شرح مسائل الجاهلية  52

شرح مسائل الجاهلية 52

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 52، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نسبة النقائص إلى الله تعالى في معتقد أهل الجاهلية وأهل الكتاب

يتناول المقطع الأول موضوع نسبة النقائص إلى الله تعالى في معتقد أهل الجاهلية وأهل الكتاب، مثل إثبات الولد لله. يبين تناقضهم في تنزيه علمائهم ورهبانهم عن هذه النقائص مع إضافتها إلى الله سبحانه وتعالى.

انتقاد معتقدات أهل الكتاب حول الله جل وعلا

يناقش المقطع انتقاد معتقدات النصارى واليهود حول الله جل وعلا، حيث ينتقد اعتقادهم في نسبة النقائص إلى الله. كما يبين تناقض اعتقاداتهم في تنزيه علمائهم ورهبانهم عن هذه النقائص.

تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب

يناقش تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب، ويبين أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن كل نقيصة تُنزه عنها المخلوقات، فإن الله أولى بالتنزيه عنها. كما ينتقد المبتدعة الذين ينسبون النقائص إلى الله.

ختام الدرس بالصلاة على النبي

يتضمن الختام بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه والتسليم، تعبيرًا عن احترام وتقدير للنبي وتُستخدم غالبًا في نهاية النصوص أو الخطب الدينية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحادية والأربعون: نسبة النقائص إليه سبحانه، كالولد والحاجة والتعب، مع تنزيه رهبانهم عن بعض ذلك. ومما يؤثر عن أهل الجاهلية ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة من نسبة النقائص إلى الله جل وعلا. وقوله رحمه الله تعالى: "نسبة" بمعنى الإضافة، أي أنهم أضافوا النقائص إلى الله جل في علاه. والنقائص جمع نقيصة، وهي ضد الكمال. النقيصة ضدها الكمال، ويدخل في ذلك المعايب والآفات. فكان من أمر أهل الجاهلية، وهكذا من كان قبلهم من أهل الملل والأديان، أنهم كانوا ينسبون النقائص إلى الله سبحانه وتعالى. وهل هذه النسبة والإضافة كانت منهم عن جهل؟ لا، لم يكن هذا عن جهل، بل كان هذا عن علم وعن عمد. ويدلك على مسألة العلم ما يتعلق ببقية الفقرة. قال مؤلف رحمه الله تعالى: "مع تنزيه رهبانهم عن بعض ذلك". فهم لماذا نزهوا الرهبان عن هذه النقائص؟ لعلمهم أنها نقائص، فهم يعلمون أنها نقيصة وأنها لا تليق برهبانهم ولا بعلمائهم. ومع ذلك فهم أضافوها ونسبوها إلى الله سبحانه وتعالى. إذن لم يكن هنا جهل، ولم يكن هنا غير قصد، بل كانوا عن عمد فعلوا ذلك. فقال رحمه الله تعالى: "نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة والتعب". المؤلف رحمه الله تعالى مثل بثلاثة أمثلة مما كان عليه أمر الجاهلية من نسبتهم إلى الله جل وعلا بهذه المعايب الثلاث. وهل هذا للحصر؟ لا، ليس للحصر. فقوله رحمه الله تعالى: "كالولد" أراد بالكاف للتمثيل، أراد التمثيل، لم يرد الاستقصاء. وما أراد رحمه الله تعالى الحصر. قال رحمه الله تعالى: "كالولد والحاجة والتعب مع تنزيه رهبانهم عن بعض ذلك". ما مثل به المؤلف رحمه الله تعالى من النقائص التي قد أضيفت إلى الله جل وعلا من قبل هؤلاء، هذا قد ذكره ربنا جل وعلا وحكاه عنهم. فمسألة الولد، نعم، ثبتت هذه، فقد كان أهل الكتاب يثبتون الولد لله سبحانه وتعالى. فكان اليهود يقولون بأن عزيرًا ابن الله، والنصارى تقول بأن المسيح ابن الله، تعالى الله عن هذا القول علوًا كبيرًا. وهم كانوا يزعمون هذا يزعمون أن الله جل في علاه له الولد، من ذلكم عند اليهود عزير، وعند النصارى عيسى المسيح عليه السلام. ولم يقتصر الأمر عند أهل الكتاب، بل حتى أهل الجاهلية كانوا يثبتون ذلك ويعتقدون هذه النقيصة في حق الله جل وعلا. فكانوا يثبتون لله جل وعلا البنات، يثبتون لله سبحانه وتعالى البنات، ويجعلون لله البنات، ويعتقدون أن الملائكة هم بنات الله، تعالى الله. جعلوهم إناثًا، ثم أضافوها إلى الله جل وعلا إضافة الولدية. فإذن هذه المسألة قد ثبتت أن الكفار من أهل الجاهلية، من اليهود، من النصارى، كانوا يثبتون ذلك لله. فاليهود والنصارى أثبتوا الأبناء، والعرب من الجاهلية أثبتوا البنات، وأضافوا ذلك إلى الله سبحانه وتعالى. والعجيب في هذا الموضوع ما ألمح إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: "مع تنزيه رهبانهم عن بعض ذلك". أنهم مع إضافتهم لهذه النقيصة في حق الله جل وعلا، بالمقابل أنهم ينزهون عنها الرهبان، وعنها الأحبار، وعنها العلماء، وعنها الرؤساء، وعنها كذلك أحيانًا عن أنفسهم، يتنزهون عنها. وهذا الذي قد تنزه عنه هو بنفسه ينسبون إلى الله سبحانه وتعالى. فتخيل ما يتعلق بأمر النصارى الذين نسبوا لله الولد، هم بأنفسهم يعتقدون أن الراهب ما ينبغي أن يكون له ولد ولا صاحبة. وتجد أن القسيسين من النصارى لا يتزوجون، لا يتزوجون، لماذا عندهم؟ وهذا من معتقد النصارى أن القسيس ومن كان من أهل الرهبنة أنه عليه أن لا يتدنس، لا يتدنس بمعاشرة النساء، لا يبقى صافي الذهن، صافي القلب، صافي الروح. ومن هنا تجد أن القسيسين من الرهبان والأحبار لا يتزوجون. وإذا لم يكن هناك زواج لم يكن هناك ولد، وهم يرتضون بهذه الحالة، يرون أن القسيس أعظم الناس رتبة في مجتمعاتهم لصفائهم، بدلالة الصفاء أنهم لا أزواج ولا أولاد. إذن فعندهم أن الراهب هذه صفته، صفة الكمال عند الراهب والحبر أن لا يكون من أهل الزواج ولا من أهل أولاد. طيب معنى هذا، وكيف ترضون بالله جل وعلا بالولد؟ هذا عجيب. ومع ذلك بالمقابل إذا التفتوا إلى الله جل وعلا قالوا بأن الله ولد، وولده عيسى، سبحان الله. هذا من عجاب أنك تنزه من تريد أن تنزهه، وهذا الذي تنزهت عنه من نفسك أو عن غيرك تنسبه إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا قل أهل الجاهلية الذين نسبوا البنات إلى الله جل وعلا، وذكروا أن الملائكة هم إناث بنات الله سبحانه وتعالى. هم كيف تعاملوا مع الإناث؟ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، لو ربما ينفجر غيظًا إذا بشر بالأنثى. بل ليس انفجار المعنوي، بل ربما انفجار حسي يأتي إذا علم أن زوجته أتت بمولود أنثى. أمر بلفها في خرقة، وهم على ذلك طرق، منهم من يلفها في مهدها في خرقة ثم يتمم بها الصحراء، فيحفر لها الحفرة ويدسها بها، يقتل هذه الروح، يقتل الموؤودة. فهذا فعلهم مع الإناث، يشمئزون، يستحقرونها. ومع ذلك هذا الذي هم تنزهوا عنه ينسبونه إلى الله، ويجعلون لله البنات. فإذا من أعظم الافتراء على الله، تعالى الله عن هذا القول علوًا عظيمًا. فهذا ما يتعلق بالولد. وهكذا الحاجة، فكان أهل الكتاب يعتقدون أن الله جل وعلا محتاج. ومعنى الحاجة هنا الافتقار، وهذا كان عند اليهود. كان عند اليهود يعتقدون بأن الله محتاج، وحكى ذلك ربنا عنهم بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. فكانوا ينسبون الفقر إلى الله جل وعلا. ويذكر من أسباب نزول هذه الآية ما جاء عن بعض السلف أن اليهود عندما سمعوا قول الله جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، فجاء نفر من اليهود إلى نبينا عليه الصلاة والسلام قالوا: يا محمد، إن ربك افتقر، إن ربك افتقر، وها هو يسأل القرض من الناس. فأنزل ربنا جل وعلا هذه الآيات: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. بل غلت أيديهم. فالحاصل أنهم كانوا يرمون ويثبتون النقص في حق الله جل وعلا، وهم ماذا؟ "ونحن أغنياء". انظر يرمون النقص في حق الله، وبالمقابل أنهم ينزهون أنفسهم عن ذلك: "ونحن أغنياء"، أي نحن في غنى. وقال سبحانه: قال مؤلف رحمه الله تعالى: "والتعب" كذلك التعب والوهن، هذا من الأمور التي كان الكفار ينسبونها إلى الله سبحانه وتعالى. كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي ما مسنا من تعب. وكانت هذه الآية في رد على اعتقاد اليهود خاصة، أنهم كانوا يعتقدون -ولا زال هذا الاعتقاد ساريًا فيهم- بأن الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم إنه في اليوم السابع استراح. وهذا يوم السبت عندهم، فيجعلون يوم السبت يوم راحة، ويسمى عندهم بيوم راحة. وترى الإجازات عندهم عند اليهود يوم السبت، والذي نجده للأسف من أهل الإسلام التبعية في هذا العيد وفي هذه الإجازة، أنهم يجيزون ويؤجزون يوم السبت. وما دروا أن هذا اليوم إنما كان عن عقيدة خبيثة يعتقد اليهود بأن الله استراح في هذا اليوم. وقد نفى ربنا عنه ذلك: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي ما مسنا من تعب. فالحاصل أن اليهود كذلك نسبوا إلى الله سبحانه وتعالى التعب. فقال رحمه الله تعالى: "نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة والتعب". فالمؤلف رحمه الله تعالى مثل بهذه الأمور الثلاث. وإله أكثر من ذلك، لكن هذا لم يرد المؤلف رحمه الله تعالى الحصر، وإنما أراد التمثيل: "مع تنزيه رهبانهم عن بعض ذلك". ولهذا جاء نبينا عليه الصلاة والسلام بهدم هذا الفكر الأعوج. فجاء رب نبينا عليه الصلاة والسلام بإثبات الكمال، بإثبات كمال النعوت وجلال الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى. بعثه ربنا جل وعلا بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وجاء بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وبقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. وربنا جل وعلا له نعوت الكمال، لا يذكر بنقيصة جل في علاه أبدًا. ومن هنا قال أهل السنة والجماعة: أن كل عيب، كل عيب وكل نقيصة تنزه عنها المخلوق، فإن الله جل وعلا أولى أن يتنزه منها. وعنها إذا كان المخلوق لا يتجاسر على أن يتصف أو أن يقترف نقيصة، فكيف بعد ذلك ينسبها لله؟ بل ربنا جل وعلا أولى أن يتنزه، أعظم أن يتنزه من ذلك. بل من العلماء من قالها: العلم سواء هذه النقيصة تنزه عنها المخلوق أو حتى لم يتنزه عنها المخلوق، بما أنها تحسب من النقائص، فإن الله جل وعلا لا تنسب إليه النقائص. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مقررًا هذه العقيدة عند أهل السنة والجماعة: "قال وكل نقص في المخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه". قال: "كل نقص في المخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه"، كالكذب والظلم والسفه والعيب. "بل يجب تنزيه الرب تعالى عن النقائص والعيوب مطلقًا". قال: "بل يجب تنزيه الرب تعالى عن النقائص والعيوب مطلقًا، وإن لم يتنزه عنها سواء المخلوقين، سواء المخلوقين تنزه عنها أو لم يتنزه عنها، لكنها تعتبر نقص وعيب". فهذا ينبغي ماذا؟ أن ينزه عنه الرب سبحانه وتعالى. فلا ينبغي لأحد أن ينسب إلى ربنا جل وعلا النقائص. وهذا إذا كان وقع عند أهل الكفر، فإن من أمثال هذه الأشياء قد وقع فيها أهل الإسلام. وهذا كما نرى عند المبتدعة أنهم ينسبون النقائص إلى الله سبحانه وتعالى، شاعروا بذلك أو لم يشعروا، نسبوا النقائص إلى الله سبحانه وتعالى. لو أن أحدًا من أهل البدع لو قيل له: نبشرك بمولود، لك أن المولود ولد لك مولود لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، ماذا سيكون استقباله لهذا المولود؟ ولم يره لكن أخبر عنه وبشر به، لو ربما تضجر وضاق ذرعًا بهذا المولود. ماذا أفعل بهذا؟ لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، كيف تعامل معه؟ ولكن هذا المبتدع المخذول هو نفسه ماذا يعتقد بالله؟ يعتقد بأن الله لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، سبحان الله. هو بنفسه إذن كيف هذا؟ كيف لا ترتضي هذا لأن يكون أحد ابنك على هذه الصفة؟ لأنه عيب، فكيف ترتضي أن يوصف الرب جل وعلا بذلك؟ هل تعتقد أن الله يسمع؟ لا، لا يسمع، يبصر؟ لا يبصر. إذن ماذا أبغضت الله عز وجل؟ هذا نقائص، نقائص بحق الله جل وعلا. فهذه آفة خبيثة إخواني في الله، وأن تجد أحدًا من الناس ينسب النقائص إلى الله جل وعلا، وفي نفس الوقت يتنزه هو أو ينزه غيره عن ذلك. وهذا هو البلاء العظيم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.