شرح عقيدة السلف للصابوني 11

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 11، ألقاها

مسألة اللفظ بالقرآن وردود الأئمة

يناقش المقطع مسألة اللفظ بالقرآن التي أثارها الجهمية وأفراقهم، حيث ادعوا أن لفظهم بالقرآن مخلوق. الأئمة أنكروا عليهم هذا القول واعتبروه مذهبًا جهميًا يراد به إثبات خلق القرآن.

آراء الأئمة حول اللفظ بالقرآن

الجهمية أحدثوا مسألة اللفظ بالقرآن، والأئمة مثل إسحاق بن رهويه والإمام أحمد يرون أن الخوض فيها غير ضروري والاكتفاء بالقول بأن القرآن غير مخلوق.

موقف الإمام أحمد بن حنبل من اللفظ بالقرآن

الإمام أحمد بن حنبل يعتبر "اللفظية جهمية" ويغلق الباب أمام الخوض في هذه المسألة، معتبرًا أن المقصود باللفظية هم الذين يقولون إن لفظهم بالقرآن مخلوق.

ختام الدرس وتأجيل الشرح

أعلن الإمام أبو عثمان الصابوني تأجيل شرح عبارة إمام أحمد بسبب ضيق الوقت، واختتم الدرس بالدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى في كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث»: قال: «فأما اللفظ بالقرآن، فإن الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني ذكر في رسالته التي صنفها لأهل جيلان: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوقٌ يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن». قوله رحمه الله تعالى: «فأما اللفظ بالقرآن»؛ «أما» يؤتى بها للتقسيم، وكذلك للانتقال، فهو رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما تقدم من أن كلام الرب جل وعلا منزلٌ غير مخلوق، أنه منزلٌ غير مخلوق، وأن من زعم أنه مخلوقٌ فقد كفر بالله العظيم، انتقل هاهنا رحمه الله إلى مسألةٍ أخرى من مسائل أهل الأهواء في مسألة كلام الرب جل وعلا، وهي مسألة اللفظ بالقرآن. ومعنى مسألة اللفظ بالقرآن: أن القائل «لفظي بالقرآن مخلوق»، «لفظي بالقرآن مخلوق»؛ هذه العبارة كما ذكر من ذكر من الأئمة رحمهم الله أثارها الجهمية وأفراق الجهمية. بعد أن بيَّن الأئمة رحمهم الله تعالى الحكم في مسألة خلق القرآن، وأن من قال بأن القرآن مخلوق بأنه كافرٌ بالله العظيم، من قال إن القرآن مخلوق فإنه كافرٌ بالله العظيم؛ فالجهمية وأفراق الجهمية لما شاع هذا القول عند المسلمين وأظهره أئمة الإسلام رحمهم الله تعالى، قال: انتقلوا إلى أمرٍ آخر، انتقلوا إلى عبارةٍ فيها إجمال يقصدون بها المقصد الذي كانوا يقولونه قبل، وهو الذي أنكره الآئمة والسلف، فأتوا بهذه العبارة «لفظي بالقرآن مخلوق»، «لفظي بالقرآن مخلوق» ماذا أرادوا بذلك؟ أرادوا بذلك أن القرآن مخلوق. فالجهمية وأفرخ الجهمية حينما أطلقوا هذه اللفظة أو هذه العبارة أرادوا هذا المعنى، لذا أنكر عليهم الآئمة رحمهم الله تعالى، وسموهم بأنهم جهمية؛ لأن حقيقة القول هو حقيقة قول الجهمية، وهو أن القرآن مخلوق. فالقائل من هؤلاء «لفظي بالقرآن مخلوق» معناه أن القرآن مخلوق، لذا قال رحمه الله: «فأما اللفظ بالقرآن، فإن الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني -وهو الإمام الشهير رحمه الله تعالى الملقب بشيخ الإسلام الحافظ الحجة- ذكر في رسالته التي صنفها لأهل جيلان المسمى باعتقاد أئمة الحديث: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن». هذا القول من الإمام أبي بكر الإسماعيلي تجرية وتوضيحا لمعنى هذه العبارة وتفصيل لهذه العبارة؛ لأنه يقول: «من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن»، أي أن القرآن هو المخلوق، قال: «فقد قال بخلق القرآن». وقد تقدم معنا أن من قال بخلق القرآن فهو كافر والعياذ بالله. ولفظه رحمه الله تعالى في كتابه «اعتقاد أئمة الحديث» قال: «من قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن». وهذا يبين لنا ما تقدم ذكره من أن الجهمية أتوا بعبارة مستعارة يقصد بها القول بأن القرآن مخلوق، لكن أتوا بعبارة أخرى فيها شيء من التلبيس والتدليس كعادة أهل الأهواء. قال: «وذكر ابن مهدي الطبر في كتابه الاعتقاد الذي صنفه لأهل هذه البلاد: أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه ووحيه وتنزيله وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وأن القرآن في صدورنا محفوظ، بألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وهو الكلام الذي يتكلم الله عز وجل به، ومن قال إن القرآن بلفظ مخلوق -انظر إلى هذه العبارة- أو لفظ به مخلوق فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم». ومعناه هو معنى ما تقدم: أن من قال إن لفظ بالقرآن مخلوق يقصد به أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -وهو الحاكم- قال: قرأت بخط أبي عمر المستملي -وهو كذلك من الثقات- قال: سمعت أبا عثمان تعيد بن إشكاب -وهو كذلك من الثقات- يقول: سألت إسحاق ابن إبراهيم -إسحاق ابن إبراهيم أي ابن رهويه رحمه الله- عن اللفظ بالقرآن، فقال: لا ينبغي أن يناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق». يعني يقول: سألت عن اللفظ بالقرآن ما حكم اللفظ بالقرآن؟ أي هل لفظ بالقرآن مخلوق أم لفظ بالقرآن غير مخلوق؟ يقول رحمه الله تعالى: «لا ينبغي أن يناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق». أراد الإمام إسحاق رحمه الله تعالى ابن رهويه أراد بذلك أن هذا القول وهذا التعبير هل القرآن لفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ لفظ لم يعرف عن السلف. ما هو المعروف عن السلف؟ المعروف عن السلف أن القرآن غير مخلوق، تكلم بهذا وقف عما سواه، لا تتكلم به سوى هذا الكلام. وكأنه يؤدب هذا السائل ويعلم هذا السائل أنه يقول له: لا تخض فيما لم يتكلم فيه إمام قبلك؛ لأن مسألة اللفظ بالقرآن حادثة، أحدثها الجهمية وأفراخ الجهمية. فالحاصل من هذا أن مسألة اللفظ بالقرآن مسألة حادثة، فكان الأئمة الذين حدثت هذه البدعة في زمنهم يمنعون الخوض فيها وينهون عن الكلام فيها، ويقولون: عليكم بقولكم الأول، عليكم بما تعرفونه. ما هو الذي تعرفونه؟ إذا قال لك قائل: هل لفظ بالقرآن مخلوق؟ فقل له: القرآن غير مخلوق، انتهى الكلام. هل لفظي بالقرآن مخلوق؟ الجواب ما هو؟ قل له: القرآن غير مخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، هكذا كان السلف الأئمة رحمهم الله تعالى: إسحاق بن رهويه، والإمام أحمد، ومن كان في طبقتهم. قال: «وذكر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في كتابه الاعتقاد الذي صنفه في هذه المسألة -وقال: الكتاب مشهور باسمه صريح السنة الذي صنفه في هذه المسألة- وقال: أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه -يعني اسمع إلى كلام ابن جرير الطبري رحمه الله يقول: أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن- أي لفظي بالقرآن، لفظي بالقرآن- يقول: فلا أثر فيه نعلمه عن صحابة ولا تابعة». أي: ليس هذا من أقوال الصحابة ولا من أقوال التابعين، قال: «إلا عن من في قوله الغناء والشفاء، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله مقام الأئمة الأولى -ومن يقوم قوله مقام الأئمة الأولى أبي عبد الله أحمد بن حنبل- يعني يقول: هذه المسألة لا أعلم قائلا بها من الصحابة ولا من التابعين، وإنما علمت قولا لإمام من أئمة المسلمين رحمه الله تعالى قوله يلحق بقول السابقين لإمامته رحمه الله تعالى في الدين والسنة، وهو الإمام أحمد رحمه الله». قال: «فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: اللفظية جهمية». يقول: «اللفظية جهمية»، قال عز وجل: ﴿فَأَجْلُوا حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، قال: «ممن يسمع». وهذا الأثر ثابت عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ذكره كما ترون ابن جرير الطبري بإسناد صحيح، وكذلك ذكره عبد الله بن أحمد في كتاب السنة، قال: «سألت أبي عن اللفظ في القرآن فذكر نحو مما ذكر عندنا هاهنا بل وأوسع من ذلك»، قال: «ثم سمعت جماعة من أصحابنا -يعني الشاهد من هذا- يقول: اللفظية جهمية». الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: «اللفظية جهمية»، ما معنى «اللفظية جهمية»؟ معناه: أن الذي يقوله إن القرآن إن لفظي بالقرآن مخلوق هو جهمي؛ لماذا هو جهمي؟ لأن هذا القول الأول من ابتكره وابتدعه وأحدثه الجهمية، ماذا يريدون به؟ يريدون به القول بأن القرآن مخلوق. فالإمام أحمد رحمه الله تعالى علم المقصد من وراء هذه المقالة، فقال: من زعم من قال إن القرآن إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، فهو ماذا؟ جهمي؛ لأن قوله هو قول الجهمية من أن القرآن مخلوق. قال رحمه الله تعالى: «ثم سمعت جماعة من أصحابنا -لا أحفظ أسماءهم- يذكرون عنه رضي الله عنه أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع». يعني انظر الإمام أحمد رحمه الله كما تسمعون ما جعل قولا ثالثا، أغلق الباب تماما في الخوض في هذه المسألة. فكلامه وكلام إسحاق ابن راهويه رحمهم الله تعالى ينصب في مصب واحد، وهو إغلاق هذا الباب وسد هذا الباب أمام أولئك الجهمية الذين افتتحوه ليدخلوا الشر منه على أهل الإسلام. فالإمام أحمد رحمه الله تعالى كما تسمعون يقول: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي؛ لأن مقصده بذلك أن القرآن مخلوق»، قال: «ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع؛ لماذا هو مبتدع؟ لأنه تكلم بكلام لم يسبق إليه، تكلم بكلام محدث في باب الاعتقاد؛ لأن قولهم «لفظ بالقرآن غير مخلوق» محتمل أن يقصد باللافظ الملفوض الذي هو القرآن ويقول صوابا، ويحتمل أن يقصد باللافظ اللفظ نفسه أي فعل العبد، وفعل العبد مخلوق، فقول غير مخلوق بهذا الاعتبار باطل، بل هو من قول القدرية الذين يقولون بأن أفعال العباد غير مخلوقة. قال محمد بن جرير: «ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله -أي غير قول الإمام أحمد رحمه الله- إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع، وهو الإمام المتبع رحمة الله عليه ورضوانه». قال الإمام أبو عثمان الصابوني: «قلت: طيب هو سيشرح عبارة إمام أحمد رحمه الله تعالى، والوقت كما ترون قد حضر وقصرت العشاء، فنؤجل الكلام وتعليق الصابوني إلى درس آخر بإذن الله تبارك وتعالى». فإلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على