الخطبة بعنوان الطهارة في الإسلام، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٩ ربيع الاول ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تؤكد الخطبة أن الفلاح الحقيقي يكمن في طهارة القلب من الشرك والبدع والمعاصي، مقدِّمةً طهارة الباطن على الطهارة الحسية. وتوضح أن القرآن الكريم هو الشفاء الناجع للقلوب، فمن أقبل عليه بصدق نال الطهارة الباطنة والفوز بالجنة.
يبيّن المقطع أن طهارة القلب تتحقق بذكر الله، والعمل الصالح، والتوبة الصادقة، والبعد عن المعاصي التي تترك أثراً أسود في القلب، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. كما يؤكد اهتمام الإسلام بالطهارة الظاهرة للجسد والثياب والمكان، فرضاً وندباً، لأن الله جميل يحب الجمال والنظافة.
يبرز المقطع عناية الإسلام بالنظافة الشخصية والبيئية كعبادة، مستدلاً بأحاديث تحدد مواقيت إزالة شعر الإبط والعانة وقص الشارب، وتجعل إماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان، وتوضح آداب قضاء الحاجة. ويختم بدعوة المسلمين إلى المبادرة في حملات النظافة امتثالاً لأمر الشرع.
يدعو المتكلم الله أن يوفق من يريد الخير للبلاد، وأن يشغل من يريد السوء بنفسه ويجعل تدبيره دمارًا عليه. ويختتم الخطبة بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن ديننا الحنيف قد اعتنى عنايةً فائقة بطهارة القلوب والأبدان، واهتمَّ اهتمامًا بالغًا بنظافة العقول والبيئة التي يعيش فيها الإنسان. والطهارة طهارتان: طهارةٌ معنوية، وطهارةٌ حسية، وإن شئت قلت: طهارةٌ باطنة، وطهارةٌ ظاهرة. ألا واعلموا عباد الله أن أعظم الطهارتين وأولاهما بالعناية والاهتمام الطهارة المعنوية، وهي طهارةُ القلوب من الأمراض والأسقام، ومما يُمرِضُها ويميتُها، طهارةُ القلوب من الشرك والبدع والآثام. ولذلك، أيها المسلمون، عباد الله، فلتعلموا أن سعادة الإنسان وفلاحَه في الدنيا والآخرة إنما هي بطهارة قلبه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾. فهذه هي السعادة، وهذا هو الفلاح الحقيقي، يوم أن تلقى الله عز وجل بقلبٍ طاهرٍ سليم، ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾، سليمٍ من الشرك، سليمٍ من البدع، سليمٍ من المعاصي والذنوب. في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾. قال أبو العالية: "إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم متطهِّرون من الذنوب". إن طهارة القلوب هي من أعظم أسباب دخولك الجنة، إما ابتداءً وإما انتهاءً. يقول شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله: "ومن تطهَّر في الدنيا ولقي الله طاهراً من نجاساته دخل الجنة بغير معوِّقٍ، وأما من لم يتطهَّر في الدنيا، فإن كانت نجاسته عينيةً كالكافر فإنه لا يدخل الجنة بأي حال، وإن كانت نجاسته كسبيةً طارئة دخل الجنة ولكن بعد أن يتطهَّر في النَّار من نجاساته، ثم لم يخرج منها"، أي لم يخرج من الجنة بعد أن يتطهَّر في النَّار. فانظروا عباد الله إلى عظم طهارة القلوب. ولذلك عهد الله عز وجل لنبيين كريمين، نبي الله إبراهيم ونبي الله إسماعيل، أن يطهِّر بيته الحرام من النجس والرجس، من الشرك والكفر. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾. ولذلك نهى الله عز وجل المشركين أن يدخلوا بيته الحرام، قال عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾. فأعظم نجاسة القلوب نجاستها بالشرك، نجاستها بأن يجعل العبد إلهاً آخر من دون الله، يدعوه ويرجوه ويستغيث به، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها المسلمون، عباد الله، إن القلوب قد يتطرَّق لها شيءٌ من النجاسة، إما بشركٍ أو بدعٍ أو معاصٍ وآثام، فكيف يتم تطهيرها وإزالة ما بها؟ إن تطهير القلوب، عباد الله، إنما يكون بالإقبال على الله بقراءة كتابه وتدبُّره وتمعُّنه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾. نعم، أيها المسلمون، عباد الله، إن القرآن شفاءٌ للقلوب والأبدان، شفاءٌ من كل شهوةٍ وشُبهةٍ، لمن أقبل عليه بصدقٍ وإخلاص. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾. إن شفاء القلوب ونقاء القلوب وصفاءها إنما يكون بذكر الله: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. إن تطهير القلوب ونقاءها وصفاءها إنما يكون بالعلم النافع والعمل الصالح. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾، ذلك أزكى لهم، أي أطهر لهم، عندما يغضون من أبصارهم. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾، والصدقة من أعظم أعمال البر والخير. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾، ذلك خيرٌ لكم وأطهر. فالعبادات والأعمال الصالحات من أعظم أسباب تزكية النفوس، وأيضًا من أعظم أسباب صفاء القلوب ونقائها التوبة الصادقة والبُعد عن المعاصي والذنوب، فإن التوبة تصقل القلب وتُنقِّيه وتُصفِّيه. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهِ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ». هذا الحديث العظيم يُبَيِّن فيه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أثر المعاصي والذنوب على القلوب، وأنها إن أهملها صاحبها وأتبع الذنب بالذنب فهي كفيلة لأن يكون قلبه مسودًا مربادًا، من أن يكون قلبه قاسيًا، كما سمعت في هذا الحديث. فإن تاب ونزع واستغفر سُقِل قلبه، أي صُفِّي ونُقِّي هذا القلب مما علق فيه من أثر المعصية. وإن عاد، أي لم يتُب ولم يُخلِص في توبته، وإنما أتبع الذنب بالذنب، تتابعت على قلبه النُّقَط حتى تكوَّن ذلك الرَّان الذي يغشى قلبه، فأنَّى لهذا القلب أن ينتفع بخير، وأن يستمع لقرآن، أو أن ينتفع بموعظة. إيها المسلمون، عباد الله، كل ذلك يُبَيِّنُ لنا أهمية الاعتناء بطهارة القلب، فالقلب هو موضع نظر الرب سبحانه وتعالى، فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. فإذا صلُح القلب صلحت جميع الجوارح، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث النُّعمان: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». فالحذر الحذر من التمادي في المعاصي والذنوب، والحذر الحذر من عدم الاهتمام والاعتناء بتلك المضغة التي بصلاحها وطهارتها فلاحُك ونجاحُك في الدنيا والآخرة. أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يوفِّقنا جميعًا لما يُحِبُّ ويرضَى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسُنَّته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، كذلك اعتنى الإسلام بالطهارة الظاهرة، بالطهارة الظاهرة العامة، طهارة المسلم في بدنه وفي ملابسه وفي بيته وسوقه وفي مسجده وفي بيئته وفي مُجتمعه. فإن شرعنا الحكيم قد نوَّع الأساليب التي تحُثُّنا على هذه الطهارة وعلى هذه النظافة، تارةً بأن يُوجِبَ ويفرِضَ علينا هذه الطهارة كطهارة الوضوء وطهارة الغُسل من الجنابة وطهارة الحائض والنُّفَساء وغير ذلك، وتارةً يحُثُّنا على الطهارة من باب الندب والاستِحباب. نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: «لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ». وهكذا الاغتسال عند الإحرام، والاغتسال عند دخول مكة، وكذلك اغتسال المرء في الأسبوع مرةً واحدة، فكل ذلك مما يدلُّنا على اهتمام الشرع بطهارتنا في أبداننا وفي أجسامنا، بل وفي ملابسنا. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾، وثيابك فطهر. فإن الله عز وجل جميلٌ يُحِبُّ الجمال، فحثَنا على أن نكون في أحسن صورة وفي أفضل هيئة: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾. بل نهانَ ربُّنا عز وجل أن نترك نتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب أكثر من أربعين ليلة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: «وَقَّتَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي نَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَّةِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَّةِ وَقَصِّ الشَّارِبِ أَوْ تَخْفِيفِ الشَّارِبِ أَلَّا نَتْرُكَهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أَلَّا نَتْرُكَهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». فانظروا إلى اعتناء الشرع بهذا الباب العظيم، باب الطهارة والنظافة. بل إن شرعنا اعتبر نظافة البيئة إيماناً وعبادة يتعبد بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ». يقول العلامة ابن العثيمين: "وإماطة الأذى يشمل إماطة الحجر أو الشوك أو القمامة أو الروائح الكريهة أو إلى غير ذلك مما يتأذى به المسلمون، مما يتأذى به المسلمون". وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام، تأكيداً على شأن نظافة البيئة والمجتمع، وأن يكون مجتمعاً نظيفاً يسر الناظر ويشرح قلب الماشي. من ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ»، أي اتقوا السببين الجالبين لنعنة الناس لكم: «اجْتَنِبُوا اللَّاعِنَيْنِ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ، أَوْ الَّذِي يَتَخَلَّى أَنْ يَتَغَوَّطَ»، فالخلى مأخوذ من البعد والخلوة عن أنظار الناس. فلا يجوز أيها المسلمون هذا الفعل في الأماكن العامة التي يحتاج إلى المرور عليها المسلمون، أو إلى الجلوس فيها، أو إلى غير ذلك. بل إن إماطة الأذى عن الطريق من محاسن الأعمال التي رآها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد جاء عن أبي ذر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ مِنْ مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ مِنْ مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ». انظروا يا عباد الله إلى هذا الحث الأكيد على إماطة الأذى عن الطريق، فكيف بالذي يضع الأذى في الطريق؟ فلا شك أن هذا أوكد في الزجر والنهي. نعم، أيها المسلمون، عباد الله، إن هذا الأمر مما حث عليه ديننا، لأنه دين الجمال ودين البهاء ودين الكمال. بل إن اليهود، لقدارتهم، ولي كذلك عدم نظافتهم، قد حسدونا على هذا الدين، لأنه دين أمر بالنظافة وأمر بكل شيء يصلح العباد. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث سلمان أن رجلاً كافرًا، وجاء في بعض الروايات أن يهوديًا جاء إلى سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وقال: "يا سلمان، إن نبيكم علمكم كل شيء، حتى الخراءة"، أي حتى آداب قضاء الحاجة، حتى آداب قضاء الحاجة. فقال سلمان معتزًا بهذا الأمر، وكذلك مفتخرًا بأن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم علمنا إياه: "أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي برجيع عظم أو بروث"، أو كما قال رضي الله تعالى عنه عن نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما أجمله من دين، وما أحسنه من دين! ولكن بسبب جهل أهل الإسلام، فإنهم فرَّطوا في كثيرٍ من تعاليمه، ومن ذلك أمر الطهارة. فإنكم تشاهدون في هذه الأيام قد قام المسؤولون بهذه الحملة الطيبة التي هي من صميم ديننا، حملة النظافة، وهكذا التوعية في هذا الباب. ألا فلنكن عوناً قبل أن يأمرنا أحد، فإن شرعنا يأمرنا بذلك كما سمعت في الأدلة الكثيرة. حتى لو قصرت النفقة على أهل هذا المشروع، فلا ينبغي لأهل الإسلام أن يتركوا هذا العمل الجليل، بل هو مستمر إن شاء الله، لأنه عمل قد حث عليه شرعنا وقد رغَّب فيه كما سمعت في الأدلة الكثيرة. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يطهِّر قلوبنا، وأن يطهِّر أبداننا وأجسامنا ومجتمعاتنا من كل ما يضرُّ بها، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. اللهم أصلِح ولا تأمورنا، اللهم أصلِح ولا تأمورنا، اللهم أصلِح ولا تأمورنا، اللهم أصلِح ولا تأمورنا. اللهم أولِّي علينا خيارنا، ولا تولِّي علينا شرارنا. اللهم من أراد بهذه البلاد خيرًا فوفِّقه لكل خير، ومن أراد بهذه البلاد سوءًا فأشغِله في نفسه، اشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.