كتاب الطهارة 1

الدرس في كتاب الطهارة 1، ألقاها

ترجمة الإمام موفق الدين ابن قدامة ومقدمة كتاب العمدة

يتحدث هذا الفصل عن ترجمة الإمام موفق الدين ابن قدامة وشرح مقدمة كتاب العمدة، حيث يبدأ ابن قدامة كتابه بالحمد لله والشهادة للنبي محمد ويوضح منهجه في التأليف.

مميزات كتاب العمدة وطريقة ترتيبه

يتميز كتاب العمدة بأسلوبه السهل وغزارة المادة العلمية، وقد رتب ابن قدامة الكتاب على أبواب وفصول لتسهيل الفهم، معتمدًا على أحاديث الصحاح واستنباط الفروع الفقهية منها.

أهمية كتاب العمدة والشروحات عليه

يعتبر كتاب العمدة من أهم كتب الفقه الحنبلي، وقد اعتنى به العلماء شرحًا وتحقيقًا، ومن أشهر الشروحات شرح ابن تيمية وتلميذ الإمام الموفق بهاء الدين المقدسي.

ختام الدرس اليومي

أعلن الشيخ انتهاء درسه اليومي وختم الدرس بدعاء يتضمن التسبيح والاستغفار والتوبة، ليكون الدرس قد انتهى بعد مناقشة كتاب العمدة ومميزاته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنحن بإذن الله عز وجل مع كتابٍ جديد من كتب العلم، وبالأخص من كتب الفقه، هذا الكتاب هو كتاب عمدة الفقه للإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلي رحمه الله. هذا الكتاب الذي هو عمدة الفقه امتاز بمميزاتٍ جعلت هذا الكتاب ذا أهميةٍ عظيمة، لذا اعتنى بشرحه العلماء رحمهم الله تعالى. كما سيأتي مع ذكر جملةٍ من العلماء ممن اعتنى بهذا الكتاب شرحًا وتنقيحًا وتحقيقًا. فهذا الكتاب له مميزات كثيرة من أهمها أولاً أن الإمام ابن قدامة رحمه الله، تعرفون الإمام ابن قدامة الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى، صاحب كتاب المغني الذي يعدُّ من أفضل كتب الفقه وأوسعها وأشملها وأعظمها، وهو من أعظم المصادر الشرعية في الفقه الإسلامي والفقه المقارن. لأنه رحمه الله تعالى يذكر فيه المسألة ويذكر فيها أقوال العلماء من الصحابة، من التابعين، من الأئمة ممن ذهب إلى تلك الأقوال التي يذكرها رحمه الله، ويذكر ما تيسر من أدلة كل فريق، ويرجح ما يترجح عنده بالدليل والبرهان. وهو كما تعلم من أئمة الحنابلة، إلا أنه رحمه الله تعالى صاحب دليل، لذا تجده في بعض المسائل يخرج عن قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى إلى قول غيره. ويقول في بعض العبارات له رحمه الله تعالى: "ومن قال بهذا القول فهو أسعد الناس به للدليل الدال على هذه المسألة". فتجده يرجح المسائل بحسب ما يراه من الأدلة. الإمام بن قدام رحمه الله تعالى جعل لطالبي العلم ثلاث درجات لأجل أن يتدرج في هذا العلم، ولا سيما الفقه. فجعل الدرجة الأولى التي بها يبتدئ الطالب المبتدئ في تعلم الفقه، ولا سيما الفقه الحنبلي، الدرجة الأولى بأن يبدأ بكتاب العمدة الذي هو بين أيدينا هذا، كتاب عمدة الفقه. وكما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في مقدمته أنه اختار فيه رواية رآها راجحة أو قولًا للإمام أحمد رحمه الله تعالى رآه راجحًا دون غيره من الأقوال. فهذا الكتاب ألفه ابن قدام رحمه الله تعالى للمبتدئين لأجل أن لا يضطرب عليهم الباب أو المسألة ويعرفون الراجح. هذه الدرجة الأولى. ثم صنف كتابًا آخر جعله درجة ثانية للراغبين في العلم، وهو كتاب المقنع. وكتاب المقنع ذكر فيه روايتين للإمام أحمد رحمه الله تعالى، وذلك كما قال لأجل أن يتنشط الطالب على تحرير القول الراجح ومعرفة الصواب من قولي الإمام، فيكون فيه معنى من معاني تنشيط الملكة للطالب في استنباط الصواب. وله مصنف ثالث هو الموسوعة الفقهية التي تعد من أعظم الموسوعات الفقهية، وهو كتاب المغني. المغني توسع فيه بذكر الروايات عن إمام أحمد رحمه الله تعالى، ورب مسألة يذكر فيها الرواية وأخرى الروايتين وأخرى الثلاث وأخرى الأربع وأخرى الخمس الروايات. ويذكر كذلك قول من وافق وقول من خالف من الأئمة رحمهم الله تعالى، سواء كانوا من الصحابة أو من التابعين أو تابعيهم أو من الأئمة الأعلام رحمهم الله تعالى. وكتاب المغني كما قيل هو كسمه مغني. لذا قال العز بن عبد السلام بأن أفضل أو من أعظم الموسوعات الإسلامية في الفقه كتاب المحلى والمجلى لأبي محمد بن حزم، وكتاب المغني للموفق ابن قدامة. وقال: "ما استجزتم الفتية حتى اغتنيتم المغني"، يعني كان يتحاشى الفتية حتى وجد أو اشترى أو أخذ نسخة من المغني، فبعدها قوية الهمة على الفتية. وهذا يدلنا على مكانة هذا الكتاب. الحاصل أن كتاب العمدة كما سمعتم الذي هو عمدة الفقه، وعمدة الفقه للموفق بن قدامة، وهو غير عمدة الأحكام. عمدة الأحكام هو لمن عبد الغني المقدسي، وهو ابن خالة الموفق بن قدامة وصاحبه. إلا أن الموفق رحمه الله تعالى كان أفقه، والإمام عبد الغني رحمه الله تعالى كان أحفظ وأعلم بالحديث، وكلاهما إمام. من مميزات كتاب عمدة الفقه لابن قدامة رحمه الله تعالى أولاً أن الإمام ابن قدامة رحمه الله ألف كتابه العمدة على طريقة المتون المختصرة، تيسيرًا لحفظها والإحاطة بمضمونها. وهذه من مقاصد المتون المختصرة. ابن قدامة رحمه الله تعالى لعله اختصر هذا الكتاب وألفه على هذا الأسلوب نظرًا لهذا المعنى وهذا المقصد الذي لأجله صنفت وألفت المختصرات. وأسلوب سلس بعيدًا عن التعقيد والتكرير والإلغاز. ما هناك تعقيدات في الألفاظ كما في بعض المتون. بعض المتون فيها تعقيد يحتاج الناظر إلى ماذا؟ إلى معرفة معنى كلام ذلك المختصر. ولا سيما إذا اختصره اختصارًا شديدًا حتى صار يتكلم بالضمائر، يعني وذلك وهو وكما تقدم، فيحتاج الناظر إلى إتعاب الذهن وإلى كثير البحث والتدقيق للوصول إلى معنى مراده. بخلاف كتاب عمدة الفقه، فإنه سهل سليس ميسر. وهذه ميزة كما سمعتم من ميزات هذا الكتاب، فكان سببًا لإقبال العلماء وطلاب الفقه عليه لأنه خال من التعقيد. الأمر الثاني أنه غزير المادة العلمية والمباحث الفقهية، وذلك يعود لغزارة علم مؤلفه وهو الإمام الموفق بن قدام رحمه الله. الإمام بن قدام رحمه الله يقول عنه شيخ الإسلام بن تيمية: "ما دخل الشام بعد الأوزاع أفقه منه". أي أفقه من الإمام موفق بن قدامة رحمه الله. وما مصنفاته إلا برهان على ذلك رحمه الله. الأمر الثالث أنه تميز بحسن الترتيب، سالكًا في غالب ترتيبه على مذهب الحنابلة، مبتدئًا بكتاب المياه منتهيًا بكتاب الشهادات. رابعًا أنه سلك في ترتيب كتابه مسلكًا رائعًا وطريقًا رائقًا، إذ قسم الكتاب على أبواب والأبواب على فصول. وهذه الطريقة تجمع همة الطالب وتشدها وتتدرج بأفكاره تدرجًا تسلسليًا يصل بها إلى المطلوب مع قوة نفس وهضم للمقصود. الأمر الخامس من المزايا لهذا الكتاب ما ذكره ابن بدران رحمه الله تعالى في كتاب المدخل الأحمد. قال ابن بدران رحمه الله تعالى في وصف متن كتاب العمدة: "كتاب مختصر في الفقه جارى فيه على قول واحد مما اختاره". أي مما اختاره الموفق ابن قدامة. قال: "وهو سهل العبارة يصلح للمبتدئين". سهل العبارة يصلح للمبتدئين. قال: "وطريقتهم أنه يصدر الباب بحديث من الصحاح، ثم يذكر من الفروع ما إذا دققت النظر وجدتها مستنبطة من ذلك الحديث". فترتقي همة مطالعه إلى طلب الحديث، ثم يرتقي إلى مرتبة الاستنباط والاجتهاد في الأحكام. قال: "ولنفاسته ولطف مسلكه شرحه بحر العلوم النقلية والعقلية أحمد ابن تيمية الملقب بشيخ الإسلام". في كلام ابن بدران رحمه الله تعالى إلى جانب ما ذكر أنه يعد من مميزات هذا الكتاب، إلا أن فيه لطيفة أخرى وفائدة طيبة يستفيدها طالب العلم. وهي مسألة يكثر الكلام عليها والسؤال، وهي ما هو الأولى والأفضل في الطالب أو للطالب المبتدي؟ هل الأفضل في حقه أن يتتلمذ في الفقه ابتداء على متون الحديث من حيث النظر والاستنباط واستخراج الأحكام؟ أو أنه يتتلمذ على كتب المتون من كتب الفقه؟ العلماء رحمهم الله تعالى لهم طريقتان ومسلكان، منهم من يرى الأول، ومنهم من يرى الثاني. والثاني فيما يظهر والله أعلى وأعلم أنه طريق الأسلم والأقوى. وذلك لأن الطالب المبتدي في أول أمره يعجز عن معرفة أولية الأحكام وتصور مسائل الأحكام. وكونه يؤتى به إلى الحديث فيقال: وفي الحديث من المسائل كذا وكذا، وفيه من الأحكام كذا وكذا، يكون فيه شيء من ماذا؟ من عدم التصور الذي هو أصل الحكم. لأن الحكم على الشيء فرع عن إيش؟ فرع عن تصوره. فالأصل ما هو؟ التصور. واضح والطالب المبتدي بالأسلوب المذكور لا يستطيع تصور المسائل. وإذا لم يستطع تصور المسائل لم يستطع أيضًا معرفة أحكامها المترتبة على ذلك التصور. بخلاف المتون الفقهية، المتون الفقهية يتسلسل الطالب ويتدرج الطالب من درجة إلى أخرى. فيأتي كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا، مثلًا كتاب المياه، ما هو الكتاب المياه؟ كذا وكذا. المياه منها الأصل فيها الطهارة، ما معنى الطهارة؟ معنى كذا وكذا. طيب الأصل طهارة، متى يخرج عن هذا الأصل؟ يخرج عن الأصل إذا كان كذا وكذا وكذا. يحصل للطالب ماذا؟ تصور. يحصل للطالب ماذا؟ تصور المسألة، ويتفرع عن ذلك ماذا؟ معرفة الحكم الصحيح للمسألة. فإذا وصل الطالب إلى هذه المرحلة وانتهى من متل من المتون المختصرة، بعد ذلك يستطيع أن ماذا؟ أن يأتي إلى المتون الحديثية فيستنبط، ولا سيما إن اجتمعت عنده علوم الآلة التي أتقنها. لذا كما مر معنا في كلام ابن بدران رحمه الله تعالى قال في قوله: "وطريقتهم يعني تأمل إلى هذه العبارة وتأمل إلى هذه الفقرة الدقيقة". يقول: "وطريقته أنه يصدر الباب بحديث من الصحاح، يصدر الباب في كتاب عمدة الفقه بحديث من أحاديث الصحاح، ثم يذكر من الفروع". أي في المتن من الفروع منه ومنه ومنها. قال: "ما إذا دققت النظر وجدتها مستنبطة من ذلك الحديث". وجدت تلك الأحكام مستنبطة من أين؟ من ذلك الحديث. قال: "فترتقي يعني أنظر فترتقي إلى ماذا؟ فترتقي همة مطالعه الذي هو الطالب إلى طلب الحديث الذي هو إيش؟ الأصل في استنباط إيش؟ الأحكام". قال: "ثم يرتقي إلى مرتبة الاستنباط والاجتهاد في الأحكام". إذن مرحلة استنباط الأحكام من الأحاديث مرحلة ماذا؟ أولية أو مرحلة تكون مرحلة ثانية أو ثالثة؟ تكون مرحلة ثانية أو ثالثة. والله تعالى أعلى وأعلم. وعلى كل كما سؤالكم، لكل مدرسة من مدارس الفقه طريقتها. فمنهم من يرى الاعتماد على الأحاديث والاستنباط منها ومعرفة الأحكام. ومن أهل العلم من يرى أن الابتداء بالمتون الفقهية وضبط الأبواب الفقهية، بمعرفة كل باب ما يتضمنه. أو في معرفة كل باب أو كتاب ما تضمنه ذلك الباب أو ذلك الكتاب من أحكام ومن مسائل. وما هي أركان ترك المسائل؟ وما هي شروطها؟ وما هي واجباتها؟ وما هي مستحباتها؟ وما هي مكروهاتها؟ وهذه كما ترون فيها معرفة الأحكام وضبط الأبواب ضوابطها. ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات. طيب الكتاب لأهميته شرح شروحات كثيرة. شرح الكتاب شروحات كثيرة. منها أو أولها هو شرح تلميذه، أي تلميذ الإمام الموفق، الإمام بهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي المتوفى سنة 624، وهو المسمى بالعُدة. شرح العمدة هو كتاب هو شرح أقرب إلى الاختصار، إلا أنه اعتنى بمقاصد الكتاب، فجاء مستوفيًا لمقاصد الكتاب. ومن الشراح كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى شرحه. إلا أن كثيرًا من الأجزاء غير موجودة، الموجود بعض الأجزاء، جزء في الطهارة، وجزء في كتاب الصلاة من أوله إلى آداب المشي. وشرح أو كتاب في شرح كتاب الصوم، وآخر في شرح كتاب الحج. وما عداه فلا أعلم هل وجد أم لا؟ وهل طبع أم لا؟ الثالث من الشروحات شرح عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي المتوفى سنة 739 في مجلدين. ذكر هذا الحافظ ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة. ولا أعلم عن هذين الكتابين شيئًا، أي هل طبعا أم لا؟ الرابع شرح الشيخ محمد بن علي الحركان الظاهري المتوفى سنة 334 وألف. وقد وصل في شرحه إلى كتاب الأيمان والنذور. ذكر هذا الشيخ البسام رحمه الله. وهو من الشراح أيضًا الشيخ البسام، له شرح على العمدة. الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام له شرح على العمدة طبع سنة 1439 وألف. وذكر أن الشيخ محمد بن علي له كتاب وصل فيه إلى كتاب الأيمان والنذور. فهذه جملة من الكتب التي شرحت هذا الكتاب. وكما سمعتم الكتاب فيه فوائد ومسائل عظيمة. سيأتي معنا بذن الله عز وجل ذكر هذه المسائل وبيان هذه المسائل. نسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والسداد، أن يمدنا ربنا تبارك وتعالى بمدد من عنده، إنه قريب مجيب. فقبل أن ندخل في الكتاب نقرأ ترجمة مختصرة للإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى. وأما الترجمة الموسعة ففي غير هذا الكتاب. وقد بحمد الله عز وجل ذكرنا له ترجمة موسعة في مقدمة كتاب فتح رب العباد. قال: "هو الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسي". قوله: "موفق الدين" بعض أهل العلم أو جماعة من أهل العلم ينتقدون هذه الألفاظ. "موفق الدين، نجم الدين، تقي الدين"، لما فيها أولًا من معاني التزكية، وثانيًا أنها دخيلة لم تكن معلومة ومعروفة عن السلف. وقد انتقدها غير واحد منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية ملقب بماذا؟ بتقي الدين. واضح إلا أنه قال: "يعني ما أدركت نسي إلا وقد لقبت بهذا أو كلما بنحو هذا". قال: "هو الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسي، مصنف المغني في الفقه". واسمه عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة أبو محمد المقدسي، إمام عالم بارع. لم يكن في عصره بل ولا قبل دهري بمدة أفقها منه. ولد بجمعين، وجمعين قرية من جبل نابلس من أرض فلسطين، وسمي بالمقدسي لأنه قريبًا من المقدس، فسمي لأجل ذلك. وذكر ياقوت الحموي أن الجمعين تبعد عن بيت المقدس مسيرة يوم وليلة. قال: "أولد بجمعين في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة". يعني هو في القرن السادس. وقدم مع أهله إلى دمشق، أي من فلسطين إلى دمشق، في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وقرأ القرآن وسمع الحديث الكثير. ورحل مرتين إلى العراق وحج في سنة 370 وتفقه ببغداد على مذهب الإمام أحمد، وبرع وأفتى وناظر وتبحر في فنون كثيرة مع زهد وعبادة وورع وتواضع وحسن أخلاق وجود وحياء وحسن سمت ونور وبهاء وكثرة تلاوة وصلاة وصيام وقيام وطريقة حسنة واتباع للسلف الصالح. ولهم صنفات عديدة مشهورة، منها المغني في شرح مختصر الخرقي. وهو كما سمعتم يعد من أفضل كتب الفقه الإسلامي. والكافي يعني في عشرة مجلدات، والكافي في أربعة مجلدات، والمقنع للحفظ، والراوضة في أصول الفقه، وغير ذلك وغير ذلك من التصانيف المفيدة. وكانت وفاته في يوم عيد الفطر سنة 620، وقد بلغ الثمانين، وكان يوم سبت، وحضر جنازته خلق كثير، ودفن بتربته المشهورة رحمه الله تعالى وغفر له. ورحمه الله عز وجل وإياه. فهذه مقدمة مختصرة للإمام بن قدام رحمه الله. فنقرأ مقدمة الكتاب. قال رحمه الله تعالى: "الحمد لله أهل حمد ومستحقه، حمدًا يغضل على كل حمد كفضل الله على خلقه". الحمد كما مر معنا مرارًا الثناء على المحمود مع محبة له وتعظيم. وقوله: "لله" اللام في قوله: "لله" للإستحقاق. ومعناه أن الله جل وعلا هو المستحق وحده للحمد المطلق. والله جل وعلا يُحمد على إنعامه وإكرامه، ويُحمد كذلك ربنا تبارك وتعالى على كماله وجلاله. قوله: "حمدًا يفضل على كل حمد كفضل الله على خلقه". أي أنه حمد يستحقه الرب جل وعلا وحده لا شريك له، لا كحمد المخلوق للمخلوق. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة قائم لله بحقه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله غير مرتاب في صدقه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما جاء سحاب بودقه. بودقه أي بمطره. وما رعد بعد برقه. أما بعد، فهذا كتاب في الفقه اختصرته حسب الإمكان، واختصرت فيه على قول واحد. أي من أقوال الإمام أحمد، ليكون عمدة لقارئه، فلا يلتبس الصواب عليه باختلاف الوجوه والروايات. سألني بعض إخواني تلخيصه ليقرب على المتعلمين ويسهل حفظه على الطالبين، فأجبته إلى ذلك. معتمدًا على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم، والمعونة على الوصول إلى رضوانه العظيم. وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال: "وأودعت أحاديث صحيحة تبرقًا بها واعتمادًا عليها، وجعلتها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها". وقوله: "جعلتها من الصحاح" أي من الصحاح عنده، لا أنها من الصحيحين. وإلا كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا أن هناك أحاديث ليست في الصحيحين، بل خارج الصحيحين، إما عند أصحاب السنن وإما عند غيرهم، ولكنها عند ابن قدامة رحمه الله تعالى صحيحة. فكأنه يقول: "وما أودعت في كتابي هذا إلا ماذا؟ إلا الصحيح المعتمد". قال: "وجعلتها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها". أي لا يحتاج إلى يقول: "أخرجه فلان، أخرجه فلان، أخرجه فلان". مع هذا سيمر معنا بإذن الله عز وجل أنه ربما عزى بعض الأحاديث إلى من رواها. طيب نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على