الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 30، ألقاها
يؤكد على أهمية التسليم لأوامر الله ورسوله، ويبين أن الإسلام لا يثبت إلا على التسليم، مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال السلف. يشدد على ضرورة الإيمان والتسليم لإخبارات الله ورسوله دون اعتراض.
يشرح معنى الحديث النبوي حول بداية الدين وعودته إلى الغربة، ويبين أن التمسك بالدين يجعل المسلم غريبًا لكنه مبشر بالجنة. يؤكد أن طائفة من المسلمين ستظل على الحق ظاهرين حتى قيام الساعة.
يُبين أهمية التمسك بالسنة في زمن الفتنة ويُشبه ذلك بالقابض على الجمر، ويوضح أن الطاعة المستمرة قد تكون أفضل من الشهادة في سبيل الله، مستدلاً بأقوال العلماء والصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابون رحمه الله تعالى: قال الإمام الزهري إمام الأئمة في عصره وعين علماء الأئمة في وقته: «على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم». تقدم معنا الكلام على هذا الأثر من حيث الثبوت أنه ثابت، وتقدم كذلك الكلام معنا بإيجاز من حيث المعنى، وأن ما عليه السلف هو ما تقدم ذكره: «على الله البيان»، ربنا تبارك وتعالى أنزل علينا الكتاب العظيم تبيانًا لكل شيء، «وعلى الرسول البلاغ»، الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين، «وعلينا التسليم»، أي بقي الذي علينا. وعلينا البيان من الله جل وعلا قد حصل ووقع، والبلاغ من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد حصل وقد وقع، بقي علينا التسليم والإيمان لإخبارات الله جل وعلا وإخبارات رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، دون أن يعترض عليها بشيء من الاعتراضات، بل تتلقى الإخبارات من الله جل وعلا ومن رسوله صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم والإذعان والتصديق والإقرار، وكل معاني الإيمان بخبر الله جل وعلا وبخبر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله: «وعن بعض السلف قال: قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم». وهذا فيه معنى ما تقدم: «قدم الإسلام»، أي لا يستقر الإسلام قرار، ولا يثبت لهم كذلك مقام إلا على التسليم، التسليم لأخبار الله جل وعلا ولأخبار رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا تامًا. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. الأمر إلى الله جل وعلا وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا الإيمان والإذعان والتسليم، هذا يكون به الإسلام، والمسلم سمي مسلمًا لتسليمه لأوامر الله جل وعلا وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لإخبارات الله جل وعلا ولإخبارات رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو مسلم لله جل وعلا بما أمر أو نهى أو أخبر، وكذلك لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أو نهيه أو خبر أو خبر رسوله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو الطاهر ابن خزيمة قال: حدثنا جدي الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة رحمه الله قال: حدثنا أحمد بن نصر قال: حدثنا أبو يعقوب الحنيني قال: حدثنا كثير بن عبد الله المزني -وكثير بن عبد الله المزني ضعيف جدًا- عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن هذا الدين بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء». قيل: ومن الغرباء؟ قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: «الذين يحيون سنة من بعد ما أماتها ويعلمونها الناس». الحديث بهذه الزيادة كما سمعتم من طريق كثير بن عبد الله المزني، وهو ضعيف جدًا، ولكن أصل الحديث ثابت في صحيح مسلم وغيره: «إن هذا الدين بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». هذا ثابت جاء من حديث أبي هريرة في الصحيح، وجاء كذلك من حديث غيره، لكن بهذه الزيادة: «قيل: يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنة من بعد ما أماتها ويعلمونها الناس»، فبهذه الزيادة لا يصح. قال: وشاهد منه أن الدين بدأ غريبًا، أول ما بدأ الدين بدأ غريبًا، أنكره أقرب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضلًا عن أباعدتهم، ثم بحمد الله جل وعلا ظهر وتجلى الأمر، وسيعود غريبًا كما بدأ، أي في آخر الزمان، وهذا للأسف هو الواقع اليوم، لا تكاد ترى إنسانًا على الدين القويم إلا من رحم الله، ومن كان على هذا الدين القويم على هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان غريبًا، كان غريبًا في وطنه، في مجتمعه، في أسرته، بين جيرانه، في كل مكان غريب، مع أن الحق معه، ولكنه غريب لغربة الإسلام كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فكم من إنسان تجده يتعجب من إنسان لبس ثوبًا إلى نصف الساقين وارتدى العمامة وعفى اللحية وأخذ السواك وظهر بمظهر أهل الاستقامة؟ في بلدنا هذا بحمد الله جل وعلا، ولا سيما في السنوات الأخيرة صار الأمر معتادًا في كثير من الأماكن، لا في كلها بحمد الله جل وعلا، في كثير أو قل في أكثر الأماكن الحمد لله الخير موجود، لكن قبل زمن أو في غير هذه البلد وبعض البلاد التي وفقها الله جل وعلا لإظهار السنة تجد السنة غريبة. السنة غريبة كما بدأ هذا الدين غريبًا في كل شيء، إذا تحدث وأنكر المنكرات الظاهرة التي دلت عليها الأدلة الواضحة الظاهرة قالوا: أتى بدين جديد، وإذا فعل شيئًا من السنن المهجورة بأدلة الكتاب والسنة قالوا: أتى بدين جديد، وإذا فعل ما فعل من الطاعات وأحيا ما أحيا من السنن قالوا: أتى بدين جديد، غريبة، بدأ غريبًا أي هذا الدين وسيعود غريبًا كما بدأ. ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم بشر هؤلاء الغرباء بقوله: «فطوبى للغرباء». وطوبى كما فسرها العلماء رحمهم الله تعالى، منهم من قال: بأنها شجرة في الجنة تسمى طوبى، ومنهم من فسرها بالطيب في العيش وعيش الحياة والعيش بعد الممات، طوبى أي دعاء بطيب الحياة أو طيب المعاش في الدنيا والأخرى. فهذه بشارة لك أيها المسلم المتمسك بكتاب الله جل وعلا وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولو أنكرك الناس ولو آذاك الناس ولو نفر عنك الناس، أنت منصور بنصر الله جل وعلا لك في الدنيا والأخرى، وأنت كذلك مبشر بالطيب في الحياة في الدنيا والأخرى، منصور لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». تأمل إلى هذه المعاني: لا يضرهم ولو تكالب الأعداء، لا يضرهم من خالفهم ممن هو ليس معهم وليس منهم من كفار ومنافقين ومن كان على شاكلتهم، ولا من خذلهم ممن هو من جلدتهم ويتكلم بألسنتهم، حتى يأتي أمر الله، أي حتى تقوم الساعة وهم على ذلك، لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين. وجاء في بعض الروايات: «لا تزال طائفة من أمتي منصورة على الحق منصورة بنصر الله جل وعلا»، لها القائل: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾، نصر بالثبات، نصر بالتوفيق، نصر بالإمداد والعون، هذا نصر عظيم من الله جل وعلا لأهل الاستقامة ولأهل الطاعة، فليحمدوا الله جل وعلا أن وفقهم إلى ذلك. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن الكاريزي يقول: سمعت علي بن عبد العزيز -وهو البغوي إمام من أئمة الحديث- يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام -الإمام المحدث اللغوي الفقيه من قرناء الإمام أحمد رحمهم الله تعالى جميعًا- يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: «المتبع للسنة كالقابض على الجمر»، وهو اليوم عندي -وهو اليوم عندي- أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. الله أكبر، هذا في زمن من؟ هذا في زمن في أواخر زمن السلامة في القرن الثالث، خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. يقول أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: «المتبع للسنة كالقابض على الجمر»، لماذا؟ لكثرة الأعداء من الداخل ومن الخارج، ولكثرة المخالفين من الداخل ومن الخارج، ولكثرة المنفرين من الداخل ومن الخارج، ولكثرة الخصوم من الداخل ومن الخارج، فهو باتباعه وتمسكه بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم كأنه قابض على جمر. تأمل إلى هذا المثل: رجل قابض على جمر، كيف يكون حاله؟ يدل على ماذا؟ يدل على قمة في الصلابة، على قمة في الصلابة، وهذا من توفيق الله جل وعلا، هذا من توفيق الله جل وعلا، لا بحول من العبد ولا بقوة، ولا بشكاعة، ولا بأنه من كبار الصابرين، ولكنه توفيق من الله وعون من الله ونصر من الله ومدد من الله جل وعلا، فلله الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. قال: وهو اليوم عند أبي عبيد رحمه الله أفضل من ضرب السيف في سبيل الله، المتمسك بالسنة المتبع لها ظاهرًا وباطنًا أفضل من ضرب السيف في سبيل الله جل وعلا. وكما قيل: الموت أو القتل في سبيل الله جل وعلا شهادة وكرامة، والحياة في سبيل الله جل وعلا أعظم من ذلك، أن تعيش وأنت في سبيل الله جل وعلا على طاعة الله جل وعلا، أنت في كرامة. ولعله مر ببعضكم الحديث الذي صححه شيخنا رحمه الله في «الصحيح المسند» في قصة الرجلين المتآخيين، أحدهما استشهد في أول الإسلام في سبيل الله جل وعلا، والآخر مات بعده بسنين، فلما أرادوا أن يصلوا عليه قالوا أو سألوا الله جل وعلا أن يبلغ منزلة صاحبه الذي قتل في سبيل الله جل وعلا، الآخر الذي عاش واستمر ثم مات من غير قتل، أصحابه عندما صلوا عليه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوا أن يبلغه الله جل وعلا منزلة صاحبه، في دلالة على ماذا؟ على أن منزلة الشهيد عالية، فهم سألوا الله جل وعلا أن يبلغه منزلة صاحبه. فلما سمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ قال: «أين صلاته من صلاته؟ وأين صيامه من صيامه؟ وأين صدقته من صدقته؟» ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى أن الذي عاش في سبيل الله جل وعلا سنين وهو على طاعة الله جل وعلا أرفع درجة من الشهيد في سبيل الله جل وعلا الذي مات قبله بسنين؟ لماذا؟ لأجل هذا المعنى، لأجل هذا المعنى الذي ذكره وعبر عنه أبو عبيد بقوله رحمه الله: «وهو اليوم عنده أفضل من ضرب السيف في سبيل الله». نكتفي بهذا القدر، انتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.