كتاب الطهارة 4

الدرس في كتاب الطهارة 4، ألقاها

أحكام الماء في الطهارة

يشرح الإمام ابن قدامة شروط طهارة الماء ونجاسته، ويبين أن الماء يبقى طهورًا ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة. يتناول المقطع الأسس العامة لطهارة الماء.

حكم الماء المختلط والمستعمل

يشرح حكم الماء المختلط بالطاهر والماء المستعمل في الطهارة، ويبين أن الماء يبقى طهورًا إذا لم يتغير اسمه، ويصبح غير طهور إذا غلب عليه شيء آخر. كما يتناول آراء العلماء في حكم الماء المستعمل.

التطهر بالماء المستعمل والتعامل مع الشك

يتناول آراء العلماء في التطهر بالماء المستعمل، حيث يرى البعض أنه غير جائز بينما يرى آخرون أنه طاهر مطهر. كما يشرح كيفية التعامل مع الشك في الطهارة عند وجود يقين بوجود نجاسة في ثوب ما.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في الباب الأول من كتاب الطهارة من كتاب عمدة الفقه للإمام الموفق ابن قدامى رحمه الله، وكان آخر ما أخذناه قوله رحمه الله تعالى: «فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جاريًا لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه، وما سوى ذلك ينيس بمخالطة النجاسة». قوله رحمه الله تعالى: «وما سوى ذلك» أي ما سوى القلتين، ينيس بمخالطة النجاسة. قال: «والقلتان ما قارب مئةً وثمانية أرطال بالدمشقين»، وهذا على أحد التقديرات في القلتين، وإلا فقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى تقديرًا كثيرة، وقدرها جماعة أو بعض العلماء المعاصرين بما يقدر بحوالي مئتين وسبعين لترًا، فيكون هذا ما يقدر به القلتان. والعبرة كما تقدم معنا بطهارة الماء أو في نجاسة الماء هو ما تقدم ذكره من أن الأصل في الماء الطهارة، إلا أن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسةٍ تحدث فيه. وحديث القلتين كما مر معنا وتقدم أنه خرج هذا الحديث مخرج الغالب من المياه، من أن المياه ذكات كثيرة بلغت القلتين فما زاد، أن الغالب أن النجاسة لا تظهر فيه ولا تؤثر. وعلى هذا يرجع الأصل في هذا الأمر في هذه المسألة إلى حديث أبي سعيد: «إن الماء طهورٌ لا ينجس شيء»، إلى جانب ما تقدم معنا من الإجماع، وهو قوله: «إلا أن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسةٍ تحدث فيه». فالأصل والمعتبر الطهارة، إلا أن يخرج هذا الأصل بنجاسةٍ تحدث في ذلك الماء، فيغير أحد أوصاف ذلك الماء، فيصير ذلك الماء نجسًا بعد أن كان طاهرًا. قال رحمه الله تعالى: «وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور، وكذلك ما خالطه فغلب على اسمه، أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته». أولاً، في قوله رحمه الله تعالى: «بطهور الماء المستعمل في الطهارة»، يقال فيه: «طهور» بفتح الطاء، واستعمال الماء في الطهارة يقال: «طهور» بضم الطاء. كذلك يقال: «وضوء» للماء المستعمل في الوضوء، ويقال: «وضوء» بالضم في استعمال الماء للوضوء أو الماء المستعمل للوضوء. فالحاصل أنه إذا فتح يكون مرادًا به الماء، وإذا ضم يكون المراد به الفعل، يراد به الفعل، أي فعل ذلك الطهارة أو تلك الطهارة، أو فعل ذلك الوضوء. الوضوء طيب، والطهارة كما هو معلوم تقابل النجاسة، الطهارة تقابل النجاسة، فهي فالشيء الذي يقال فيه طاهر، أي ليس بنجس، وهو كذلك يجامع معنى الشيء النظيف. والنجاسة في اللغة تطلق على معنى القذر، وفي الاصطلاح تطلق النجاسة على كل عين حرم تناولها في الإطلاق مع إمكان التناول، لا لحرمتها أو استقذارها أو ضررها في بدن أو عقل. هذا هو ضابط النجاسة. النجاسة إصطلاحًا: كل عين حرم تناولها في الإطلاق مع إمكان التناول، لا لحرمتها أو استقذارها أو ضررها في بدن أو عقل. نبين هذا المعنى أو هذا التعريف: النجاسة كل عين، فهي عين، كل عين ما هي وصف أو ما هو وصف هذه العين. كل عين حرم تناولها، حرم تناولها في الإطلاق، أي عند الإطلاق، حرم تناولها في الإطلاق مع إمكان التناول، أن يستطيع الإنسان أن يتناولها لكن حرم عن التناول. لا لحرمتها واضح، جماعة مثل ماذا؟ مثل لحم الآدمي لا يجوز تناوله، لكن لماذا؟ لحرمتها واضح. جماعة أو استقذارها، أي لا لأنها فقط أو مجرد مستقذرة، مثل ماذا؟ مثل النخامة وما شابه ذلك، المخاط وما شابه ذلك. أو ضررها، أو ضررها في بدن أو عقل، مثل ماذا؟ مثل الحشيشة المخدر وما شابه ذلك التي تضر البدن والعقل. فإذن النجاسة شيء أو عين حرمها الشرع لا لهذه الأمور، وإنما حرمها لمعنى آخر فيها، حرمها لمعنى آخر فيها، وهي هذا المعنى هو أنها نجسة، وأنها مستخبثة. ومنه يعلم أنه ليس كل حرام من الأعيان بأنه نجس، ولكن العكس كل نجس فهو حرام، كل نجس فهو ماذا؟ فهو حرام. وليس كل حرام فهو نجس، فالشيء قد يكون حرامًا وليس بنجس، قد يكون حرامًا وليس بنجس، كأشياء كثيرة، سواء كانت أعيانًا مثل كما مثلنا بلحم الإنسان، أو كانت أوصافًا، وهي أشياء كثيرة. نرجع إلى قول الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور»، أي الماء الذي تقدم وصفه بأنه طهور، يقول: «وإن طبخ أي ذلك في الماء»، وإن طبخ في الماء الذي من وصفه بأنه ماذا؟ بأنه طهور، ما ليس بطهور، مثل أن يطبخ في الماء لحم خنزير، لحم كلب، نجاسة من النجاسات، فهذا الماء ما حكمه؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله: «سلب طهوريته»، سلب طهوريته، لماذا؟ لأنه بطباخة النجس فيه يصير ماذا؟ إما أن يصير نجسًا، وهذا هو الأصل والغالب والأكثر، وإما أن يخرج عن ماهيته وأصالته فيصير مرقًا، يصير إدامًا، فلا يصير ماذا؟ فلا يكون ماءً مطلقًا يجز التطهر به. إذن في قوله رحمه الله تعالى: «سلب طهوريته»، إما لأنه بطباخة النجاسة في ذلك الماء يصير ماذا؟ نجسًا ذلك الماء، وهذا هو الغالب الأكثر، وإما لأن ذلك الماء يخرج عن كونه ماءً إلى شيء آخر، إلى مرق أو إلى إدام أو ما شابه ذلك. والمرق والإدام لا يتطهر به، وليس مما يتطهر به. قوله: «وكذلك ما خالطه فغلب على اسمه»، هذا الأمر الثاني، الأمر الأول بالطباخة، إذا طبخ في الماء شيء نجس. الأمر الثاني إذا وقعت مخالطة بين الماء وبين شيء. قال: «وكذلك ما خالطه فغلب على اسمه»، وهذا المخالط للماء إما أن يكون طاهرًا وإما أن يكون نجسًا. الطاهر مثل ماذا؟ كأن يخلط بالماء شيء من الطاهرات، عصير مثلًا يخلط في الماء، يصير ماذا ذلك الماء؟ عصيرًا واضحًا. جماعة عصير برتقال، عصير الليمون، إلى غير ذلك من أنواع العصائر، إذا وضع في الماء أو وضع فيه الماء، يصير ماذا ذلك الماء؟ هل يبقى ماء أو يصير عصيرًا؟ هيا جماعة يصير عصيرًا، ولا سيما إذا غلب عليه ذلك الوصف فأخرجه عن خاصيته وحقيقته. إذا غلب على ذلك الوصف فأخرجه عن خاصيته وحقيقته، فسلب الماء خاصيته وحقيقته، وصار ماذا؟ وصار ذلك الشيء عصيرًا، فقيل فيه مثلًا: عصير التفاح، عصير البرتقال، عصير الليمون، ما شابه ذلك. هذا الماء الذي قد صار إلى هذه الحالة، هل يجوز التطهر به؟ الجواب أنه ماذا؟ لا يجوز أن يتطهر به، لماذا؟ لأن الماء سُلب خاصيته وحقيقته، فصار ماذا؟ فصار عصيرًا، صار نبيذًا، صار غير ذلك. واضح هذا جماعة، أو مثلًا صباء في حبر، صار حبرًا لا يتطهر به، لماذا؟ لأنه صار شيءًا غير الماء، فلا يتطهر به، لأجل هذا. هذا كما سمعتم إن غالب ذلك الطاهر عليه، أما إذا خالطه شيء من الطاهر، شيء يسير، شيء قليل من الطاهر، لكن قوة الماء ما زالت ظاهرة، وإن كان هناك أثر لذلك الشيء، لذلك الغير، إلا أن الماء ما زال محافظًا على خاصيته وماهيته. يعني مثال ذلك: يؤتى مثلًا بدنوب من ماء، فصب فيه مثلًا شيء من ماء الورد، واضح جماعة، سيغير رائحته شيء من التغيير، لكن هل يخرج الماء عن كونه ماء؟ من أجل أن نتصور أكثر، يعني عندنا دنوب، سطل من الماء واضح جماعة، أخذنا كما يقال ملعقة من ماء الورد، فوضعناه على هذا الماء، هل يحصل له شيء من التغيير الرائحة؟ أم لا؟ ذلك الماء يحصل تغيير أم لا؟ نجعل الماء الورد مركزًا، يحصل شيء من التغيير الرائحة واضح جماعة، أم لا؟ لكن هل يخرج الماء عن خاصيته؟ هل يخرج الماء عن خاصيته؟ الجواب: لا. فإذا ما دام الماء على خاصيته فإنه يجوز أن يتطهر به، يجوز أن يتطهر به. مثال آخر، صورة أخرى: لو جاء كما هو العادي في المياه التي تأتي مع السيول، يكون خالطها ماذا؟ التراب، خالطها شيء من الطين واضح جماعة، ملعقة، لكن الغالب فيها ماذا؟ ما يقال طين، أم يقال ماء؟ الطين أشو قال: يا جماعة يقال هذا ماء، يقال هذا ماء، مع أنه خالطه إيش؟ خالطه طاهر، خالطه ماذا؟ طاهر. مثال ثالث: جاءت أمطار فتجمعت في أحواض مياه، ومع الأمطار كان لونها متغير بسبب ماذا؟ الأتربة، الطين الذي مر به ذلك الماء، هل هذا الماء يسمى ماء أم لا يسمى ماء؟ هيا يا جماعة يسمى ماء، وإن خالطه ماذا؟ وإن خالطه شيء من الطاهر، وإن خالطه شيء من الطاهر. إذن نصل إلى نتيجة وهي أن الماء إذا خالطه الطاهر فلا يخلو من أحد أمرين أو قول من ثلاثة أمور: إما أن يكون ذلك الطاهر غلب على الماء فأخرجه عن حقيقته وماهيته، كما مثلنا بماذا؟ بالعصير واضح جماعة، مثلنا بالعصير أخرج الماء عن حقيقته وماهيته، فصار ماذا؟ صار عصيرًا مثلا، إذا أخرج عن حقيقته وماهيته، هل يجوز أن يتطهر به؟ أم لا؟ الجواب: لا. الصورة الثانية، الحالة الثانية: أن يخالط الماء شيء من الطاهرات، إلا أن ذلك الشيء لا يخرج الماء عن حقيقته وعن خاصيته، بحيث أن الناظر إلى الماء يقول: هذا ماء، الناظر إلى ما يقول ماذا؟ هذا ماء، هل هذا الماء يجوز أن يتطهر به أم لا؟ الجواب: أنه يجوز أن يتطهر، يجوز أن يتطهر به، لماذا؟ لأنه ماء، فيبقى ويدخل تحت عموم الماء: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، واضح جماعة. ما لا يدخل تحت عمومات طهورية الماء، الحالة الأولى والثانية واضحة هكذا جماعة. طيب عندنا حالة ثالثة، ما هي هذه الحالة الثالثة؟ شككنا، شككنا هل هذا الماء باقٍ على أصالته أم ليس باقٍ على أصالته؟ فماذا نصنع؟ هيا جماعة ننظر إلى ماذا؟ إلى الأصل، ما هو الأصل؟ الأصل أنه ماء، دخل عليه الطاهر أم لا؟ الجواب: نعم، ماء دخل عليه الطاهر، فما دام أننا شككنا هل خرج الماء عن أصالته أم لا؟ نرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ أن الماء طهور، فنرجع الأشياء عند الشك إلى ماذا؟ إلى أصولها. وهذه قاعدة يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهذه قاعدة مطردة: أننا عند الشك في شيء، عند الشك في شيء ما نرجع الشيء إلى أصله، ونحكم له باعتبار أصله، فنستصحب الأصل، فنستصحب الأصل، إذا كان الأصل طاهرًا حكمنا بالطهورية، والعكس بالعكس. والماء ها هنا الأصل فيه بأنه ماذا؟ بأنه طاهر، فنحكم بماذا؟ باعتبار أصالته، باعتبار أصالته طاهر. هذا كما سمعتم، الاحتمال الأول في قوله رحمه الله تعالى: «وكذلك ما خلطه فغلب على اسمه»، إذا خلطه طاهر. الاحتمال الثاني، الاحتمال الثاني في قوله: «وكذلك ما خلطه فغلب على اسمه»، أن يكون خالطه نجس أو خالطته نجاسة، فما الحكم ها هنا؟ الحكم ها هنا على ما تقدم معنا في المبحث السابق: الأصل في الماء الطهارة، إلا أن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، للإجماع المنقول في المسألة مع ما تقدم ذكره. إذن لنا حالتان أو في قوله رحمه الله تعالى: «وكذلك ما خلطه فغلب على اسمه»، يرجع إلى ما تقدم ذكره، إما أنه طاهر فالحكم قد تقدم، وإما أن يكون خالطه نجس فالحكم ما تقدم، لكن مع التنبيه أن قوله رحمه الله تعالى: «فغلب على اسمه»، فغلب على اسمه، أي أخرج الماء عن حقيقته وما هيته وخصائصه، فلا يصير الماء ماذا؟ طاهرًا، إما لأنه لم يكن ماء، لم يصر ماء، بل صار بحسب ذلك المضاف إليه، سواء كان عصيرًا، كان حبرًا، كان خلا إلى غير ذلك، أو كان ذلك المخالط له نجسًا، فصار الماء نجسًا بمخالطة نجاسة له وغلبتها على الماء على أوصاف الماء. وفي كلا الحالين لا يجوز أن يتطهر بذلك الماء، لا يجوز أن يتطهر بذلك الماء. الحالة الثالثة أو الحكم الثالث في قوله: «أو استعمل في رفع حدث»، أو استعمل في رفع حدث، سلب طهوريته. هذه المسألة يلقبها الفقهاء رحمهم الله تعالى بمسألة الماء المستعمل، أي ما حكم الماء المستعمل؟ ما حكم الماء المستعمل؟ هل يجوز التطهر به؟ أم لا؟ هل يجوز التطهر به؟ أم لا؟ ما معنى الماء المستعمل؟ الماء المستعمل هو الذي يستعمل الإنسان إما في وضوئه، إما في غسله، هذا يسمى ماء ماذا؟ مستعملًا. هذا يسمى مستعملًا إذا الشيخ ها هنا قيده بماذا؟ «أو استعمل في رفع حدث»، أي الماء المستعمل في رفع حدث. وقوله رحمه الله تعالى: «في رفع حدث»، أطلق الحدث ها هنا، فيدخل فيه الحدث الأصغر والحدث الأكبر، الحدث الأكبر سيأتي معنا، والحدث الأصغر سيأتي معنا. الحدث الأكبر إما جنابة وإما نحوها، والحدث الأصغر إما خروج شيء من أحد السبيلين أو ما سيأتي معنا في نواقض الوضوء. الحاصل من هذا أن الموفق رحمه الله تعالى أطلق الحكم، فقال: «أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته»، أي سلب الماء طهوريته، لماذا؟ لأن ذلك الماء صار مستعملًا. ذهبت طائفة من العلماء رحمهم الله تعالى إلى أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به، أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به، واستدلوا على ذلك بأدلة منها ما جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، وقال: «وليغترفا جميعًا». قالوا: فهذا فيه دلالة على أنه لا يجوز أن يسبق أحدهما الآخر، وأن أحدهما إذا سبق الآخر فبقي الماء مستعملًا لا يجوز أن يتطهر به الآخر، ولا يصح منه ذلك الوضوء، وذكروا أدلة أخرى. والقول الراجح القول الثاني، وهو أن الماء المستعمل طاهر مطهر، أن الماء المستعمل طاهر مطهر، يجوز أن يتطهر به، يعني مثاله: لو أن إنسان أتى إلى مثلًا ذنب ماء، أتى إلى إناء إلى وعاء فيه ماء، فتوضأ فيه، ثم جاء آخر فتوضأ من ذلك الماء، هل يصح وضوء الآخر أم لا؟ الصحيح من أقوال العلماء صحة الوضوء، لأن ذلك الماء باقٍ على طهوريته. استدل هؤلاء أولئك بأدلة منها أولًا: الأصل ما هو الأصل؟ الأصل بقاء الماء على ماذا؟ على أصالته وطهارته. والأصل في الماء الطهارة. الثاني: ما جاءت من عمومات في الدلالة على طهورية الماء: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، «طهور لا ينجسه شيء»، وهذا من هذا الباب، وليس هناك دليل يستثني الماء المستعمل. الأمر الثالث: ما جاء في السنة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأصله في صحيح مسلم، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يغتسل من إناء فيهما، فقال له بعض أزواجه - وجاء في بعض الرواية أنها حفصة - قالت: «يا رسول الله إني اغتسلت منهم من الجنابة»، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الماء لا يجنب»، أو «لا يجنب إن الماء لا يجنب»، «إن الماء طهور لا يجنب»، أو قال: «إن الماء لا يجنب»، أي أنه باقٍ على طهوريته، باقٍ على طهوريته. إلى جانب الأدلة الكثيرة المتكاثرة الدالة على طهارة المسلم، النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: «المسلم» - في رواية: «المؤمن» - «لا ينجس»، فما تناثر وما تساقط من جسد المسلم فهو طاهر، فهو طاهر، لماذا؟ لأن المسلم لا ينجس، لأن المسلم لا ينجس. العلماء رحمهم الله تعالى في مسألة طهورية الماء من عدمه، لهم في تقسيم المياه طريقان: الطريقة الأولى: منهم من أهل العلم من يقسم المياه على ثلاثة أقسام: ماء مطهر أو يسميه بعضهم: «طهور» أو «طهور وطاهر»، القسم الثالث طاهر، والقسم الثالث نجس، فهي قسم ثلاثية. فالطهور هو طاهر في نفسه ومطهر لغيره، وهذا الذي يصح الوضوء منه والطهارة به. وأما القسم الثاني، القسم الثالث من المياه، وهو الطاهر، أي الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، الذي لا يصح التطهر به، ويمثلون أو يصفونه بأنه الماء الذي خالطته طاهرات فأخرجته عن خاصيته وعن حقيقته، فيقول: هذا ماء طاهر وليس بمطهر، فلا يصح التطهر به. والقسم الثالث الماء النجس، وهو واضح. هذا تقسيم لجماعة من العلماء. وهناك تقسيم آخر، وهو تقسيم الماء إلى قسمين: إلى طاهر مطهر وإلى نجس، إلى طاهر مطهر، وهو الماء الباقي على طهوريته وعلى خصائصه، وإن خالطه شيء من الطاهرات التي لم تغلب عليه، أو شيء من النجاسات التي لم تغيره، التي لم تغيره، فهذا الماء باقٍ على ماذا؟ على طهوريته. والأدلة تدل على هذا التقسيم، والأدلة تدل على هذا التقسيم، وهو قول طائفة من العلماء، وممن اختاره من المحققين الإمام الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وابن القيم، وطائفة من المحققين رحمهم الله تعالى، وهو الصواب، إذ ليس في الشريعة ما يدل على التقسيم الثلاثي، ولكن على التقسيم الثنائي دلت الأدلة الكثيرة المتكاثرة عليه. قال رحمه الله تعالى: «وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته بنا على اليقين». قوله: «وإذا شك في طهارة الماء أو غيره»، غيره أي غير الماء، كالثياب، كالأرض، كغيرها من الأشياء والأعيان، يقول: «وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته»، أي شك هل هذا طاهر أم نجس؟ ماذا يصنع؟ يقول: «بنى على اليقين»، بنى على اليقين، ما معنى بنى على اليقين؟ ما هو اليقين ها هنا؟ هيا جماعة مرت معنا القاعدة قريبًا: الأصل واضح جماعة. بنى على اليقين، أي بنى على الأصل، ما معنى بنى على الأصل؟ أي رجع الأصل، ينظر في هذا الشيء هل الأصل فيه طهارة؟ فيبقى على اليقين الطهارة، هل الأصل فيه النجاسة؟ بقى على الأصل الذي هي النجاسة. وهذه كما سمعتم قاعدة كلية من القواعد الفقهية: أن الشك لا يزيل اليقين، الشك لا يزيل اليقين، وعند الشك يرجع إلى اليقين، ويرجع إلى الأصل. عند الشك يرجع إلى الأصل، ما هو الأصل في كذا؟ الأصل كذا وكذا، إذن نرجع إليه. وهذا كما سمعتم قاعدة عامة في العلميات والعمليات، يرجع فيها إلى ماذا؟ إلى اليقين، ولا سيما إذا كان أمرًا كالحالة ها هنا، وباب الورع باب آخر. قال رحمه الله تعالى: «وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما تيقن به غسلها». يعني مثاله: إنسان تيقن أن هناك نجاسة في ثوبه، يقول: «ماذا في الثوب أو غيره»، يقول: «غسل ما تيقن به غسلها»، يعني مثاله: يقول: حمل طفلًا، وكان في ذلك الطفل بول، ونجعله أنثى حتى يأتينا الخلاف في الذكر الرضيع الولد، حمل بنت صغيرة وفيها بول، فوقع في إحدى يعني ذراعيه في ثوبه شيء من نجاسة، بعد أن وضع البنت قبل أن يريد الصلاة تذكر أنه حمل ابنته وفيها نجاسة، لكنه شك هل حملها باليد اليمنى أو حملها باليد اليسرى؟ فماذا يصنع ها هنا؟ يقول العلماء: يصنع ما به يتيقن، بماذا يتيقن؟ يغسل ماذا؟ كلا الثوبين من جهة ماذا؟ من جهة اليدين الكمين، واضحة جماعة، لأنه بغسلهما يحصل اليقين، لأنه شك هل هو في الثوب في الذراع اليمنى أو في الثوب في الذراع اليسرى؟ شك فماذا يصنع؟ يغسل اليدين، ويكون بذلك حصل له إيش؟ حصل له اليقين. واضح كذلك في الثوب أو في مكان السجود مثلًا: يقول: الطفل بال هنا، وقد يكون بال هنا، شك هل وضعه وكان عليه بول في هذه الجهة أو في هذه الجهة؟ ماذا يصنع؟ يغسل الجهتين، واضحة جماعة، يغسل الجهتين حتى يستيقن. قال رحمه الله تعالى: «وإن اشتبه وإن خفي وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما تيقن بغسلها». يعني إن علم عمل باليقين، وإن خفي يقول: أنا أذكر أن في هذا الثوب نجاسة، ما أدري هل هو في أعلى، في أسفله، في أوسطه، في الذراعين؟ فماذا يصنع؟ الآن يغسل الثوب كله، واضحة جماعة، لأن اليقين يحصل بماذا؟ بغسله، بغسله كله. نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على