الدرس في كتاب النكاح والطلاق 22، ألقاها
يتناول تعريف الرضاع لغة وشرعًا وأدلة مشروعيته. يُعرَّف الرضاع لغةً بأنه مص اللبن من الثدي أو شربه، وشرعًا بأنه مص طفل دون الحولين لبنًا ناتج عن حمل.
يناقش شروط الرضاع التي تثبت بها الحرمة وأثره على المحرمية. يُشترط أن يكون اللبن لبن آدمي ناتج عن حمل، ويثبت الرضاع في الحولين حسب بعض الآراء.
الرِّضَاع يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَثُبُوتِ الْمُحَرَّمِيَّةِ، وَيُشْبِهُ فِي ذَلِكَ النَّسَبَ. الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
يتضمن الدعاء بإثبات التفرد الإلهي لله تعالى والتسبيح بحمده والاستغفار منه. يعبّر عن توبة العبد ورجوعه إلى الله وطلب المغفرة.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب التاسع في الرضاع، وفيه مسائل. أي أن هذا الباب معقود في الكلام على مسائل الرضاع. يقال: الرضاع، والرضاع في الكلام على أحكام ومسائل الرضاع. وسيأتي معنا بإذن الله تبارك وتعالى جملة مختصرة من أحكام الرضاع. المسألة الأولى: تعريف الرضاع، ودليل مشروعيته، وحكمه. وهذه المسألة كما ترون تضمنت أمورًا ثلاثة: التعريف بالرضاع، ودليل المشروعية لرضاع، وحكم الرضاع. أولًا: تعريف الرضاع. الرضاع لغةً: بفتح الراء، ويجوز كسرها. أي: يقال: رضاع، ويقال: رضاع. مص اللبن من الثدي أو شربه. أي: أن ذلك كله يقال له رضاع، سواء التقم الطفل ثدي المرأة فرضع منه مباشرة، أو صب له من الثدي لبنًا فشرب ذلك اللبن، يسمى رضاعًا. وشرعًا: هو مص طفل دون الحولين لبنًا ثاب عن حمل، أو شربه. أو نحوه. وهذا تعريف الرضاع شرعًا. وكما مر معنا مرارًا أن هناك علاقة دائمًا بين التعريف اللغوي والتعريف الشرعي، إلا أن التعريف الشرعي دائمًا ما يأتي عامًا مطلقًا، والتعريف اللغوي يخصص ذلك العموم أو يقيد إطلاقه. فتعريف الرضاع شرعًا: هو مص طفل دون الحولين لبنًا ثاب عن حمل. قولهم: هو مص طفل دون الحولين، فيه إشارة أو فيه تصريح إلى أن الرضاع المعتبر أن يكون من طفل، وأن يكون هذا الطفل دون الحولين. قولهم: دون الحولين، أي: في الحولين، فما دون. لأن الله تبارك وتعالى جعل الرضاع في الحولين. جعل الرضاع المعتبر الكامل في الحولين، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. وقولهم: هو مص طفل، خرج ما كان أو من كان ليس بطفل، كالكبير. وقولهم: دون الحولين، خرج الطفل الذي قد زاد عمره على الحولين. وهذا بناء على مسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في ضابط الرضاع المعتبر. بمعنى: ما هو السن المعتبر في صحة انتشار الحرمة في الرضاع؟ فالجمهور من أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن السن المعتبر شرعًا في الرضاع أن يكون في الحولين فما دون. بمعنى أن الطفل إذا رضع من امرأة في الحولين، فإن ذلك الرضاع تنتشر فيه الحرمة مع استيفاء بقية الشروط. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الرضاع ليس له مدة مقيدة محصورة، بل متى رضع الإنسان من امرأة رضاعات معتبرات في انتشار الحرمة، فإنه يثبت له حكم الرضاع ولو كان كبيرًا. استدل الأولون بما سبق ذكره من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وقوله جل ذكره: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. قالوا: ثلاثون شهرًا يستخرج منهم الحولين للرضاع، وستة أشهر فدل على أن مدة الرضاع التي يثبت فيها حكم الرضاع أن يكون في الحولين. وما زاد على الحولين فإنه لا عبرة بالرضاع من ذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الرضاع يثبت بالرضاع دون اعتبار للسن. مستدلين بما جاء في الصحيحين في قصة سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما جميعًا، من أنه رضع وهو ولد كبير شاب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إرضعيه تحرم عليه». فاستدل بهذا جماعة من أهل العلم، وعلى رأسهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، على أن الرضاع الكبير معتبر إذا استوفى بقية الشروط. وذهب بعض أهل العلم إلى القول بقول ثالث قد يكون بين القولين. أي: بين القول الأول والثالث. فقالوا: إن الأصل في الرضاع الذي تنتشر به الحرمة أنه يكون في الحولين. ويستثنى من ذلك من كان حاله كحال سالم مولى أبي حذيفة، فإنه يصح رضاعه ويكون رضاعه معتبر ولو كان كبيرًا. وسالم مولى أبي حذيفة تربى في بيت أبي حذيفة منذ الصغر، يعاملونه كولد لهم في البيت. فلما كبر تحرجت امرأة أبي حذيفة لأنه صار أجنبيًا وصار كبيرًا، فاستفتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ارضعيه تحرمي عليه». فقال علماء رحمهم الله تعالى: فمن كان حاله كحال سالم مولى أبي حذيفة، أنه تربى في بيت ناس، يربيه في البيت منذ الصغر وهو طفل، فإذا كبر شق عليه كيف يعمل الآن؟ قالوا: تصنع كما صنعت زوجة أبي حذيفة: «ارضعيه تحرمي عليه». وهذا القول كما ترى قول متوسط، وتدل عليه عمومات الأدلة. فالأصل أن الرضاع لا ينتشر في الكبير الذي قد تجاوز عمره السنتين، إلا من كان حاله كحال سالم مولى أبي حذيفة، تربى في البيت منذ الصغر، وصار فراقه عليهم فيه مشقة وفيه عسر. فمثل هذا لا بأس أن يرضع ولو كان كبيرًا. وقولهم: لبنًا ثاب عن حمل، ثاب أي: راجع. وقولهم: لبنًا، خرج ما ليس بلبن. وقولهم: ثاب عن حمل، أي: كان سببه حمل. ولا بد أن يقيد هذا اللبن بلبن آدمية. ليخرج من ذلك غير أو سوى الآدمية. فلو أن طفلًا رضع من شاة وضعت حملها، فهل يثبت له المحرمية؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه لا بد أن يكون اللبن لبن آدمي. إذن لا بد من هذا القيد أن يقال: هو مص طفل دون الحولين لبن آدمي ثاب عن حمل. أي: كان سببه الحمل. أو شربه، أي: سواء كان ذلك اللبن امتصاص يمتصه ذلك الطفل مباشرة من ثدي تلك المرأة، أو كان ذلك الطفل أعطي ذلك اللبن فشربه شربًا من غير امتصاص. دليل مشروعية الرضاع: الرضاع مشروع لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. وهذا فيه دلالة على جواز الاسترضاع، أي: طلب الرضاع للطفل. وتعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رضعته حليمة السعدية، وغيرها من المرضعات. كما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رضعته كذلك ثويبة، وهي أمة كانت لأبي لهب. فهذه الأدلة تدل على مشروعية استرضاع الأطفال، وعلى جواز ذلك. ولكن مما ينبغي أن ينبه عليه في هذا المقام أن الرجل أو الأب أو الأم إن رضع ولده من امرأة، عليها أن تتحرى وتقيد أن ولدها قد رضع من فلانة بنت فلان رضاعات معتبرات ثبت له بها الحرمة، لما يترتب على ذلك من أحكام المحرمية. إذ لو لم يقيد ذلك لكان سببًا لحصول الريبة، وربما تزوج ذلك الطفل إذا كبر أخته من الرضاع أو بنت أخته من الرضاع أو ما شابه ذلك. فلا بد من التقييد والتحري والتنبه لذلك الأمر، فلا إفراط ولا تفريط. لا يمنع الرضاع مطلقًا، ولا يكون بعض الأولاد كما يقال: تارة في بيت فلانة ترضعه، وتارة في بيت فلانة ترضعه. لا بد من ماذا؟ من تحري في هذا الأمر، وضبط لهذا الأمر لأجل أن لا يقع الإنسان في المحظور في المستقبل. الأمر الثالث: حكم الرضاع. حكم الرضاع حكم النسب في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية، وإباحة الخلوة والنظر. فهو موجب للقرابة، ناشر للتحريم بشروطه. والدليل على التحريم بالرضاعة: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. وذلك في سياق بيان المحرمات من النساء. الله تبارك وتعالى سمى المرضعة للطفل أمًا له، وبنتها أختًا له. فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. وأما السنة: فحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة». والحديث متفق عليه. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة». ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم. وأما الإجماع: فقد أجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع. وكما جاء في نص رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». فكل امرأة تحرم بالنسب تنزل مثلها من النساء في الرضاع منزلتها. فالأم من الرضاع كالأم من النسب، والأخت من الرضاع كالأخت من النسب، والبنت من الرضاع كالبنت من النسب، والعم من الرضاع كالعم من النسب، والخالة من الرضاع كالخالة من النسب، والجدة من الرضاع كالجدة من النسب. وهكذا قل في بقية المحارم. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». فتثبت بذلك المحرمية للمرأة مع من أرضعتها، وللرجل مع من أرضعته. وأولادها يكونون إخوانًا له، وأخواتها يكون خالات له، وزوجها يكون أبًا له، وإخوانها يكونون أعمامًا له. وهكذا قل في انتشار المحرمية كانتشارها في النسب. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.