الدرس في كتاب النكاح والطلاق 23، ألقاها
يشترط لتحريم الرضاع أن يتم خلال السنتين الأوليين وأن يكون قد قام مقام الغذاء. استدل الفقهاء على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يشترط لتحريم الرضاع خمس رضاعات مشبعات، ويفصل في كيفية احتساب الرضعة وآثار الرضاع على الحرمة والحل.
الرِّضَاع يُثبت أحكام المحرمية مثل النسب، ويحل ما يحل بالنسب، وتقبل شهادة المرأة في إثبات الرضاع مثل الولادة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثانية من هذا الباب من باب الرضاع: شروط الرضاع المحرم وما يترتب على قرابة الرضاع. أولًا: شروط الرضاع المحرم، لا يعد الرضاع موجبًا للقرابة وناشرًا للتحريم إلا بشرطين، وهما: أولًا، أن يكون الإرضاع خلال السنتين الأوليين من عمر الرضيع، فلا يؤثر الرضاع بعد السنتين. قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، لمن أراد أن يتم الرضاعة، فتمام الرضاع أن يكون في الحولين، ومفهومه أن ما كان فوق الحولين فهو زائد على التمام. فدلت الآية بطريق الإيماء والإشارة إلى أن زمن الإرضاع الكامل التام هو في الحولين، أي سنتين الأوليين من ولادة الطفل، مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، أي مع الآية الأخرى وهي في قول الله جل وعلا في آية سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. وحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام». وهذا الحديث حديث حسن بشواهده وطرقه، وهو كالنص في المسألة. قالوا: فالرضاع المحرم هو ما كان في الصغر وقام مقام الغذاء، وذلك حيث يكون الرضيع طفلًا، فيسد اللبن جوعه وينبت لحمه. الشرط الثاني: أن ترضع خمس رضاعات مشبعات فأكثر، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما نزل من القرآن عشر رضاعات معلومات يحرم، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن». والحديث في صحيح مسلم. ولو رضع طفل في الحولين أو دون ذلك من امرأة أربع رضاعات مشبعات، هل يكون بذلك ولدًا لها؟ الجواب: لا يكون ولدًا لها؛ لأنه لم يستوف نصاب الرضاعات. بقي ما هو الضابط في الرضاعات المعتبرات؟ هل العبرة بأن يمتص الطفل شيئًا من ثدي تلك المرأة قل أو كثر؟ أم أن العبرة بالإشباع؟ والقول الأقرب في هذه المسألة أن الرضعات المعتبرات هن بأن يرضع الطفل من ثدي المرأة فيدعه من غير عارض. فالعبرة في المصة بأن يمتص الصبي أو الطفل من ثدي المرأة اللبن ويدعه عن اختيار، باختياره، سواء كانت هذه الرضعة مشبعة أم لم تكن مشبعة. قالوا: ولو وصل اللبن إلى جوف الطفل بغير الرضاع، كأن يقطر في فمه أو يشربه في إناء ونحوه، فحكمه حكم الرضاع، بشرط أن يحصل من ذلك خمس مرات. ما يترتب على قرابة الرضاع، يترتب على القرابة الناشئة بسبب الرضاع حكمان: الأول حكم يتعلق بالحرمة، والثاني حكم يتعلق بالحل. أما ما يتعلق بالحرمة، فإن الإرضاع له من التأثير في الحرمة مثل ما لقرابة النسب، فأمك من الرضاع وإن علت، وبنتك من الرضاع وإن سفلت، وأختك من الرضاع لأبويك أو لأحدهما محرمات عليك بسبب هذه القرابة التي جاءت عن طريق الرضاع. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما. فعلم من ذلك أن الرضاع المعتبر بشروطه وضوابطه تثبت فيه أحكام المحرمية كما تثبت في النسب. وأما ما يتعلق بأثر الحل، فإن كل ما يحل بينك وبين قريبة لك من النسب كالأم والبنت، يحل بينك وبين من بينها رضاعة، فيحل بينهما النظر والخلوة. لحديث عائشة رضي الله عنها وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة». ومعنى هذا أن ابن الأم من الرضاع يحل له أن ينظر إلى أمه من الرضاع كما يحل له أن ينظر إلى أمه من النسب. المسألة الثالثة: إثبات الرضاع، يثبت الرضاع بشهادة امرأة واحدة مرضية معروفة بصدق، شهدت بذلك على نفسها أو على غيرها أنها أرضعت طفلًا في الحولين خمس رضاعات. وذلك لحديث عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة فجاءت امرأة فقالت: إني قد أرضعتكما، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كيف وقد قيل؟ دعها عنك أو نحوه». ولأن هذه شهادة على عورة، فتقبل فيها شهادة نساء منفردات عن الرجال كالولادة. فلو أن امرأة أخبرت رجلًا أو أخبرت امرأة بأنها قد أرضعت ذلك الرجل أو أرضعت تلك المرأة، وثم قرائن تدل على إمكان ذلك، فإن قولها مقبول ومعتبر. لما جاء في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عقبة بن الحارث رضي الله عنه وفي امرأته بالفراق، وأن ينفسخ نكاحهما بسبب تلك المرأة التي شهدت بأنها قد أرضعت كليهما. فتثبت بذلك أحكام الرضاع والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.