شرح عقيدة السلف للصابوني 27

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 27، ألقاها

تحذير السلف من الخوض في المعاني الباطنة

يروي يزيد بن هارون قصة رجل سأل عن معنى حديث الرؤية، ويحذره من الخوض في المعاني الباطنة دون الاكتفاء بالظاهر. هذا التحذير يشبه ما حدث مع صبيغ الذي عوقب لخوضه في معاني القرآن دون فهم ظاهرها.

قصة صبيغ التميمي وعقوبة الخوض في المتشابه

يروي الإمام قصة صبيغ التميمي الذي سأل عمر بن الخطاب عن آيات متشابهة في القرآن، فعاقبه عمر وضربه حتى تاب. هذه القصة أصبحت منهاجًا للعلماء في التعامل مع أهل الأهواء والبدع بعد التوبة.

تعريف أهل البدع وتحذير الإمام مالك منهم

يذكر المقطع تعريف الإمام مالك لأهل البدع بأنهم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته دون أن يسكتوا عما سكت عنه الصحابة والتابعون. كما يبين حكم مخالفة هدي الرسول وصحابته، حيث يشدد على اتباع سبيل المؤمنين وهدي الرسول.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هاد له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابون رحمه الله: ورووا عن يزيد بن هارون، وهو أحد الأئمة الحفاظ المشاهير ممن تناقل الأئمة حديثه في كتبهم ومصنفاتهم، وكان رأسًا في السنة، قال: ورووا عن يزيد بن هارون في مجلسه حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله في الرؤية، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر﴾. وهذا الحديث كما هو معلوم متفق عليه. فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد، ما معنى هذا الحديث؟ قال: فغضب وحرد، وقال: «ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به، ويلك، ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث أو يتكلم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلا من سفيه نفسه واستخف بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعوه ولا تبتدعوا فيه، فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم». وهذا الأثر صحيح إلى يزيد بن هارون، رواه البخاري رحمه الله تعالى في كتابه «خلق أفعال العباد»، وكذلك عبدالله بن أحمد في «السنة»، وغيرهما. وفيه كما هو ظاهر أدب من آداب التي كان يؤدب بها الأئمة والسلاف رضي الله عنهم ورحمهم الله تلميذهم، فيزيد بن هارون رحمه الله تعالى هو في طبقة مشائخ الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فهو في طبقة ما يقارب تابعي تابعين. فحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤية: ﴿إنكم ترون ربكم، إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر﴾، فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد، ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد. هل غضب الإمام يزيد بن هارون لأن الرجل سأل سؤال مستعلم أم أنه سأل سؤال متكلف الجواب؟ لا شك ولا ريب أنه غضب لأجل أن السائل سأل سؤال متكلف؛ لأنه سأل لم يسأل عن المعنى الظاهر، لأن المعنى الظاهر ظاهر، إنكم تنظرون إلى ربكم، المعنى واضح. كل عربي يفهم هذا المعنى. لكن لما فهم يزيد بن هارون رحمه الله تعالى من السائل أنه سأل عن معنى الباطن أو قل سأل عن الكيفية بقوله: ما معنى هذا؟ أي كيف؟ كأنه يقول: كيف ننظر إلى ربنا جل وعلا؟ وهذا السؤال فيه نوع اعتراض، لذا أغلظ عليه يزيد بن هارون رحمه الله تعالى في القول، فقال له: «ما أشبهك بصبيغ...». قال الإمام الصابون رحمه الله: وقصة صبيغ الذي قال يزيد بن هارون للسائل: «ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به»، هي ما رواه يحيى بن سعيد وهو الأنصاري عن سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين رضي الله عنه ورحمه الله: «أن صبيغًا التميمي أتى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ﴿والذاريات ذروا﴾، قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿فالحاملات وقرا﴾، قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿فالمقسمات أمرا﴾، قال: الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن ﴿فالجاريات يسرا﴾، قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته»، قال: ثم أمر به فضرب مئة سوط، ثم جعل في بيت حتى إذا برئ دعا به، ثم ضربه مئة سوط أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يحرم عليه مجالسة الناس، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى الأشعري، فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجده شيئًا، فكتب إلى عمر يخبره، فكتب إليه: «ما أخالهم إلا قد صدق، خل بينهم وبين مجالسة الناس». قال: ورووا عن حماد بن زيد عن قطن بن كعب قال: سمعت رجلًا من بني عجل يقال له خالد بن زرعة يحدث عن أبيه قال: «رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلق، فكلما جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم: أهل الحلقة الأخرى، عزمة أمير المؤمنين»، أي أن أمير المؤمنين عزم عليهم أن لا يجالسه أحد. قال: ورووا عن حماد بن زيد أيضًا عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار: «أن رجلًا من بني تميم يقال له صبيغ قدم المدينة، فكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه جلس، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، قال عمر: وأنا عبد الله عمر، أنت عبد الله صبيغ وأنا عبد الله عمر، قال: ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي»، ذهب رضي الله عن عمر. وهذا الآثار فيه انقطاع بين سليمان بن يسار وبين عمر، لكن كما سمعتم أن الآثار بمجموعها ترتقي إلى الحسن. وقد صحح هذه الطرق أو بعض هذه الطرق شيخنا العلامة الوادي رحمه الله تعالى كما في كتابي «نشر الصحيفة». فالأثر كما سمعتم ثابت عن عمر. وهذا الأثر صار منهاجًا يسير عليه العلماء رحمهم الله تعالى في معاملة أهل الأهواء والبدع بعد التوبة إن تابوا، مثل ما فعل عمر رضي الله عنه وأرضاه. جاء في بعض روايات أنه تركه عام حتى ظهرت توبته تمامًا، وأنه ترك الكلام والخوض في المتشابه، فلما بلغ ذلك عمر أمر الناس بمخالطته، فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على أن من كان حاله مثل حال صبيغ ينبغي أن يعامل - ولا سيما من ولاة الأمور - كمعاملة صبيغ من حيث التعزير، من حيث النفي، من حيث الهجر، حتى يتوب إلى الله جل وعلا ويرجع عما كان فيه من العبث واللعب والخوض في آيات الله جل وعلا. فإن تاب ترك مدة حتى ينظر: هل صحت توبته أم لا؟ إن صحت توبته وظهرت توبته خالطه الناس، وإلا ترك حتى تظهر توبته خشية أن يخالط الناس فيفسد الناس بشره. وقد ذكروا لهذا الأثر قصص أخرى أو رواية أخرى، منها: «أن صبيغًا هذا كان سيد قومه، فكان عمر يدعو الله: بلغه أن رجلًا يتكلف المتشابه ويدخل على الناس المتشابه في القرآن، فكان عمر يدعو الله جل وعلا أن يمكنه منه، فجاء يومًا فدخل صبيغ على عمر، فتكلم بشيء من المتشابه، قال له عمر: لعلك الرجل الذي أبحث عنه؟ أنت صبيغ؟ قال: نعم، فأهوى إليه بالضرب حتى جاء في بعض الروايات أنه ضربه حتى أسال الدم إلى رجليه، وفي بعض الروايات: حتى أغمي عليه، ثم حبس حتى عوفي، ثم ضربه مرة أخرى، ثم حبس، فلما جاء في المرة الثالثة قال له: يا أمير المؤمنين، إن أردت قتلي فأحسن القتلة، وإن أردت تأديبي فوالله قد ذهب الذي في رأسي»، قد ذهب الذي في رأسي. قال الإمام الصابون رحمه الله تعالى: قال أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن موسى السلمي، قال: أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي، قال: حدثنا محمد بن عمير الرازي، قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العلاف التوزي بمصر، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا أشهب بن عبد العزيز، قال: سمعت مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى وغفر له يقول: «إياكم والبدع»، قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: «أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون». هذا تعريف ووصف من الإمام مالك رحمه الله تعالى لأهل البدع. أهل الأهواء الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون، لا يكتفون بما اكتفى به الصحابة والتابعون، بل زادوا على ما كان عليه الصحابة والتابعون وخرجوا عما كان عليه الصحابة والتابعون. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما سمعتم: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة». وهذا يوافق تمامًا ما ذكره الإمام مالك رحمه الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». وأول من يدخل في هذا الظهور وهم على الحق: الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. هذا حكم من الله رب العالمين جل وعلا فيمن خالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على