الدرس في ثمرات الصيام 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الخطيب على أهمية التحلي بالأخلاق الحميدة في رمضان وتأثيرها الإيجابي على الأعمال الصالحة. يجب على المسلم أن يبتعد عن الأخلاق السيئة ويتحلى بالأخلاق الحميدة.
يجب على الصائم أن يبتعد عن الأخلاق السيئة مثل السب والشتم والغيبة، وأن يبذل الخير للناس ويكف الأذى عنهم. ينبغي للصائم أن يكون معطاءً للناس خاصة في رمضان.
كان السلف الصالح يهتمون بإطعام الطعام في رمضان ويعتبرونه من باب بذل الخير. ينبغي لنا أن نقتدي بهم ونمد أيدينا بالخير والعطاء في هذا الشهر الكريم.
يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، من المسائل العظيمة ومن فوائد النافعة التي يستفيدها المسلم من فرضية شهر الصيام أن يتربى إخواني في الله على الآداب العالية وعلى الأخلاق السامية. فرمضان هو شهر الأخلاق، المسلم مطالب بأن يحسن من أخلاقه في طيلة حياته وفي طوال عمره، إلا أنه في رمضان يشتد تأكيد على هذا الأمر وعلى هذا الباب. وكم ألمحت السنة إلى ضرورة حسن الخلق في رمضان خاصة، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم». هكذا إخواني في الله أراد الشرع الحكيم من أهل الصيام أن يكون على هذا المستوى العالي من الأخلاق العالية والآداب السامية. إن سابه أحد، اعتدى عليك من اعتدى باليد أو اللسان أو الجوارح، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم. حاول يا عبد الله وأنت في شهر الصيام أن تروض نفسك، روضها على الآداب، هذبها على الأخلاق، عن سفاسف الأمور وعن مساوي الأخلاق. إخواني في الله، أمر الأخلاق من الأمور العظيمة التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وأمرها عظيم، لكن للأسف الكثير من المسلمين والمسلمات ظنوا أن أمر الأخلاق أمر عادي وأنه أمر يرجع إلى الجبلة. فتجد أن بعض الناس لربما يبتلى بخلق فاسد، مثل شدة غضب، من شدة حنق، فإذا نُوصح بأن يترك هذا الخلق وأن يترك هذا الصنيع لربما اعتذر لك يا عبد الله بقوله: هذا طبعي، هذا طبعي، أو هذا نهج كذا تعودت. لا يا عبد الله، ليس في باب الأخلاق ما يعتذر لصاحبه بحجة الطبع والعادة. لا يا عبد الله، بل أنت محاسب، أمر الأخلاق يا عبد الله أمر عظيم، بل هو أمر كفيل بأن يدخلك ربك جل وعلا به الجنة. سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: «تقوى الله وحسن الخلق»، أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق. تقوى الله هي علاقة العبد مع ربه، وحسن الخلق هي علاقة العبد مع الناس مع الخلق. ونبينا عليه الصلاة والسلام أخبر كذلك كما في السنن، قال: «أنا زعيم -أي أنا كفيل- ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان مازحًا، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». ومن نبينا عليه الصلاة والسلام أعلى مراتب الجنة لمن حسن خلقه. فيا عبد الله، فأنت في شهر الصيام حاول أن تعود نفسك على الأخلاق الحميدة. من كان قد ابتلي بالكذب ولا بد أن يكذب في حديثه، لا يا عبد الله في رمضان لا كذب، كن شعارك صدق الحديث. إن كنت يا عبد الله على بلاء من اعتداء على الناس، من أخذ المتاع من السرقة هنا وهنالك، من الأخلاق الذميمة، لا يا عبد الله، ربي نفسك على الصون من اعتداء على حرمات ومحارم المسلمين، من دمائهم وأموالهم وأعراضهم وهكذا. يا عبد الله، قس على سائر الآداب التي ابتليت بها قبل رمضان، حاول أنك تروض نفسك في رمضان على أن تتركها وأن تجتنبها وأن تكون على أحسن حال. واعلم يا عبد الله أن من عظيم أثر الأخلاق أنها تؤثر في العمل، تؤثر في العمل الصالح. لا تظن أن الأخلاق لها باب وأن العبادات والأعمال لها باب، تقول: ولو أني على قلة أدب ولو أني على قلة أخلاق، لكن عندي أعمال صالحة بها أصل إلى الله جل وعلا. لا يا عبد الله، هناك صلة، الأخلاق الفاسدة تؤثر على الأعمال الصالحة. وقد حسن شيخ الألباني رحمه الله تعالى بإسناد حسن ما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل». فهنا ربط، فسوء الخلق إذا ابتليت يا عبد الله بسوء من مساوي الأخلاق، اعلم علم اليقين أنها بالضرورة ستؤثر على أعمالك الصالحة، تؤثر على فرائضك، تؤثر على واجباتك، تؤثر على القربات والنوافل، ومنها الصيام. ومنها الصيام، كونك على خلق فاسد في رمضان فإن هذا يؤثر على صيامك. والدليل على ذلك ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». من لم يدع قول الزور -ومر معنى أن قول الزور الزور من الزور وهو الانحراف وهو كل قول منحرف، أي قول محرم- من لم يدع قول الزور أي الأقوال المحرمة، والعمل به أي الأعمال المحرمة، والجهل، قال العلماء: الجهل هو الاعتداء على الناس وترك الحلم. ترك الحلم هذه أشياء متعلقة بالأقوال والأعمال والأخلاق، ما مصيرها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فليس لله حاجة إذا ما تركت هذه الأمور الثلاثة، فليس لله حاجة في أن يضع طعامه وشرابه»، أي الصائم، فما الفائدة يا عبد الله من إمساكك؟ وما الفائدة يا عبد الله عن تركك للطعام والشرب وأنت لم تنكف ولم ترعوِ عن مساوئ الأخلاق؟ فعلينا إخواني في الله أن نعلم أن نعلم أثر الأخلاق على الأعمال الصالحة عامة وعلى الصيام خاصة، ونحن في رمضان علينا عباد الله أن ننظر في أنفسنا، فمن ابتلي منا بخلق فاسد، فرمضان فرصة، بما جعل الله جل وعلا فيه من معونة العبد، تستغل هذه المعونة يا عبد الله بأن الله يخلصك من مساوئ الأخلاق. فلا تكن سبابًا، لا تكن شتّامًا، لا تكن مغتابًا، لا تكن لعانًا، لا تكن قاطعًا، لا تكن بذيئًا، لا تكون جاهلًا، وهكذا يا عبد الله، حاول أن تعاشر الناس بالتي هي أحسن، حتى ولو كنت معتدى عليك، ولو كنت معتدى عليك، ادفع بالتي هي أحسن. فليس من أخلاق الصائمين أن ترد السبب بالسبب، أو ترد الشتمة بالشتمة، أو ترد اللعنة باللعنة، وإنما ادفعه، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم. ترفع يا عبد الله عن من لا خلاق له ولا دين، ترفع يا عبد الله عن أعمال السفهاء، ولا تجاريهم في سفههم وفي تصرفاتهم. فهذا إخواني في الله، فالأخلاق يستفاد من أعظم ما يستفاد في شهر رمضان، والأخلاق إخواني في الله ضابطها واسع، وقد مر معنا أن الأخلاق يقوم على ركنين أساسيين، وبها تجتمع كلمات العلماء في تعريفهم ما معنى الأخلاق، وأنها تقوم على أمرين اثنين: على بذل الندى، وعلى كف الأذى. يهمنا في هذا الباب أن ننزل هذه المعاني في رمضان، فمن أخلاق الصائمين في رمضان أنك يا عبد الله تحوز على هذين المقامين حتى تكون ممن آتاه الله ممن روض نفسه على الأخلاق الحميدة. قد يقول قائل: أنا أرى نفسي أني على خلق حميد، انظر لها على هذه القاعدتين، هل أنت ممن يبذل الندى؟ وهل أنت ممن يكف الأذى؟ فإن كنت على التسير بين أمرين اثنين فأنت على خير حال وأنت على خلق حسن. أما إن تخلف أحد هذين الركنين فاعلم يا عبد الله أن في أخلاقك خللًا وأن فيها دخلًا، عليك أن تعدل، عليك أن تصلح في أخلاقك. نبدأ إخواني في الله في بذل الندى، من صور أخلاق الصائمين التي ينبغي أن يتمتع بها الصائم أنك يا عبد الله تبذل الندى، وما معنى الندى؟ قد مر معنا في تعريف العلماء أن الندى بمعنى الخير، بمعنى النفع، أنك تبذل الخير، تبذل النفع للناس، وهذه دلالة على حسن خلقك، دلالة على حسن خلقك. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام له النصيب الأوفر من هذا النمط من أنماط الأخلاق، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «كان نبينا عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان»، أجود ما يكون في رمضان، تتميمًا لباب الأخلاق وهو من أحسن الناس خلقًا عليه الصلاة والسلام، إلا أنه أراد أن يعلم أمته بضرورة هذا النمط من أنواع الأخلاق أنك تبذل الندى، تبذل الخير. ومن ذلك الجود، الجود بمعنى البذل، بمعنى العطاء، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى في شرح لهذا الحديث: وأن الجود في رمضان يدخل فيه كل أنواع العطاء، سواء كان بذل مال أو بذل إطعام أو كان بذل علم أو بذل نصيحة إلى آخر أنواع البذل. فعلينا إخواني في الله أن نحرص على هذا النوع من أنواع الأخلاق وهو بذل الندى، بذل العطاء، بذل الخير. الناس في بلادنا خاصة ونحن في هذا الوطن نتكلم بين إخواننا وبين أهلينا وأسرنا، نعلم حاجة الناس، الناس يحتاجون إلى من يمد لهم يد العون، فلا تجعل يا عبد الله أحدًا يسألك، وإنما أنت تسارع، تنظر للمحتاجين للمعوزين، تعطي ما تستطيع أن تعطيه، ولو كما في الحديث: ولو بشق تمرة. لكن تربية تربية للنفس على إخراجها من سخافة النفس ومن شحها ومن بخلها، حاول يا عبد الله أنك تعطي في رمضان، فليكن هذا من ديدنك، وليكن من نمطك ومن أدبك ومن سلوكك في رمضان خاصة أن تكون معطاءً، تعطي يا عبد الله تعطي القليل، تعطي الكثير، تعطي المال، تعطي ولو حتى الطعام. بل كان الشعار شعار سلفنا الصالح في رمضان أنهم كانوا يهتمون بأمرين اثنين: بالقرآن؛ لأنه إصلاح النفس، وبإطعام الطعام؛ لأنه إصلاح الغير. قال إمام الزهري رحمه الله تعالى: «إذا أقبل رمضان فإنما هو إطعام الطعام وقراءة القرآن»، إطعام الطعام وقراءة القرآن. وكان السلف رحمهم الله تعالى يهتمون بهذا الباب بباب إطعام الطعام؛ لأنه من باب بذل الخير، ولأن الناس في رمضان بحاجة ماسة إلى من يطعمهم، إلى من يطعمهم. ولهذا أثر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قد أعد فطورًا له، فلما قرب فطوره جاءه سائل ويسأله، فما كان عنده شيء، فقام ابن عمر رضي الله تعالى عنه وتبرع بفطوره بأكمله إلى ذلك المسكين، وبقي بلا إفطار، رضي الله تعالى عنه. وأثر ذلك عن الحسن البصري، وأثر ذلك عن إمام أحمد، وأثر ذلك عن المبارك رحمهم الله تعالى، وجماعات من سادات السلف أنهم كانوا يهتمون بهذا الباب، بل ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا. فكان عندهم الطعام المعد لهم، لكن إذا جاءهم المسكين وإذا جاءهم المحتاج لربما دفعوا هذا الطعام لمن يحتاج، وجلسوا بغير إفطار، وذلك من باب حبهم لأن يلتمسوا وأن يصلوا إلى هذه المقامات العظيمة من مقامات الدين وهو الإحسان. فعلينا عباد الله أن نفعل مثل هذه الأخلاق الحميدة، وأن نصل وأن نوصل المنافع وأن نوصل الخير لغيرنا، وإنما إلى غيرنا من جيراننا من أقاربنا من أرحامنا ومن ندري ومن نعرف ومن لا نعرف من المساكين والمحتاجين، وذلك بالتلمس وبسؤالهم والتخبر عنهم وإعطائهم ما يمكن إعطاؤه. وكان كما قلنا السلف هذا حالهم، قال أبو سوار العدوي رحمه الله تعالى: «كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام وحده قط»، ما يعرف هذا عنهم، قال: «ما أفطر أحد منهم على طعام وحده قط»، قال: «إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أكل أخرج طعامه إلى المسجد فأكل مع الناس». انظر إلى هذه التربية في رمضان، ما عنده إلا شعار الجود والبذل، لابد لابد أن يدخل رمضان ويؤل على نفسه أنه ما يأكل طعامًا، إفطار لوحده قط. فإن وجد ضيفًا، إن عثر على مسكين، إن آثر على جار، إن آثر أو حصل على صاحب وصديق يفطر معه، فذاك يفطر مع غيره، يطعم. قال: «فإن لم يجد أحدًا قال: أخرج طعامه إلى المسجد فأكل مع الناس»، أكل مع الناس. فإخواني في الله، فعلينا في وعظنا في هذا الشهر الكريم أن نعود أنفسنا على هذا الخلق، وخاصة هذا الباب من باب الأخلاق وهو بذل الندى، بذل الخير، إعطاء الناس الصدقات، إعطاء الناس الزكوات، إعطاء الناس النفقات، وكل على قدر حاله. نبينا عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائمًا كان له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا». قال بعض سلفنا الصالح: «هل تعجز أن تصوم في رمضان أكثر من مرة؟» قال: «وكيف ذاك؟» هو شهر واحد أصوم، قال: «لا، لك أن تصوم رمضان أكثر من مرة، وكيف ذاك؟» أنك تطعم الطعام، أنك تفطر الصائم، تتفطر أنت وتفطر غيرك، هذا واحد وهذا واحد، فتفطر أكثر. هذا كله معدود في حساب صومك، كأنك يا عبد الله صمت أكثر من مرة، وذلك بإفطار طبعًا. ولا يشترط من باب التنبيه: لا يشترط بإفطار الصائم ويطعم الطعام أن يكون وليمة كاملة، وليمة فيها سخاء، إن قدر على ذلك فهذا من الكرم، لكن إن لم يقدر ولو بتمرة، تمر يا عبد الله معك تمر، تعطي لهذا الجار وتعطي لذاك القريب وذاك الرحم وذاك الصديق وذاك الصاحب. تجعل يدك يا عبد الله ممدودة بالخير، ممدودة بالخير. فإخواني في الله، فرمضان هو شهر الأخلاق، شهر الأخلاق، حاول يا عبد الله أن تمد يديك إلى غيرك، أي بالنظر والسؤال والتخبر، وأنك تجعل يدك ممدودة إلى الناس، وذلك بالعطاء وبالبذل والجود والسخاء. ولهذا يقول الشافعي رحمه الله تعالى: «وأحب للرجل في رمضان أن يكثر من الجود اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس لذلك»، أو كما قال رحمه الله تعالى. وهذا من فقه العظيم رحمه الله تعالى ورحمة واسعة، قال: «وأحب للرجل -أي إن كان هناك خلق يا عبد الله تريد أن تتزيّ به وأن تتحلّ به في رمضان- فعليك بالجود، لماذا؟» ذكر أمرين اثنين، قال: «اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس لذلك». فهذا إخواني فيما يتعلق بالركن الأول من أركان الأخلاق وهو بذل الندى، ويأتي إن شاء الله في درسي القادم بإذن الله الركن الثاني وهو ماذا؟ كف الأذى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.