الدرس في شرح مسائل الجاهلية 44، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن إنكار أهل الجاهلية لما أقرّوا به من الدين وتلاعبهم بأحكامه، ويُفسّر اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا بالتلاعب بأحكام الملة. يُظهر أن هذا الإنكار كان يتماشى مع أهوائهم الشخصية.
يُبين كيف أن أهل الجاهلية واليهود ادعوا اتباع دين إبراهيم لكنهم خالفوا منهجه، ويُنتقدون في القرآن الكريم لإنكارهم بعض أركان دين إبراهيم مثل الحج إلى الكعبة.
يشرح الآية الكريمة ويُفسّر الرغبة عن ملة إبراهيم بالسفاهة وهلاك النفس، ويُبين أن من يرغب عن دين إبراهيم يكون قد سفه نفسه وأوقعها في الكفر والشرك.
يختم بالتأكيد على الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر الختام الديني للدرس أو الخطبة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلِّف رحمه الله تعالى: الثالثة والثلاثون إنكارُهم ما أقرُّوا أنه من دينهم، كما فعلوا في حج البيت، فقال تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفيه نفسه﴾. في هذه الفقرة، إخواني في الله، ومن أعظم معالم أهل الجاهلية الإنكار والجحود لما أقرُّوا به واعترفوا به أنه من دين الله سبحانه وتعالى. فقال رحمه الله تعالى: إنكارُهم ما أقرُّوا أنه من دينهم، وهذا، إخواني في الله، حقيقة يسميه العلماء أنهم يلعبون. وقد مرَّ ذلك معنا أن العلماء قالوا في قول ربنا جل وعلا: ﴿اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا﴾، أن اتخاذ الدين لعبًا ولهوًا عند أهل الجاهلية التلاعُب بأحكام ملَّتهم، فما أرادوه أثبتوه، وما تثاقل عليهم تركوه ونبذوه، وهذا هو التلاعُب، وهذا هو اللَّهو عند أهل الجاهلية، وهكذا عند اليهود والنصارى. فمن ذلكم ما سيذكر المؤلِّف رحمه الله تعالى عن حج البيت، فقال رحمه الله تعالى: إنكارُهم ما أقرُّوا به، هذا هو اللَّعب بعينه. فأهل الجاهلية كانوا يلزمون بأخذ ما في شريعتهم، يأخذون بما في هذه الشريعة، سواء وافق ما أرادوا أو لم يوافق ما أرادوا. قال رحمه الله تعالى: كما فعلوا في حج البيت. أهل القريش، مثلاً، أهل الجاهلية كان من دينهم، ومن ما أخذوه من دين إبراهيم عليه السلام، أنهم يحجون بيت الله جل وعلا، إلا أنهم ما تركوا الأمر على وجهه، وإنما تلاعبوا بدين الله جل وعلا، فأنكروا ما جاء في حج البيت. من ذلكم إنكارهم للوقوف بعرفة، الوقوف بعرفة من دين إبراهيم عليه السلام، والذي الأديان ملزمة باتباعه، ومنهم أهل القريش، لأنهم أنكروا ذلك، أنكروا الوقوف بعرفة، فماذا كانوا يفعلون؟ كانوا لا يقفون مع الناس بحجة أنهم أهل الحرم، وليس هذا مقامهم، وإنما هذا يقف فيه سائر الناس، من كان من الآفاقي البعيد أو القريب، ومن كان من أهل الأمصار والبوادي. وهكذا أيضًا اليهود على هذا المنوال، اليهود يتمدحون بأنهم على دين إبراهيم عليه السلام، وكان من أعظم الأعمال التي قام بها إبراهيم عليه السلام بناء الكعبة، ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾، فكان من دين إبراهيم عليه السلام التعظيم للكعبة خاصة، وذلك الحج لبيت الله المعظم. لكن اليهود خالفوا ذلك وأنكروا الحج، بل أعظم من ذلك أنهم تبرموا من نبينا عليه الصلاة والسلام عندما يمم وجهه بعدما كان باتجاه بيت المقدس يصلي لله جل وعلا، فقال رحمه الله تعالى: إنكارهم ما أقروا أنه من دينهم، سواء كان هذا من صنيع أهل الجاهلية من قريش، وهكذا من كان قبلهم من اليهود، وكذلك النصارى. قال تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفيه نفسه﴾. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم﴾، هذا استفهام إنكاري، من هذا الذي يجرؤ، من هذا الذي يفعل ويرتضي لنفسه أنه يرغب عن ملة إبراهيم؟ ملة إبراهيم هي ملة الإسلام، وهي الملة الحنيفية التي ابتعث الله جل وعلا عليها الأنبياء. فقال سبحانه وتعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفيه نفسه﴾، الذي يرغب عن ملة إبراهيم رضي بنفسه السفاهة. هنا العلماء قالوا في قوله تعالى: ﴿إلا من سفيه نفسه﴾، لهم في ذلك عدة شروحات لمعنى السفه هنا. منهم من قال: إلا من سفيه نفسه، بمعنى جهل نفسه، أي أوقعها في الجهل، ولم يعطي لنفسه حقها وقدرها بأنها تتوجه إلى الله جل وعلا بالوحدانية. ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفيه نفسه، بمعنى أهلك نفسه، وهذا كذلك واضح. فالذي يرغب عن ملة إبراهيم وملة إبراهيم هي الملة الحنيفية العقيدة والتوحيد ووحدانية الرب جل وعلا، هو دين الإسلام، فالذي يرغب عن دين إبراهيم وعن ملة إبراهيم ويجعل لنفسه محلا في الكفر والشرك بالله جل وعلا، فهذا قد سفه نفسه، بمعنى أهلك نفسه. قال رحمه الله تعالى: ومن أعظم معالم أهل الجاهلية الإنكار والجحود لما أقرُّوا به. وهذا، إخواني في الله، موجود في أرض الواقع، تجد الذين خرجوا عن ملة التوحيد من أي دين كان، انظر أين أوقعوا أنفسهم، أوقعوها في سفاهة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.