الدرس في ثمرات الصيام 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُظهر الإسلام سماحته في فرضية الصيام برفع الحرج عن المسلمين وتيسير الأحكام، حيث أسقط الصيام عن أصناف معينة مثل الأطفال والمجانين. كما جعل في رمضان اليسر والتخفيف والرحمة.
الإسلام يبيح الإفطار لكبار السن والمرضى الذين لا يستطيعون الصيام، ويطلب منهم إطعام مسكين بدلاً من ذلك، مما يدل على سماحة الدين ورحمته بالمؤمنين. هذا الحكم يراعي ظروف هؤلاء الأفراد ويخفف عنهم.
الشرع الإسلامي يسمح بتأخير العبادة في رمضان للصائمين الذين يعانون من عوارض، ثم يقضون الأيام الفائتة لاحقاً، مما يظهر سماحة الدين الإسلامي ورحمته. هذا التيسير يعكس مراعاة الله تعالى لظروف عباده.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على علم الله المطلع. هذا يعكس أهمية الدعاء والصلاة على النبي في الختام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله في ذكر أهم الفوائد والثمار والمسائل التي يستفيدها المسلم من فرضية الصيام، وقد مرت معنا فوائد كثيرة، وتتم للفائدة أيضًا يذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن مما يثمره فرضية الصيام في قلب العبد المؤمن أن يعلم ويتعرف إلى سماحة الدين. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت بالحنيفية السمحة». فمن سماحة الدين أن الله جل وعلا رفع عنه خاص الدين الإسلامي، رفع ربنا جل وعلا عنه الحرج والكلفة والأغلال التي قد وجدت في الأديان والأمم الماضية السالفة. قال جل في علاه: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. فليس هناك حرج ولله الحمد في هذه الملة وفي هذا الدين. قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الدين يسر». ويظهر هذه السماحة وهذا التيسير في هذه الملة لو قارنتها يا عبد الله بالملل الماضية، كيف كانت قد جعل فيها ربنا جل وعلا العبادات العظيمة؟ كانت من تمام توبة أحدهم إذا أراد أن يتوب أن يقتل نفسه، كان في ملتهم وفي شريعتهم التحريم لكثير من المطعومات والمأكولات ومن اللحوم لا يجوز أن يأكلوها أو يتناولوها، بل حتى العبادات كان الواحد منهم إذا أراد أن يؤدي عبادة لا يتاح له أن يؤديها في أي مكان، وإنما في الصوامع والبيع وفي الكنائس. بخلاف هذه الأمة، فإن الواحد منا لو أدركته الصلاة صلى حيث شاء، صلى حيث كان في بحر في بر في صحراء في بيت في خارج مسجده. فجاءت هذه الدين وجاءت هذه الملة السمحة برفع الأغلال الموجودة في الأديان السابقة. ويظهر لنا يا إخواني في الله هذا الملحظ وهذا المعلم البارز من معالم الدين الإسلامي أنه دين يسر. ما جاء في فرضية رمضان من تأمل في رمضان وفي أحكامه وشرائعه وتأمل في هذه المسائل يجد أمامه هذا المعلم البارز أن الله جل وعلا جعل في رمضان اليسر، جعل في رمضان التخفيف، جعل في رمضان الرحمة. وصور هذا الباب كثيرة جدًا في رمضان، لكن حسبنا يا عبد الله أن نلاحظ أو ندقق النظر في أنواع التخفيف الذي جعله ربنا جل وعلا في رمضان. أسباب التخفيف كثيرة أوصلها بعضهم إلى السبع إلى ثمان من صور التخفيف، لكن حسبنا أن نذكر ثلاثة من صور التخفيف جاء أمرها في رمضان وجاء حقها في رمضان. الأصل أن الله جل وعلا أمر من حضر هذا الشهر أن يصمه، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومع ذلك جاءت أنواع التخفيف لعباد الله جل وعلا. فعندنا الإسقاط، وعندنا الإبدال، وعندنا التأخير، وهذه كلها من أوجه التخفيف على الناس في رمضان. أما ما يتعلق بالإسقاط، فإن الله جل وعلا أسقط فرضية الصيام على أصناف من الناس، على جماعات من الناس هم في عداد أهل الإسلام، ومع ذلك لا يطالبون بشيء لا أداء لا قضاء لا إطعام لا فدية ولا شيء. وهؤلاء هم أهل الإسقاط من أمثال من مثل الصغير وإن كان صغير من عداد المسلمين، إلا أن الله جل وعلا لا يطالب بالصوم. وهكذا يا عبد الله قل من ذهب عقله، من زال عقله كالمجانين الذي لا حس له ولا إدراك، فهؤلاء لا يخاطبهم ربنا جل وعلا في الشريعة ولا يطالبون بفرضية الصيام، فلا عتب عليهم إذا أفطروا. وألحق العلماء بمن زال عقله المخرف رجل كبر سنه وذهب عقله، فأصبح يهذي بما يعرف وبما لا يعرف. فإذا وصل الرجل إلى حد الهذيان وإلى حد الخرف، فهذا لا يطالب بشيء. يوجد في بعض الأسر من يبتلى بجد أو بجدة كبر سنها ويظهر الخرف في حركاتها في طريقتها في نمط سلوكها وأفكارها، لا تعرف يأتي وقت الصباح تريد الفطور، يأتي وقت الغذاء الظهيرة تريد الغذاء، تصلي صلوات في غير أوقاتها، هي ليست مجنونة وليس من عداد المجانين، لكن زال عقله. هذا الصنف ما الذي نفعل؟ ماهو جاء التخفيف من رب العالمين؟ وعلى هذا أقوى العلماء أن هذا يلحق بمن ذهب عقله، فماذا عليه؟ لا شيء عليه، هذا يلحق بأهل الإسقاط، فلا أداء لا يصوم رمضان، ولا قضاء لا ينبغي عليه أن يقضي، ولا عليه حتى إطعام ولا فدية ولا شيء من هذه الأمور. وهذا يا عبد الله رحمة من الله جل وعلا في حق هؤلاء، وهذا إن دل دل على سماحة الدين. وأيضًا يا عبد الله عندنا من أصور التخفيف في رمضان ما يتعلق بما يسميه الفقهاء بالإبدال، أن الله جل وعلا يبدل عبادة بعبادة أخرى. الأصل أن من دخل عليه رمضان كما قلنا يصوم، لكن قد يأتي مانع يأتي مانع يتعذر معه إتمام الصوم، فهنا يأتي التخفيف من الشريعة الإسلامية على أن هؤلاء يطيقون بعبادة أخرى وهي بالفدية وهي الإطعام. قال جل وعلا: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾. من أمثال من الكبير في السن الذي من يستطيع أن يصوم رجل كبر سنه ورقى عظمه وما يتحمل تبعات الصوم، لربما يحاول أن يصوم مع المسلمين يحاول أن يصوم مع الصائمين، لكن إذا انتصف النهار تعب تعب ما يستطيع جسمه لا يقوى على الصيام، فهذا ما الذي عليه؟ نلزمه أن نكمم له الأفواه ويجعله ويربط الأيدي بالسلاسل والحبال حتى لا يتناول شيئًا ويقول تصوم حتى يغيب الشفق أو يغيب الشمس وهو على هذا الحال؟ لا يا عبد الله هذا ليس من سماحة الدين. بل من سماحة الدين أن الله جل وعلا ترك هؤلاء الرخصة في أن يفطروا من رمضان الشيخ الكبير والشيخ الكبيرة، بل لكن بالمقابل عليهم أن يبدلوا هذا الصيام بعبادة وشعيرة أخرى وهي الإطعام. فيحصوا الأيام التي أفطروها لعجزهم ولعدم قدرتهم على الصوم، وبعد ذلك تحول هذه الأيام إلى مساكين يطعمونهم مما أطعمهم الله سبحانه وتعالى. وألحق العلماء أيضًا بأمثال هؤلاء المريض الذي لا يرجى برؤه، وهو المريض الذي لا يرجى علاجه ولا شفاءه. قد يصل الطب الحديث ويصل العقول البشرية إلى باب مسدود في حل بعض الآفات والأمراض والأسقام التي تصيب البشرية، ما يستطيعون لها حل ولا سبيل. فيأتي مثل هذا الصنف عند العلماء يقول: نحن في مرض ما يمكننا أن نصوم قط، لا رمضان أداءً ولا حتى قضاءً. تخيل الرجل فيه مرض وهذا المرض قد التصق به وابتلاه الله جل وعلا به، وأن هذا المرض من خواصه أن الصوم يتعبه، كأصحاب الكلية ونحو ذلك، ما يمكنهم أن يصوموا في رمضان ولا حتى خارج رمضان، فهم أبدًا دائمًا على فطر. أو رجل عنده مرض وهذا المرض يتطلب منه استخدام الحبوب والعلاجات والشرابات والأدوية خلال ساعات دائمًا مستمرة ساعات ثمان ساعات، ولابد أن يكون للنهار فيه نصيب من استخدام العلاج، ولا حياة لهذا الإنسان إلا بهذه الحبوب، نسأل الله العافية والسلامة، وهذا يبتلى به بعض الناس. فهؤلاء يسميه الفقهاء بمن مرض مرضًا لا يرجى برؤه لا يرجى علاجه، فما السبيل وما الحل؟ فإن دخل رمضان أفطر لعدم قدرته، وإن خرج رمضان أيضًا أفطر لعدم استطاعته، فما الحل؟ الحل تأتي السماحة الإسلامية باستبدالها أولًا بفرضية الصيام بفرضية الإطعام، يطعم عن كل يوم أفطره مسكينًا. وهذا يا عبد الله يدلك على سماحة الدين. وأيضًا يا عبد الله من صور التخفيف الذي تظهر في رمضان مسألة تأخير العبادة. الأصل أن العبادة مؤقتة بوقت محدد لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، كما قال ربنا جل وعلا في حق الصيام: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وهو عبارة عن أيام معدودات لا تتجاوزها يا عبد الله لا بزيادة ولا بنقصان، هذا الأصل. لكن مع ذلك قد يلتبس ببعض الصائمين بعض الأعذار التي تعوقهم من استكمال أيام الصيام، كحال المريض يأتيه مرض عارض أو كحال مسافر يكابد وعثاء السفر والضيق والحرج ومتاعب السفر لا يمكنه أن يصوم، وهكذا قل في حق النسوة من حيض ونفاس وحمل وإرضاع، هذه عوارض تعترض الإنسان من الصائمين والصائمات في أيام رمضان، فلا يمكنهم إتمام رمضان. فما الذي عليهم؟ هل يسقط رمضان أو أيام رمضان عنهم؟ لا لا إسقاط، هل يبدلون؟ لا لا إبدال، وإنما عندنا تأخير، تأخير راعى الشرع الحكيم حال هؤلاء لوجود هذا الظرف العرضي الذي اعترض لهم في هذه الأيام، أنه ماذا يستسمح معهم بأنهم يترخصوا بالفطر إلى متى؟ إلى أن يزال هذا العارض. قال ربنا جل وعلا: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. تأخير العبادة لو كان الشرع أمر هؤلاء جميعًا بأن يصوم على حالتهم لكان عليهم العنت وكان الضيق والشدة والكلفة على عباد الله، لتخيل صائم يؤمر بالصيام مسافر يؤمر بالصيام أو مريض طريح الفراش يؤمر بالصيام، كأن له الصيام لربما لقى العنت والمشقة والضيق. لكن تأتي سماحة هذا الدين بجواز التأخير حتى يزول هذا العارض عنك يا عبد الله، ثم تقضيه بعد ذهاب العارض. ومن العلماء وهو جمهور العلماء من توسع حتى في باب القضاء، توسع حتى في باب القضاء، قالوا: أن الذي عليه القضاء إذا زال العارض عنك، زال العارض في أيام حر وكان القضاء في أيام حر كلفة لك، أن تقضي في أيام الشتاء، ﴿فعدة من أيام أخر﴾ دون تقييد بماذا؟ بأن القضاء يكون بعد زوال العارض مباشرة، بل لك التأخير، وأن القضاء يكون بالتراخي. هذه المعالم إخواني في الله من تأمل فيها من نظر فيها يعلم سماحة الدين، يعلم سماحة الدين، وهو أن أنك يا عبد الله ما عليك إلا أن تقبل على الله جل وعلا، فإن كان هناك لك مانع في أي عبادة ليس في الصيام، في الصلاة في الحج في أي عبادة من العبادات، إن كان هناك مانع حقًا وصدقًا، فإن لك في دين الله جل وعلا مخرجًا، لك في دين الله جل وعلا فرجًا. لا تظن أن الله جل وعلا ألزم الناس بما لا يطيقون، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ ربنا جل وعلا خلق العباد ويعلم جل في علاه ما يصلحهم، فقول من يقول من أعداء الدين ومن يقلدهم من بعض الأفكار التي لا دينية وإلحادية ممن يلمز الإسلام بأنه دين التطرف ودين التشدد وأنه دين الضيق؟ لا يا عبد الله، لا والله لا ضيق في الدين. إنما الإسلام ما ضيق على النفوس، وإنما الإسلام هذب النفوس، هذبها ربنا جل وعلا، ما حرم الأشياء على الناس من معاصي من موبقات من حرمات من محرمات من كبائر من موبقات إلا لعلمه جل في علاه أن هذا لا يلائم طبيعة الإنسان، فتعد هذه الأشياء من الشر من الشر التي حرمها الله سبحانه وتعالى على عباده. فعلينا إخواني في الله أن نتمعن في هذا المعلم العظيم، وهذه من الثمار العظيمة التي يجدها المسلم إذا دخل في مضمار رمضان وتعلم على أحكام شريعته، بأن رمضان هو شهر السعة والرحمة، وأن الله جل وعلا جعل في دينه وفي شريعته رفع الكلفة والضيق عن هذه الأمة المحمدية. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.