بعظم هذا المقام أن أي قطيعة وخذلان لهذه الرابطة لحق الوالدين، فإن الله جل وعلا ينزل العقوبات العظيمة في حق من سعى إلى قطع علاقته بوالديه. ومن هذه العواقب الوخيمة إخواني في الله أن الله جل وعلا يحبط عنك الأعمال، يحبط عنك الأعمال. وهذه مصيبة، أو أي مصيبة، الواحد لربما في هذه الدنيا يسعى للأعمال الصالحة في قيام وفي صلاة وفي ذكاة وفي قيام، وأهلهم يرغبون في الأعمال الألفاضلة النوافل والمندوبات والقربات والسنن والمستحبات، لكن يتفاجأ في آخر الساعة يوم القيامة عندما يبعث عند رب العالمين أن هذه الأعمال قد ردت على وجهه. لما يا عبد الله؟ لأنك عققت والديك. ثبت في السنن قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا». وذكر عليه الصلاة والسلام من هؤلاء العاق لوالديه. فالعاق هو الذي عق والديه، هو الذي أرهق والديه قبضًا، فهذا الذي أتعب أهله وأتعب والديه في هذه الدنيا، فإنه يكون من عداد العاقين ممن ترد عليهم الأعمال والعبادات. فعليك يا عبد الله أن تسعى إلى طاعة الوالدين. ونظر إلى حال المجتمعات تجد كيف أن مقاييس الناس لم تتزن في هذا الباب. وهذا يدلك على أهمية ترتيب الأولوية. فبعض الناس إذا دخل على الوالدين يعاملهم مثل معاملة الأجانب، يعني الغرباء، لا كلام ولا سلام، ما تسمع منهما إلا الأمر والنهي، لا احترام ولا تقدير ولا تعظيم ولا سؤال عن حال ولا استخبار عن أخبار، أبدًا يدخل عليهم ويخرج، لربما تمر عليه أيام ولا يلتفت أنهم ليسوا موجودين في البيت. بينما إذا خرج إلى زملاء وإلى الأصحاب وإلى الخلان، لا ترى منه إلا الهش والبش والضحك والكلام وراحة النفس وراحة البال واستقرار الحال ما لا ترى عند الوالدين. فهذا من الطرائق العظيمة في الموازين. أيوم يقدم حق من يقدم أحق الوالدين أم حق الأصحاب والزملاء؟ صحيح الزملاء لهم حق، لكن حقهم دون حق الوالدين بكثير، بكثير لا يدانى. لكن لما اختلبت الأمور على الناس يقدمون حق هؤلاء على حق الوالدين. وطبعًا يا إخواني لأن حق الوالدين يختلف، فحق الأم مقدم على حق الأب كما جاء في الصحيحين. لما جاء رجل قال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك». فحق الأم مقدم على حق الأب. لكن على الكل ماذا لهم حق ينبغي أن يؤدى. وبعد حق الوالدين يأتي كذلك حق الأقارب وحق الأرحام، فلهم حق يا عبد الله عليك. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾، فقطيعة الأرحام من أسباب التي تجلب غضب الله جل وعلا. ومن جراء هذا الفعل قطع الأرحام أن تحرم عليك الجنة، ثبت في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة قاطع». لا يدخل الجنة قاطع. فعليك يا عبد الله أنك تسعى إلى إيصال رحمك. وكم هي الآيات التي فيها الأمر بصلة ذي القربى، ذي القربى، ذي القربى، ذو القربة عليك أن تأتيهم، عليك أن تودهم وأن تعرف ما لهم من حق عليك. وقال علماء أو من أعظم حقوق الصلة أنك تصلهم. وقد ذكر العلماء من المعاصرين كسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى وجماعة من كبار العلماء أن صلة الأرحام في هذه الأزمان ميسرة، ليس بالضرورة أنك تأتي إليهم زيارة، وإنما أنك تعرف على أحوالهم ولو بالاتصال، بالاتصال تتصل على العم على الخال على الجد ونحو ذلك على هؤلاء تتصل تستخبر، وخاصة إن كانوا بحاجة ماسة إلى مساعدة إلى إعانة، فعليك أن تصلهم. وكذلك الأرحام ذوي الأرحام يختلفون بالقربة، فمنهم الرحم القريب، فهذا حقه أعظم، وهناك الرحم البعيد، فهذا حقه دون. ولها ثبت في السنن عن طارق رضي الله تعالى عنه أنه دخل المدينة، قال: فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب ويقول: «اليد العليا يد المعطي، اليد العليا يد المعطي، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك». أمك وأباك أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك. فدل هذا على أن الأرحام يختلفون ليسوا رتبة واحدة، ليس من العقل أنك تأتي إلى أبناء الجد تعينهم، عندك العم وعندك الخال ولديك الأخ والأخت، هم بحاجة إليك فتبدأ بهم أولًا. فهذا يدل كذلك على أهمية الترتيب. وهكذا إخواني في الله يأتي بعد ذلك حق الجوار، فالجار المسلم كذلك له حق، بل الجار مهما كانت مسافته ومهما كان بعده، ما إذا كان يعد من الجيران، فله حق كما في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. فالجار مهما كان بعيد أو قريب، ذوي قربة أو لم يكن من ذوي قربة، فإن له عليك حق. وأضعف أضعف الحقوق لتؤدى للجار أنك لا تؤذيه، أنك لا تؤذيه. قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره». فلا يؤذي جاره. وأدلة كثيرة تدل على وجوب حسن الجوار لعامة المسلمين. ثم إخواني في الله تأتي بعد ذلك حق الفقراء والمساكين والمعوزين والمحتاجين، فإن لهم حق عليك بأنك تقف أمامهم وتقف بإزائهم وبجوارهم تعينهم بما أعطاك الله جل وعلا، وذلك على قدر الاستطاعة. وهكذا إخواني تأتي بعد ذلك حقوق المسلمين عامة. فهذه إخواني في الله تشكيلة سريعة يذكرها العلماء في معرفة الأولوية ومعرفة الأفضلية في تقديم الحقوق بعضها على بعض. فينبغي للمسلم أن يعرف من صاحب الأولوية فيبدأ به. وهكذا. وبهذا تستتب لك الأمور يا عبد الله، فتعطي لكل ذي حق حقه. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.