الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 21، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يُعرّف المقطع الإمامة لغةً وشرعاً ويبين أنواعها مع التركيز على إمامة الصلاة وفضلها وشروط من يتقدم لها. ويرتب أولوية الإمامة بالأقرأ لكتاب الله قراءة مجودة، ثم الأفقه بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأكبر سناً، مع التنبيه على أن مجرد الحفظ مع اللحن لا يصلح للإمامة.
يقرر المقطع أن أحق الناس بالإمامة هو أقرؤهم لكتاب الله، مستدلاً بقصة عمرو بن سلمة الجرمي الذي أمّ قومه وهو ابن ست أو سبع سنين لحفظه القرآن، مما يدل على صحة إمامة الصبي المميز. كما تقرّر القاعدة أن من صحت صلاته صحت إمامته، وإذا تساووا في القراءة قُدِّم الأفقه بالسنة.
يبيّن المقطع أن الأقرأ لكتاب الله والأعلم بالسنة هو الأحق بالإمامة، فإن تساووا قُدِّم الأكبر سنّاً، ويقرر إجماع العلماء على بطلان الصلاة خلف الكافر العالِم بكفره بينما تجوز الصلاة خلف الفاسق عند الجمهور استدلالاً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة خلف أئمة الجور وفعل الصحابة. ويؤكد أن صلاة الفاسق وإمامته صحيحتان ما لم يبلغ فسقه حد الكفر.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول ما يتعلق بباب الإمامة، باب الإمامة. وقد ذكرنا مقدمة تتعلق بهذا الباب، وأن المعنى بهذا الباب هو ما يذكر فيه من آداب الإمام والمأموم، وما يجب على كل منهما ويستحب. وفيه كذلك أيضًا بيان علاقة بعضهما ببعض. وأن الإمامة في اللغة مأخوذة من الأمن، وهو القصد، كما في قوله عز وجل: ﴿ وَلَا آمِنُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ [المائدة: 2]، أي قاصدين البيت الحرام. والإمامة في الشرع تطلق على معاني متعددة، فمنها قلنا: الإمامة العظمى، الإمامة العظمى: إمام عادل. وهكذا تطلق على الإمامة في الدين، فيقال: الإمام الشافعي، والإمام البخاري، والإمام مالك، وهكذا غيرها إمامة في الدين. وهكذا أيضًا تطلق، وهو المراد به هاهنا: إمامة الصلاة، إمامة الصلاة. فبيان ما يلزم الإمام، ويلزم المأموم، ويلزم المأموم. وسبق معنا أن مرتبة الإمامة في الصلاة مرتبة عظيمة، مرتبة عظيمة، وفيها فضيلة ظاهرة، ولا يقدم فيها إلا ذو الكفاءة والجدارة. لا يقدم أي إنسان لكي يصلي بالناس، وإنما من كان كفؤًا وجديرًا، فهو الذي يقدم. فهو عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عمل كذلك أيضًا الخلفاء الراشدين، فمن بعدهم، فمن بعدهم. فيقدم الأقرأ، ثم الأفقه، وهكذا كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في حديث ابن مسعود عند مسلم وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا». يعني: أكبرهم سنًا، يعني دخولًا في الإسلام. وأما السّنّ، فالمقصود به: أكبرهم سنًا، أكبرهم سنًا. وهكذا أيضًا في هذا الحديث بيان إلى أن الأولى بالإمامة هو الأقرأ، هو الأقرأ. والمقصود بالأقرأ لكتاب الله: أي الذي يقرأ قراءة مجودة، وهكذا أيضًا يخرج الحروف من مخارجها الصحيحة مع الحفظ. فلو كان حافظًا ويكسر ويلحن، لا يصلح أن يأم الناس. ولو كانت قراءته جيدة لكنه لا يحفظ، ووجد هناك من هو أحفظ منه، فالأولى أن يقدم الأحفظ، فالأولى أن يقدم الأحفظ. جاء في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ». وأحقهم بالإمامة أقرأهم. وهكذا جاء في حديث مالك بن الحويرث في بعض طرقه، قال عليه الصلاة والسلام: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». أكثركم قرآنًا. وجاء في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة الجرمي، قال: قال أبي: جئتكم من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقًّا. قال: أي النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». قال عمرو بن سلمة الجرمي: فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، أكثر قرآنًا مني. قال: فقدموني، وأنا ابن ست أو سبع سنين، أكثرهم قرآنًا، ابن ست أو سبع سنين. وهذا فيه ماذا يا إخوان؟ صحة إمامة الصبي، صحة إمامة الصبي، بشرط أن يكون مميزًا، بشرط أن يكون مميزًا. فتصح إمامته، تصح إمامته، كما يدل على هذا هذا الحديث. وهذا هو مذهب الشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، ورواية عن أحمد. قال عطاء بن أبي رباح: لا بأس أن يأم الغلام قبل أن يحتلم، أي قبل أن يبلغ، قبل أن يبلغ. فذهبوا إلى جواز إمامته، سواء في الفرض أو في النفل. والقاعدة هنا يا إخوان: أن من صحت صلاته صحت إمامته، أن من صحت صلاته صحت إمامته. وهذا عمرو بن سلمة الجرمي كان يصلي بقومه، وهو ابن ست أو سبع سنين، لماذا؟ لأنه أكثرهم قرآنًا. حتى أنه كان يصلي بهم، ولربما لقصر ثوبه إذا سجد قد ينكشف شيء من عورته. حتى أن امرأة، والنساء يصلين وراءه، فلما سجد انكشف شيء، فصاحت المرأة، قالت: «ألا سترتم عنا عورة إمامكم؟» هذا الولد الذي يصلي بالناس. قال: فاشتروا لي ثوبًا، ففرح به فرحًا عظيمًا، فرحًا عظيمًا. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ»، المقصود به: الذي عنده فقه الصلاة. فإن كانا متساويين في القراءة، فيقدم الأفقه. فإن تعارض أقرأ لكتاب الله وأعلم بالسنة، من يقدم يا إخوان؟ عندنا حافظ ومجود، وآخر عالم بالسنة، فمن نقدم؟ الأقرأ، لهذا الحديث، لكن بشرط أن يكون الحافظ والمجود عنده معرفة بأحكام الصلاة، معرفة بأحكام الصلاة. وقوله عليه الصلاة والسلام كذلك: «فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا»، يعني أكبرهم سنًا، أي من ناحية العمر، كما في حديث مالك بن الحويرث: «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». أي إذا تساووا في القراءة وفي العلم بالسنة، ينظر من الأكبر سنًا فيقدم، فيقدم، فيقدم. طيب، ومن المسائل التي تتعلق بالإمامة: أنه لا يجوز أن يأم الكافر، أن يؤم غيره. وهذا من الأمور التي أجمع العلماء عليها، أن الصلاة خلف الكافر لا تصح، خلف الكافر لا تصح، إذا كان عالمًا بكفره، إذا كان عالمًا بحاله وعالمًا أيضًا بكفره. هذا قد نقل الإجماع عليه. أيضًا ممن لا تجوز إمامته: إمامة الفاسق، إمامة الفاسق. فالجمهور من أهل العلم على جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، قالوا: ما لم يصل إلى حد الكفر، ما لم يصل إلى حد الكفر. وهذا، أي صحة الصلاة خلف الفاسق، القول بهذا هو قول ومذهب الشافعي، وأحمد في رواية عنه اختارها جماعة من أصحابه. وهكذا أيضًا قال به أصحاب الرأي، وكثير من المالكية، ورجحه من المعاصرين جماعة، منهم العلامة ابن باز، وهكذا العثيمين وغيرهما. واستدلوا على ذلك يا إخوان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر أن يصلي خلف أئمة الجور، وكان الصحابة يصلون وراء أمراء بني أمية، وكانوا يؤخرون الصلاة، وكانوا يؤخرون الصلاة. وقد ذكر العلماء مسألة الصلاة خلف كل بر وفاجر، أي فاسق، ذكروها من مصائر الاعتقاد، كما قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: قال: «ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر، خلف كل بر وفاجر». واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة عند البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَأُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». وذكروا أن بعض الصحابة كعبد الله بن عمر كان يصلي وراء الحجاج بن يوسف الثقفي، الأمير الظالم، وكان من أفسق الناس، وكان من أفسق الناس. فالصحيح في إمامة الفاسق: أنه ما دام أنه لا يصل إلى الكفر، فصلاته صحيحة، وإمامته كذلك أيضًا صحيحة. وقد جاء عن