الدرس في أداء الحقوق 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الخطيب على أهمية أداء حقوق النبي عليه الصلاة والسلام وارتباط ذلك بشهادة أن محمدًا رسول الله، ويتناول مسألة الغلو والتقصير في حقه. يُشدد على أن كلا الطرفين انحراف عن الصواب.
يُناقش أهمية معرفة حقوق النبي واستمرارها بعد وفاته، مستشهدًا بسلفنا الصالح في تعظيمهم لحقوقه، ويرد على من يعتقدون انتهاء حقوقه بوفاته. يُبرز أمثلة من الصحابة في ذلك.
ينبغي محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره، وطاعته من حقوقه على أمته، مستدلًا على ذلك بآيات كثيرة. يُظهر أهمية امتلاء القلوب بمحبته وإجلاله.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه، ويُظهر التواضع والاعتراف بقدرة الله، ويُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فاستغلال إخواني في الله لهذا المقام نتضرغ وإياكم شيئا من أحكام ديننا ومن أصول شريعتنا، وهي يتعلق بمسألة أداء الحقوق. ربنا جل وعلا أمر من عباده أن يكونوا على صلاح وأن يكونوا من أهله، وتعريف الصالح عند أهل العلم هو القائم بحق الله والقائم بحق العباد. فلا يمكن لشخص لعبد من العباد أن يوصف بالصلاح إلا إذا أدى حق الله وكذلك أدى حق العباد. فالمسلم ينبغي أن يؤدي الحقوق كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن لنفسك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه». فيجب للمسلم أن يتعرف إلى حقوق الناس وإلى حقوق العباد فيؤديها. ومقام إخواني في الله في هذا اليوم في ذكر أعظم الحقوق التي ينبغي ويجب على كل مسلم أن يؤديها، وهي متعلقة بحقوق النبي عليه الصلاة والسلام. لا شك ولا ريب أنه عليه الصلاة والسلام له الحقوق ينبغي على أهل الإسلام قاطبة أن يؤدوها وأن يمتثلوا لها وأن يسارعوا إلى أدائها. وقبل الدخول في معرفة حقوق النبي عليه الصلاة والسلام على أمته، ينبغي أن نشير إشارة إلى أهمية هذا الموضوع، وذلك لعدة أمور. الأمر الأول أن حق النبي عليه الصلاة والسلام يعتبر من الحقوق العظيمة؛ لأنه يتعلق بأعظم ركن من أركان الإسلام، ألا وهي شهادة أن محمدا رسول الله. فلا يمكن لعبد أن يحقق هذه الشهادة إلا إذا أدى حقوق النبي عليه الصلاة والسلام كاملا موفى. فأي تقصير وأي نقص وأي خلل في تأدية حقوق النبي عليه الصلاة والسلام هي بمثابة التقصير والخلل في شهادتك لبعثة ونبوة نبينا عليه الصلاة والسلام. فيجب الاعتناء إخواني في الله بهذا الباب وبهذا الجانب. وأيضا مما يدل على أهمية الاعتناء بحقوق النبي عليه الصلاة والسلام ما نرى من الخلط الكبير والعجيب عند طوائف من الناس. إذ أننا نجد أن كثيرا من الناس يعترف أن للنبي عليه الصلاة والسلام حقوقا، لكنه لا يدري كيف يؤديها؛ لأنه لم يتصور ما هي الحقوق أصلا. فتجد الإفراط وتجد التفريط وتجد التقصير وتجد الغلو. فمن الناس من يظن أن حق النبي عليه الصلاة والسلام يصل إلى أن يساوي حق الله جل وعلا، فيعتقد في نبينا عليه الصلاة والسلام البعث والنشور والإحياء والإماتة، أو أن نبينا عليه الصلاة والسلام له القدرة في غفران الذنوب والتكفير عن السيئات. وأن له عليه الصلاة والسلام القدرة على إدخال من شاء إلى الجنة وإدخال من شاء إلى النار، وأنه في الدنيا يستغاث به ويهتف باسمه إلى غير ذلك من الأمور التي يظنها الناس أنها من حقوق النبي وأنه ينبغي أن تعطى لرسول الله، فيعظم هذا الإعظام البدعي. فحينما نظن أن حق النبي يساوي حق الله، لا يعبد الله، فهذا ليس له. وبالمقابل نجد أن من الناس من تصل به الحال إلى التقصير في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويظهر ذلك في عدم المبالاة وكذلك عدم الاهتمام وعدم العناية وعدم الرعاية وعدم التأدب الأدب الكامل مع نبينا عليه الصلاة والسلام. فتجد من الناس من هو من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وهو لا يرفع بسنته رأسا ولا يلقي لأحاديث النبي بالا. هذا التقصير في حقوق النبي عليه الصلاة والسلام، وربما لا يعطي لنبينا الأدب الكامل. فإذا سماه باسمه أو كناه بكنية ليست مشهورة عنه، كقول ذاك الرجل: «جئت من ذاك الذي يسمى بابن آمنة»، يريد به نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذا تقصير. بل ربما يصل بصاحبه مع قصد الإهانة إلى الكفر. فتوجد طوائف من الناس إخواني في الله يصرحون ويعترفون بوجود الحقوق، إلى أنهم يخبطون فيها ويخلطون التقصير مع الإجحاف مع الإنصاف معه، والغلو كذلك. ومن المسائل المهمة المتعلقة بهذا المبحث بيان عظم معرفة حقوق النبي عليه الصلاة والسلام، والغفلة التي وجدت عند كثير من المسلمين، حيث ظن الكثير منهم أن حقوق النبي عليه الصلاة والسلام ألغيت عندما مات. بعضهم يعطل، يقول: «نعم، النبي له حق على أمته، لكن إذا كنا أحياء في زمنه فنعظمه ونوقره ونجله ونفعل ونفعل، لكن لما مات، إذن ما بقيت له حقوق». فيظن بعض الناس أن حقوق النبي تنقطع بحياته، وأنه بعدما مات ليس هناك حقوق، وهذا غلط، وهذا ليس عليه فهم سلفنا الصالح. بل إن حقوق النبي تستمر في حياته وهكذا تستمر بعدما ماته الأمة إلى آخر نفسها في هذه الدنيا، ينبغي أن تعطي وتؤدي حقوق رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا سار سلفنا الصالح. عمر رضي الله تعالى عنه، عندما وجد رجلين يتحدثان في المسجد، حصبهما، ثم استدعاهما وقال: «ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله؟» فقال: «لو كنتم من أهل مدينة لأوجعتكما ضربا». فالصحابة كانوا يظنون أنه يعيش أمامهم ويسير بروحه، فينبغي أن تؤدى حقوقه كاملة وكأنه حي. ونقل كذلك عن سلفنا الصالح، كعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، أنه كان في مرضه، فلما يسأل عن أحاديث الرسول صلوات ربي وسلامه عليه، يقول: «قوموني، قوموني، فإني أجل أن أحدث عن رسول الله وأنا مضجع». كأنه يرى رسول الله أمامه، فلا يرى أنه ليس من اللايق أن يحدث وهو طريح الفراش. ومعنى ذلك أنه معذور بمرضه، لكنه إعظاما لأحاديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. وكذلك حمد بن زيد رحمه الله تعالى، يقول عند قوله تعالى: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾، قال رحمه الله تعالى: «إني أرى أن رفع الصوت بعد موته كرفع الصوت في حياته»، ثم قال: «فإذا قرئ الحديث عندك، فوجب أن تنصت». أي كأن النبي أمامك هو الذي يتلفظ بهذه الأخبار وهذه الأحاديث، فينبغي أن تنصت. ونقل كذلك عن ابن سيرين أنه كان يضحك ويحادث زملاءه، فإذا سمع حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، قال الراو: «خشع، خشع، فما تضحك وما تحدث، وإنما تنصت». كأنه ينصت إلى نبينا بنفسه، يحدثه. فهكذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى على هذا المنوال، أنهم كانوا يرون أن الحقوق تستمر معهم حتى بعدما ماته. فظن أن حقوق النبي عليه الصلاة والسلام تعدم وتلغى بوفاته، فهذا ليس بصحيح، وليس ذلك عليه آثارة من علم، وليس عليه عمل سلفنا الصالح. وأيضا مما يدل على أهمية هذا الباب فيه الرد أي العروج على هذا الموضوع، وذكر هذه المسائل في معرفة حقوق النبي عليه الصلاة والسلام على أمته، فيه كذلك الرد المفحم على أعداء السنة ممن يدندنون إما في السر وإما في العلن، أو يصرحون بما حوته صدورهم من الحقد والحسد على أهل السنة. بأن هؤلاء لا يحبون الرسول، وأن هؤلاء لا يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم أعداء وخصوم لرسول الله، أعوذ بالله. فما كان أهل السنة كذلك، بل إن أهل السنة من أثبت الناس ومن أعظم الناس تقديرا لحقوق النبي عليه الصلاة والسلام. ويكفيك يا عبد الله أن تعرف أنهم مفتخرون بما تشرفوا به، وأن ينتسبوا لشيء بمثل انتسابهم للسنة. ما انتسبوا إلا بمثل انتسابهم للسنة، هم أهل السنة. فما اختاروا شيئا يظهرون حبهم وشوقهم وتعظيمهم وتقديرهم لنبينا حتى التسمي بالسنة، وهي الطريقة التي سار عليها نبينا صلى الله عليه وسلم. فهذه الأمور مقدمة لهذا الموضوع، ومثل وتمهيد لهذه المسائل. وحقوق النبي كثيرة وكثيرة جدا، وقد ألفت وصنفت مصنفات في ذكرها وتعدادها. ومن ذلك الكتاب المشهور بتأليف القاضي عياض رحمه الله تعالى، الموسوم بـ«الشفاء بتعريف حقوق المصطفى». ذكر رحمه الله تعالى الحقوق التي ينبغي لكل مسلم أن يؤديها لنبينا عليه الصلاة والسلام. فمن هذه إخواني في الله، ولا أطيل في هذا المقام، المحبة. محبة النبي صلوات ربي وسلامه عليه، ينبغي لنبينا له المحبة العظيمة في نفوسنا وفي قلوبنا. وأن تمتلئ هذه القلوب وتمتلئ الصدور بمحبته وإجلاله وتعظيمه وتوقيره. فإن هذا من أعظم الطاعات ومن أجل القربات، بل من أوجب الواجبات. قال سبحانه وتعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾. قال أهل التفسير عند هذه الآية في قوله تعالى: ﴿وتعزروه وتوقروه﴾، أي تجلوه وتعظموه بالإجلال والاحترام والإعظام. هذا الذي ينبغي أن يؤدى لنبينا عليه الصلاة والسلام كحق أنه يحب وأنه يعظم وأنه يوقر. وكذلك السنة، نبينا صلوات ربي وسلامه عليه نبه إلى هذا المقام، مقام المحبة والإجلال له صلوات ربي وسلامه عليه. قال نبينا: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه. ليس هناك محاب يداني أو يساوي أو يوازي محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، لا آباء ولا أمهات ولا أبناء ولا دنيا ولا متاعا من متاع الدنيا، لا أشياء أبدا يوازي محبة الرسول عليه الصلاة والسلام. «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». بل هذا المقام إخواني في الله، برهان على صدق الإيمان، برهان على صدق إيمان العبد. إن أراد العبد أن يبرهن على إيمانه لربه جل وعلا، فعليه أن يمتثل لهذا المقام بأن يملأ قلبه تعظيما وإجلالا لمقامه وفضله عليه الصلاة والسلام. كما جاء في الصحيحين: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، وذكر عليه الصلاة والسلام في من ذكر من هؤلاء الثلاثة الذين بلغ بهم الإيمان أنهم يتلذذون بحلاوة الإيمان، قال: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». وعلى هذا المقام درج السلف ومشى الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. عندما علموا أن هذا المقام مقام الإجلال، مقام المحبة، مقام الإعظام من حقوقه عليه الصلاة والسلام، ثارعوا إلى تطبيقها وإلى تمثيلها. وكانوا يستلذون بإظهار محبتهم وحبهم. سئل علي رضي الله تعالى عنه، قيل له: «كيف كان حبكم لرسول الله؟» قال رضي الله تعالى عنه: «كان والله أحب إلينا من أموالنا وأنفسنا، ومن الماء البارد على الضمى». وكان الواحد منهم إعظاما للمقام نبينا، ما يستطيع أن يدقق النظر أو أن يحدد النظر في وجهه عليه الصلاة والسلام إعظاما له وإجلالا له. لكن مع التنبيه أن القول بأن المحبة لرسول الله محبة شرعية، لكن ينبغي أن تضبط هذه المحبة بأن لا تصل إلى حد الغلو، وأنك ترفع من شأنه عليه الصلاة والسلام إلى مرفع أو إلى مرتبة ما تليق إلا لله سبحانه وتعالى. كما نسمع من بعض الغلاة ممن يعظمون رسول الله صلى الله عليه وسلم التعظيم البدعي الغير شرعي. وأيضا من حقوق النبي عليه الصلاة والسلام على أمته طاعته صلوات ربي والسلام عليه. والأدلة في ذلك كثيرة وكثيرة جدا، تدل على أن من حق النبي على سنته أن يطاع، أن يطاع في كل ما جاء به. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾، وقال سبحانه: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. وربنا جل وعلا جعل المقامات العليا والكرامات العظمى لكل من صبر نفسه على هذا المقام، مقام الطاعة والاتباع لنبينا عليه الصلاة والسلام. فمن أراد الفوز ومن أراد الفلاح، فعليه بطاعة نبينا صلى الله عليه وسلم. وآيات كثيرة جدا. وكذلك الهدى والرحمات والخيرات والبركات تتنزل على من صبر نفسه على هذا المقام، كما قال جل في علاه: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾. وسأتكلم إن شاء الله في دروس قادمة بإذن الله، إن يسر الله، بذكر بعض المقامات التي تتعلق بطاعته صلى الله عليه وسلم. وأيضا ذكر بعض الحقوق التي ينبغي أن يتمثل بها كل مسلم تأذية لجنابه عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.