كتاب الحدود 2

الدرس في كتاب الحدود 2، ألقاها

الحكمة من إقامة الحدود وتأثيرها

الحكمة من إقامة الحدود هي حفظ المجتمع وتحقيق الأمن والاستقرار، وتطهير العبد من الذنوب. إقامة الحدود تكون كفارة للعبد في الدنيا والآخرة.

أحكام إقامة الحدود والعفو عنها

يجب إقامة الحدود إذا ثبتت البينة، ويحرم قبول الشفاعة فيها بعد بلوغها للإمام. يُستحب العفو عن الحد قبل بلوغه للإمام، وهناك خلاف حول إقامة الحد على من تاب قبل بلوغه.

تفاصيل إقامة الحد ومكانه

الإمام أو نائبه هو من يقوم بإقامة الحد، ويجوز إقامته في الساحات العامة أو الخاصة، لكن لا يجوز في المسجد. يشترط حضور شهود ليشهدوا الحد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في الباب الأول في الكلام على تعريف الحدود ومشروعيتها والحكمة منها. والحكمة من مشروعية الحدود شُرِعت الحدود زجرًا للنفوس عن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله سبحانه، فتتحقَّق الأمنيات في المجتمع، ويشيع الأمن بين أفراده، ويسود الاستقرار، ويطيب العيش. هذه حكمة من الحكم، أو هذه من الحكم، أن شُرِعت زجرًا للنفوس عن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله سبحانه وتعالى، سواء كان ذلك التعدي من الاعتداء على أموال الناس كالسرقة، أو أعراض الآخرين كالوقوع في فاحشة، أو شُرب الخُمور الذي هو ضارٌ على الشخص، وربما يُؤدِّي إلى الإضرار بغيره. لما علم من أن السكران، ولا سيما إذا كان طافحًا، يكون كالمجنون، فزجرًا للنفوس عن ارتكاب هذه المحرمات ونضائرها، زجرًا أشَّرُ عنها بهذه الحُدود. كما قيل: ومن الناس شريرٌ، ولكن إذا عرف العقوبة خف شره. وللإجرام تحسبه شديدًا ضعيف الرأي يجهل ما يضره. فبعض الناس لا يزجرهم إلا مثل هذه الزواجر، إذا علم أنه إذا سرق، اعتُدَّ على ما يُوجِب الحد، كان حده أن يُحدَّ حدًا رادعًا لأمثاله، يكون ذائرك زاجرًا له من أن يقع في شيء من تلك المحرمات. وكلما ساد وظهر وقوي أمر الحدود في الدولة الإسلامية، كلما قلَّ الشر وظهر الأمن واستقرَّت نفوس الناس، وأمِنُوا على أموالهم، وأمِنُوا على أعراضهم من الاعتداء وغير ذلك. وكلما خفَّ أو قلَّت الحدود، كلما ظهرت المعاصي بشتى أنواعها وألوانها، بل ربما يحصل المجاهرة بهذه المعاصي والعياذ بالله، ويضعف الأمن، ويكثر الشر، وتظهر ما تظهر من عذاب الذنوب والمعاصي على الأفراد والمجتمعات، بسبب تركهم لحدود الله جل وعلا. انظروا إلى المجتمعات التي تُقيم حدود الله جل وعلا، كيف أن الله جل وعلا جعل فيها من الأمان والاستقرار والرخاء وغير ذلك من معاني الأمن والاستقرار والغنى. والعكس بالعكس، البلاد التي ليس فيها هذه الحدود، لا تُقام فيها هذه الحدود، تجد الشر فيها ظاهرًا والخوف منتشرًا والظلم فاشيًا إلى غير ذلك من الأشياء المؤسفة، سبب ذلك تركهم لحدود الله جل وعلا. بأن الله جل وعلا شرع لنا في هذه الشريعة التي هي في أعلى مراتب الكمال والحكمة والإتقان والرحمة والعدل، شرع لنا هذه الشرائع حفاظًا على الضروريات الخمس: على الأديان، على الأنفس، على الأعراض، على الأموال، على العقول. وقبل ذلك كذلك على العقل، أي حفظًا للضروريات الخمس التي هي الدين والعقل والنفس والمال والعرض. إذا نظرنا في حدود الله جل وعلا، في الحدود التي شرعها الله جل وعلا، فإن فيها حفاظًا على هذه الأمور. فلأجل الحفاظ على الدين، شرع الله جل وعلا حد الردة، لأجل أن يرتدع المسلم من أن يفكر أو أن يخاطر بدينه. وإذا رأينا إلى النفس، حد الله جل وعلا أو جعل الله جل وعلا القصاص. إذا رأينا في أمر العقل حفاظًا على ضرورية العقل، جعل الله جل وعلا الحد في شارب الخمر، لأنه يذهب عقله بنفسه. وإذا رأينا إلى حفظ ضرورية الأعراض، جعل الله جل وعلا حد الزنا، وكذلك جعل حدًا للقذف. وإذا نظرنا كذلك إلى ضرورية المال، نرى ونجد أن الله جل وعلا شرع حدًا للسرقة. فهذه حفاظًا على هذه الضروريات، حفاظًا على هذه الضروريات التي شرعها شرع الله جل وعلا هذه الحدود حفظًا وحفاظًا لهذه الضروريات التي لا قوام للعبد ولا حياة له إلا بها، أي حياة نافعة إلا بها. فإذا من حكمة الله جل وعلا في شرع هذه الحدود، كما ذكرها هنا، زجر للنفوس عن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله سبحانه وتعالى إلى آخر ما ذكر. كما أن فيها تطهيرًا للعبد في الدنيا، وقبل هذا من أعظم الحكم الحفاظ على الضروريات، الحفاظ على الضروريات بهذه الحدود، يحفظ الله جل وعلا جنس هذه الضروريات من التعدي عليها أو من إتلافها. كما أن فيها تطهيرًا للعبد في الدنيا، والتقييد بالدنيا قد يكون في حق المسلم وغيره. التطهير في الدنيا قد يكون في حقه، قد يكون في حق المسلم وغيره، وفي الدنيا والآخرة يكون خاصًا بالمسلم، لأن المسلم هو الذي معرض لعفو الله جل وعلا ومغفرة ورحمته، بخلاف غيره، فإنه لا تناله رحمة الله، لا تناله رحمة الله. فلو أن مسلمًا وقع في شيء من هذه الحدود، فأقيم عليه ذلك الحد، كان ذلك الحد تطهيرًا له من ذلك الذنب في الدنيا، وكذلك يكون سببًا لتطهيره منه يوم القيامة بإذن الله جل وعلا، ولا سيما إن صحبه بتوبة. وأما الكافر، فقد يكون ذلك تلك العقوبة في دنياه، أما في الأخرى فلا. كما أن الكافر إذا عمل حسنة، أي إذا عمل معروفًا في الدنيا، فإنه يجازى بها طعمة أو شربة، كما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد. أن يكون جزاؤه في الدنيا، أما في الآخرة فأعظم سبب لرحمة الله جل وعلا الإسلام، وأعظم مانع من رحمة الله جل وعلا الكفر، الكفر، وليس بعد الكفر كما قيل، أو ليس فوق الكفر إثم. فالحاصل أن التقييد ها هنا في العبد ليشمل. والله أعلى وأعلم، هذا وذا قالوا لحديث عبادة بن صامت مرفوعًا في البيعة، أي في مبايعته للنبي صلى الله عليه وسلم، أو في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وفيه: ومن أصاب من ذلك شيئًا، أي من تلك القاذورات، فعوقب به، أي فحد بسبب تلك المعصية، فهو كفارة تلك المعصية التي وقع فيها. أن يحد حد تلك المعصية التي وقع فيها، لهذا الحديث هو متفق عليه. وحديث خزيمة بن ثابت مرفوعًا: من أصاب حدًا أقيم عليه ذلك الحد، فهو كفارة ذنبه، فهو كفارة ذنبه. وهذه الحدود مع كونها محققة لمصلحة، مع كونها محققة لمصلحة العباد، يقول: أن يقال محققة باعتبار أنه عاد إلى ماذا؟ الحدود ومحققة. وهذه الحدود مع كونها محققة، أي تحقق لمصلحة العباد، وهو محققة باعتبار ماذا؟ أنها تحقق مصلحة العباد، فإنها عدل كلها وإنصاف، لأنها تنزيل ممن من حكيم حميدًا حميدًا، الذي يضع كل شيء في مكانه المناسب، والذي لا يظلم شيئًا. إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تكُ حسنة يضاعفها، ويؤتي من لدنه أجرًا عظيمًا. فإنها عدل كلها وإنصاف، بل هي غاية العدل الذي ليس فوقه عدل، لأنه من الله رب العالمين جل وعلا. فهذه كما سمعتم من حكم الحدود التي شرعها الله جل وعلا. الأمر الرابع: وجوب إقامة الحدود وتحريم الشفاعة فيها. تجب إقامة الحدود بين الناس، منعا للمعاصي وردعًا للعصاة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرغبًا في إقامة الحدود: إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة من بلاد الله عز وجل. وهذا فيه كما ترون فضل عظيم لإقامة الحدود في البلاد، لأنها رحمة من الله جل وعلا تكون بسببها رحمة من الله جل وعلا للبلاد والعباد. كما جاء هذا الحديث عند أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد حسن. قال: وتحرم الشفاعة في الحدود لإسقاطها وعدم إقامتها إذا بلغت الإمامة وثبتت عندهم. كما يحرم على ولي الأمر قبول الشفاعة في ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: من شفع في حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره. وهذا أيضًا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره، يعني جاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ولرده صلى الله عليه وسلم شفاعة أسامة، ولرده صلى الله عليه وسلم شفاعة أسامة بن زيد في المخزومية التي سرقت، وغضبه لذلك حتى قال صلى الله عليه وسلم: وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها. والحديث كذلك متفق عليه. وأما العفو عن الحد قبل أن يبلغ الإمام، فجائز، لقوله صلى الله عليه وسلم للذي سرق رداءه، وهو عبد الله بن أُميّة أخو أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهما، للذي سرق رداءه، فأراد أن يعفو عن السارق. فقال: هل قبل أن تأتيني به؟ والحديث رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح. وفيه قصة في أن عبد الله بن أُميّة كان نائمًا في المسجد، واضعًا رأسه على ردائه أو على لحاف له، فسرقه إنسان، فأمسك به وأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يد السارق. فقال عبد الله بن أُميّة: يا رسول الله، أتقطع يده لأجل هذا الرداء الذي يساوي ثلاثين درهمًا؟ أنا أهبه له، أنا أهبه له، يعني يقوم متنازلًا عن حقه، أعطيه له. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان ذلك قبل أن تأتيني به؟ فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على مسألتين. المسألة الأولى: على جواز العفو قبل أن يرفع إلى الإمام، على جواز واستحباب العفو قبل أن يرفع إلى الإمام إلى الحاكم. المسألة الثانية: وجوب الحد إذا بلغ إلى الإمام، واستبانت البينة للإمام، أنه لا يجوز له أن يعفو، لقوله: هل كان ذلك قبل أن تأتيني به؟ فاستدل به العلماء رحمهم الله على هاتين المسألتين. قبل رفعه إلى الإمام، يستحب على ما ذكر في الدرس الماضي، إن كان إنسان ليس معروفًا بالشر، إن كان إنسان كان فقيرًا، ظهر عليه علامة الحاجة، لم يكن من أهل الشر ولا الفساد، ها هنا يُخفى عنه ويُستر عليه. أما إذا كان معروفًا بالشر والفساد والإيذاء للآخرين، فمثل هذا يُرفع لأجل أن يُكفى شره، يُرفع أمره إلى الحاكم لأجل أن يُكفى أو يُكفَّ شره. بقي ها هنا مسألة ذكرها العلماء رحمهم الله، وقع فيها خلاف، والخلاف قوي بين العلماء، وهي: إذا تاب فاعل المعصية التي تستوجب الحد، تاب إلى الله جل وعلا توبة ظاهرة، وظهرت عليه علامات التوبة والإنابة والندم، الانكسار، الذلة بسبب وقوعه فيما وقع به. فمثل هذا، هل يُقام عليه الحد أم لا يُقام عليه الحد؟ ذكر في المسألة قولان. القول الأول: ذهب إليه أكثر الشافعية والحنابلة وغيرهم من أهل العلم، من أنه يُوجب الحد، يجب أن يُقام عليه الحد، استدلالًا بعمومات الأدلة في ذلك. وأن الحد إذا بلغ إلى السلطان، فإنه يجب عليه أن يُقيمه، وليس له أن يعفو في حد أو في حد من حدود الله جل وعلا، ليس له أن يعفو في حد من حدود الله جل وعلا، ولا سيما وقد ظهر الحكم في ذلك جليًا للسلطان أو للحاكم. قالوا: أخذًا بالأصل أن الحدود إذا رفعها الحاكم، يجب عليه أن يُقيمها. واستدل بما تقدم معنا من أدلة في الناهي عن الشفاعة في الحدود، وما شابه ذلك، إذا رفعت للحاكم. ومنها أيضًا ما تقدم معنا: تعافوا بينكم، فما بلغني فقد وجب، فما بلغني فقد وجب. هذا ظاهر العموم، وهذا ظاهره العموم، أي في التائب وفي غيره، في التائب وفي غيره، ولا يخص ذلك العموم إلا بدليل. القول الثاني: ذهب إليه كذلك جماعة من أهل العلم، وهو قول نسب إلى بعض الشافعية، وكذلك بعض الحنابلة، وفي آخرين. وهذا القول هو الذي نصره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو أن الإنسان إذا تاب وأناب وظهرت عليه آثار التوبة والإنابة، وارتفع إلى الحاكم وهو على ذلك الأمر. فإن الحاكم يعفو عنه، إلا أن يصر على إقامة الحد، إلا أن يصر على إقامة الحد، فيقيمه عليه. لأن أصحاب القول الأول، يعني مما سددوا به أيضًا حديث ماعز وحديث الغامدية. قالوا: حديث ماعز، ظاهره أنه جاء تائبًا، لأنه قال: يا رسول الله، طهرني، وجاد بنفسه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد تاب توبة لو وزعت على أهل المدينة لو وسعتهم. وجاء في حديث الغامدية أنه قال: لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لو وسعتهم أيضًا. فدل هذا على أنهما تائبان، ومع هذا أقام عليهما الحد. أصحاب القول الثاني استدلوا بأدلة منها قول الله جل وعلا في آية الحرابة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فظاهر الآية ورسوا الآية على أن المحارب لو أنه تاب قبل المقدرة عليه، وأناب إلى الله جل وعلا قبل المقدرة عليه، وجاء إلى الحاكم تائبًا منيبًا خاضعًا، قالوا: فإن الله جل وعلا يقول: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال: وإذا كان هذا في حق المحارب، وقد يكون هذا المحارب قد أظهر الفساد في الأرض، من تقتيل، من تقطيع، من ترويع، من نهب. ومع هذا، إن تاب وجاء تائبًا إلى الحاكم، قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي لا حد عليه. قالوا: فغيره ممن وقع في شيء من الحدود، مما هو أدنى من المحارب، فهو من باب أولى أنه لا حد عليه، هذا أمر. وكذلك مما استدلوا به أيضًا قول الله جل وعلا في آيات السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قالوا: في الآية كذلك دلالة على هذا المعنى، أن الجزاء قبل التوبة، أما بعد التوبة، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وأيضًا مما استدلوا به، ما جاء في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز، جاء في بعض روايات حديث ماعز، أنه أعرض عنه في المرة الأولى والثانية والثالثة. فلما كان في الرابعة وأقر على نفسه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه، جاء في الحديث أنه لما رجم وأحس بحر الحجارة فر، فلما فر أدركه رجل بلحم ناقة أو جمل، فضربه به ثمات أو فقتله. فلما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «هل لو تركتموه فيتوب فيتوب الله عليه؟» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. الشاهد منهم أنه قال: «هل لو تركتموه حتى ماذا يتوب فيتوب الله عليه؟» ففي دلالة على معنى العفو، العفو. وجاء كذلك عند أبي داود وغيره، أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة، فقال: يا رسول الله، طهرني. فقال: «أو فأقيمت الصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وصلى الرجل معه. فلما انقضت الصلاة، جاء الرجل، فقال: يا رسول الله، طهرني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب». قال: «أما صليت معنا؟» قال: «نعم». قال: «فاذهب، فإن الله قد تاب عليك». وجاء في بعض الرواية أنه قال: «يا رسول الله، طهرني، قد زنيت». الشاهد منه: «اذهب، فقد تاب الله عليك»، لأنه جاء تائبًا. الشاهد من هذا أنه جاء تائبًا، فقال: «اذهب، فقد تاب الله عليك». وأيضًا مما استدلوا به كذلك ما جاء في سنن أبي داود، بسند حسن، أن امرأة خرجت لصلاة الفجر، ففي ظلمة الفجر، فاعتدى عليها رجل بما تكره، أي وقع فيها بالفاحشة والعياذ بالله. فاستغاثت المرأة بمن حولها، فسمع رجل صوتها، فأقبل عليها، فلما أقبل عليها فر الرجل الأول. فأقبل عليها الرجل التالي، لما جاء إليها، المرأة ما رأت إلا الرجل الذي أغاثها، ماذا قالت؟ «أنت». فسمعها أناس آخرون، فاستغاثت بهم، فالرجل فر. فأقبل عليه الناس، فمسكوه، فرفعوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الرجل: «يا رسول الله، المرأة استغاثتني، فأغثتها، ليست أنا صاحبها». فالمرأة تقول: «لا والله، هو، يا رسول الله». المرأة ظنت أن الرجل الذي أغاث هو الرجل الذي اعتدى عليها. والرجل يقول: «لا والله، يا رسول الله، ليست أنا». وهي تقول: «بلى والله، يا رسول الله، هو». فسأل من أغاثها، الذي جاء إغاثة لها، مرة في آخر أمر ماذا؟ «رأيتم؟» قالوا: «يا رسول الله، أقبلنا عليها، فرأينا هذا الرجل قد فر». قالوا: «هذه قرينة أن الرجل قد فر». فأمسكنا به، فاستدل بهذه القرينة على أنه هو الذي فعل. جاء في الحديث أن الرجل الذي فعل بها الفاحشة، لما رأى ذلك حضر معهم، الذي فعل الفاحشة أولًا حضر معهم. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «خذوه فارجموه»، أي للرجل المظلوم، «خذوه فارجموه»، قام الرجل، قال: «يا رسول الله، أنا صاحبها»، قام الرجل الذي فعل الفعلة. فقال: «يا رسول الله، أنا صاحبها، أنا أحق بالرجم». فحينها تبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ونظر الرجل الذي هو مظلوم، فكلمه بكلام حسن، ونظر للآخر، فقال: «اذهب، فقد تاب الله عليك»، أو قال: «قد عفى الله عنك»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: وهذا يدل على ما ذكرناه من أن الرجل تحقق في قلبه التوبة والإنابة، حتى إنه جاد بنفسه لله عز وجل من تلك المعصية، وحفظ لنفس ذلك المسلم البريء. قالوا: أي توبة أعظم من ذلك؟ ثم بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى سر المسألة. وبيّن ابن القيم رحمه الله تعالى كعادته سر هذه المسألة، وذكر أن الذنب الذي يقع من الإنسان في حق من؟ في حق الله رب العالمين جل وعلا. قال: لما قابلته توبة عظيمة، لما قابلت ذلك الذنب توبة عظيمة، حتى إن ذلك الإنسان جاد بنفسه لأجل أن يتطهر من شؤم ذلك الذنب وتلك المعصية. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فقد قام حينها في قلبه من الإيمان واليقين والتعظيم لأمر الله جل وعلا، ما محى أثر المعصية الأولى، التي هي في الأصل تطهر بماذا؟ بالحد واضح. جماعة عملاء. فحصل التطهير بماذا؟ بالتوبة إلى الله جل وعلا. وما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى من حيث الدليل والتعليل هو الأقوى، والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، قال: الأمر الخامس: من يقيم الحد ومكان إقامته. الذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، أي أن هذا الحكم حكمًا خاصًا بمن؟ أن هذا الحكم حكم خاص بالإمام. فلا يجوز أن يفتأت على الإمام أو من فوضه الإمام، نائب الإمام، إما أن يكون وزيرًا، إما أن يكون القاضي، من فوضه الإمام في هذا الباب، يعني الأصل الآن هناك مهام يفوض الإمام فيها أناسًا، الذين هم وزراء. ثم هؤلاء الوزراء يفوضون أيضًا بهذا التفويض أناسًا، يعني مثلًا وزير العدل، وزير العدل يفوض من؟ القضاء في المحاكم وهكذا. فهؤلاء يقومون مقام الإمام، مقام الإمام، فهم من نواب الإمام، فيقيم الحد إما الحاكم نفسه أو نائب الإمام. والمقصود بالإمام في هذا الباب من يا جماعة؟ ها؟ ولي الأمر. طيب، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم الحدود في حياته، ثم خلفاؤه من بعده. وقد وكل النبي صلى الله عليه وسلم من يقيم الحد نيابة عنه، فقال: «واغد يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». الشاهد منه أنه نوَّب من؟ أُنيسًا رضي الله عنه وأرضاه في إقامة ذلك الحد. ووجب ذلك على الإمام، ضمانًا للعدالة ومنعًا للحيف والظلم، لأنه إذا كان تحت نظره حصل الحد على المعنى الشارعي، ولم يحصل فيه معنى من معاني الظلم والاعتداء. ويقام الحد في أي مكان غير المسجد، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود. الشاهد: «وأن تقام فيه الحدود»، كما جاء في سنن أبي داود وغيره، بإسناد حسن، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه وأرضاه. وذلك صيانة للمسجد عن التلوث ونحوه التلوث، إما إذا كان مثلًا قطع يد، يحصل فيه ماذا؟ تلوث بالدماء. وقد يكون كما قال بعض أهل العلم: ربما الإنسان أثناء الضرورة مع الفزع الشديد، ربما يخرج منه شيء من ماذا؟ من نياسات. فيحصل فيه ماذا؟ شيء من التلوث. إلى جانب ما قد يحصل من الصخب، من السب، من الشتم. فلأجل هذا نُزهت المساجد عن هذه الأمور، نُزهت المساجد عن هذه الأمور. وجاء في بعض الرواية في قصة رجل ماعز، قال: «فأخرج إلى الحرة فرجِم»، أي فلم يرجم في ماذا؟ في المسجد. فكما ذكر أنه يرجم في أي مكان، لكن بحسب العقوبة، وبحسب ماذا؟ بمعنى أن بعض العقوبات اشترط الشرع فيها أن يكون على مسمع ومرأى من طائفة من الناس، كما جاء في حد القذف، قال: «وليشهد عذابهما». وفي حد الزنا، قال: «وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين». فلذا قال علماء: يجوز أن يقام الحد، سواء كان في الساحات العامة أو في الساحات الخاصة أو في أماكن، إذا حضر من يشهد ذلك الحد، من يشهد ذلك الحد. سوى المسجد، المسجد لا يجوز أن يقام فيه الحد. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على