الدرس في شرح مسائل الجاهلية 53، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع مفهوم الشرك في الملك عند المجوس باعتقادهم بوجود إلهين اثنين. يتناول أيضًا الفرق بين نسختين من النص حول هذا الموضوع.
يتحدث المقطع عن فرقة المزدكية ومبادئها الاشتراكية البحتة، ومؤسسها مزدك الذي دعا إلى الإباحية وإلغاء الملكية الخاصة. ثم يذكر كيف قمع الملك أنوشروان هذه الدعوة.
يناقش المقطع فكرة الاشتراكية والشركة في الملك، ويبين أنها أفكار خبيثة تهدف إلى إفساد المجتمع، ويبرز موقف الإسلام منها.
الفرقة المزدكية تؤمن بالاشتراك في النساء والأموال لإزالة البغضاء والشحناء، مستندة إلى رأيها بأن هذه الأمور سبب للخلاف.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثانية والأربعون: الشرك في الملك، كقول المجوس. قوله رحمه الله تعالى: الشرك في الملك، وهذه على لفظة، فهناك نسخة أخرى فيها الشركة في الملك. الشركة في الملك، إذن عندي الشرك في الملك، وعندي الشركة في الملك، وهنا يأتي معاني تحمل عليها اللفظة الأولى، ومعنى تحمل عليه اللفظة الثانية، لكنه قيد ذلك بقوله: كقول المجوس، إذن سواء قلنا شرك أو شركة، فإنها لا تخرج عن معتقد المجوس. ومن المجوس؟ المجوس هم فئة من الناس عندها تعظيم للطبيعة، وخاصة الأنوار والنيران والماء والأرض، وهي تعبد النار، تعبد النار، فتجد في صوامعها وفي معابدها أنها تؤجج لا تنطفئ ولا تخمد، هناك من يبقى تحتها يراعيها ويعتني بها ويؤججها، وهم يعبدونها ويخلصون لها العبادة، وهم يعتقدون بعدة اعتقادات، فمن اعتقاداتهم أنهم يعتقدون بأن للكون إلهين اثنين، أن للكون إلهين اثنين: إله الظلمة وإله النور، فإله النور هو إله الخير، وإله الظلم هو إله الشر، وهنا تعرف أنهم قد أشركوا في الربوبية، أشركوا في الربوبية، وعندهم إله النار أو إله النور وإله الظلام وإله الظلم. وهذا الاعتقاد الذي كان منهم هو شرك في الربوبية، ولهم كذلك عدة اعتقادات، من ذلك اعتقادهم أن الأرض وما تحتها لا ينقضي ولا ينقطع، أن الأرض وما تحتها لا ينقضي، وأن السماء هي في الحقيقة جلد من جلود الشياطين، وما يسمع من صوت الرعد عبارة عن خرخرة العفاريت، خرخرة العفاريت المأسورة في الأفلاك، وما هذه البحار ما هي إلا أبوالهم، تبول بها، هكذا اعتقاد هؤلاء، وهم يعتقدون كذلك بنبوة رجل اسمه زرداشت، زرادشت، أنه نبي مرسل إليهم. فهذا اعتقاد هذه الفرقة المجوسية، وهي ليست فرقة واحدة، فالمجوس ليسوا فرقة واحدة، هم فرق شتى، هم فرق شتى، منها الخرمية ومنها المزدكية، فرق شتى، لهم صور ولهم تفريعات، لكن هذه الأصول التي يجتمعون عليها، هذه الأصول: أنهم يعبدون النار، ويعتقدون بوجود إلهين اثنين: إله النور وإله الظلمة. فإذا على هذا الحد، بهذا الحد، إذا لا إشكال في قول مؤلفنا رحمه الله تعالى: الشرك في الملك، كقول المجوس، هذا ما في إشكال، إذن الشرك في الملك هذا ظاهر من دين المجوسية، حيث أنهم أشركوا في الملك، فجعلوا إلهين اثنين للكون، ويسمون كذلك بالثنوية أو الثانوية؛ لأنهم اعتقدوا بوجود إلهين اثنين، تسمى بالثنوية والثانوية، أي للتثنية، لتثنية الآلهة، سموا بهذا. فإلى هذا الحد، إذن، على قول هذه الفقرة أو هذه النسخة: الشرك في الملك، إذن ظاهر؛ لأن أهل المجوسية أشركوا في الربوبية، وجعلوا شريكا في الملك، فجعلوا إلهين اثنين. على اللفظة الثانية: الشركة في الملك، هذه تحمل على محمل آخر، وهذا حملها الألوسي رحمه الله تعالى في شرحه، فتحمل هنا الشركة في الملك على ما كان من بعض فرق المجوسية، على بعض فرق المجوسية، أنهم يقولون بالشراكة في الملك، بالشراكة والاشتراك في الملك، وهذه الفرقة المشهورة بالمزدكية، بالفرقة المزدكية. وهذه الفرقة تقول بالاشتراك، أو قول بالمعنى المعاصر: بالاشتراكية البحتة، الاشتراكية البحتة، هم يقولون بها: أن الناس يشتركون في كل المكاسب والمنافع، لا أحد يستأثر بشيء، الناس يشتركون. والمزدكية وهذه الفرقة المزدكية هي مأخوذة من زعيمها، وهو مزدك الموبذ، مزدك الموبذ، ومعنى الموبذ: العالم القدوة، العالم القدوة، هذا مزدك. من مزدك هذا؟ مزدك هذا رجل ظهر في أرض فارس، وفي زمن فارس، يقولون أنه ادعى النبوة، ادعى النبوة، وظهر هذا الرجل، ومن خلال دعوته أثر على ملوك زمانه، وكان من هؤلاء الملوك من يسمى بقباذ، قباذ هذا ملك من ملوك الفرس، فتأثر بدعوة مزدك، فأقر به وآمن به، وطبق ما أراد أن يدعو إليه. ما هي دعوة مزدك؟ ومنه انطلقت الدعوة المزدكية؟ مزدك رجل إباحي، إباحي، أباح كل شيء، فكان الفلسفة التي يرى فيها الناس والمجتمعات يرى أن ما عليه الناس من الخصومة والعداء والشحناء والبغضاء، وما أدى ذلك إلى الحروب والقتال والمعارك والدماء، أن ذلك ما رده إلى التنافس، إما على النساء وإما على الأموال. ما رد ذلك؟ إما أنه يرجع إلى الأموال: طمع في المال، عقار، أراضي، ذهب، فضة، مجوهرات، اتساع في المعمار في العمارة، وإما أنه نزاع على نساء، نزاع على نساء. فلما رأى أن الناس هذا يدورون على هذه المسائل، فما الذي فعل؟ أباح ذلك، أباح ذلك، فيرى أن الناس يشتركون في الأموال ويشتركون في النساء، لا أحد يمنع ما له من أحد، ولا أحد يمنع أهله ولا زوجه ولا رحمه من أحد، كل ذلك مفتوح للجميع، كل ذلك مفتوح للجميع. فهذه الدعوة التي دعا إليها، هذه الدعوة المزدكية، فتخيل يا عبد الله هذه النظرية، ووراءها سيف السلطان، كيف يكون حال المجتمع؟ لا تسل عن خرابه، لا تسل عن خرابه، فجور ومجون وعهر وفساد، أصبح من فتح الباب يفعل ما يشاء، يأتي بأخت فلان، يأتي ببنته، بل يأتي بزوجته، الكل يعبث بها، وأما المال فحدث ولا حرج، لا أحد يكدس ماله لنفسه، بل المال الذي عندك هو لغيرك، ليس هناك مال الجيب الخاص. فقام هذا الرجل الإباحي وهو مزدك، ومن سمة الدعوة المزدكية بهذا الأمر، ما طال به المقام حتى هلك هذا الملك الفارسي وهو قباذ، فجاء ابنه وهو أنوشروان، أنوشروان أو شروان، هذا الرجل ابن الملك، قام واعتلى عرش الحكم في بلده بعد أبيه، إلا أنه كان ينقم، وكان ناقما على هذه الدعوة المزدكية، مرتضاها، لما رأى فيها من الفساد والعهر، فحاربها وأمر بقتل مزدك، وأمر بقتل مزدك، وأن البلاد تطهر منه ومن أتباعه ومن أفكاره، ففعل هذا، فقامت، وكان ذلك. ويذكر من يذكر للتاريخ أن ظهور دعوة هذا الملك أنوشروان أنه كان مع مولد النبي عليه الصلاة والسلام، يذكر هذا أهل السير، وأنه بقي في حكمه وفي عرشه ما يقارب 48 سنة كحكم، وبها طهر، أصلح الأمور، أرجع الأموال إلى أهلها، إلى أصحابها، أصبح عبث كل واحد يأخذ مال أخيه، أرجع الأموال إلى أهلها، ومنع الفساد والعهر، وهم على دين المجوسية، وهم على دين المجوسية. فهذا تسمى ماذا؟ تسمى الشركة في الملك، كقول المجوس، وهذه طائفة من المجوس، وهم المزدكية، وهذا الفكر اندثر بعد ظهور الإسلام، لكن جاء بعد ذلك من أحيا هذا الفكر، كارل ماركس، أحيا هذا البعث، هذا الفكر من الأجداث، من القبر، ثم أحياه وأصبح الشيوعية تدعو إلى هذا الفكر الاشتراكي، ولم يقف عند الشيوعية الملاحدة، بل كذلك بعض من ينتسب إلى أهل الإسلام ينادي بالدعوة الاشتراكية، وأن الناس يشتركون في هذه الأمور. ومن الطريف، فهذا قد سمعتم من بعض الدعاة يحكي عن نفسه أنه كان يساريا، يساريا، بمعنى أنه متأثر من بعض الأفكار الاشتراكية، يقول أنه قد لقي بعض الكبار من يدعي لهذا المذهب الاشتراكي، فيبين أن الاشتراكية هي إباحة المال، إباحة العرض لكل أحد، وأن لا أحد يختص بشيء، الكل للشعب، فقالوا: كيف هذا؟ فقام هذا الخبيث الكبير، ويحكي عن رجل آخر، لا يحكي عن نفسه، يحكي عن آخر، كيف أنه طبق الاشتراكية بحذافيرها، وذكر قصة خبيثة، من أنه هذا الرجل دخل على ذاك الاشتراكي، دخل إلى بيته، واستضاف إلى بيته، ثم جعل الزوجة وسط هو بينه وبينها. فقال هذا الرجل الذي من الله عليه بالهداية بعد ذلك، فقال هذا: ألا تطبق هذا معي؟ فقال: لا، لا، احنا ما بلغنا إلى هذا الحد. وهكذا الخبثاء، هذه الأفكار الخبيثة، إنما يغرون بها الأتباع والرعاع والعوام والهمج والسذج، أما هم أعوذ بالله من أبعد الناس عن هذه الأفكار التي ينادون بها، تجد الشيوعية والاشتراكية الذين ينادون بالاشتراكية، وأخذوا وغصبوا الأموال، كيف هم؟ هم قد كدسوا المليارات في البنوك، في أرض سويسرا، في البنوك الأوروبية، كدسوا، أي شركة تدعون بها؟ خبث ودهاء. وتجد هكذا الأفكار الماجنة الخبيثة، إنما يستغلون بها عقول السذج، عقول السذج. الحاصل أن هذه دعوة، وهذه دعوة قد جاء الإسلام بنفيها وطردها، ولا محل لها، لا نقول بالاشتراكية بأن الكل يأخذ مال أخيه، لا، بل الإسلام جاء بماذا؟ بالإقرار بالملكية الفردية، وهذا بالإجماع، الملكية الفردية، فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، هذا مالك لك، ما لك، حيث تدخل فيه بالإجماع، المال ملك للتمليك، فكل واحد له ماله. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه»، ما يجوز أنك تأتي هذه الأفكار في بلاد المسلمين، ثم تحدث نفسك أن هذا المال الذي عند جارك أو عند ذاك الغني أنت مشرك وإياه، لا، ما يجوز، بل الذي امتدت يده على أموال المسلمين يقام عليه الحد، بل يجوز لمن نازع في ماله أن يقاتل على ماله، قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، ماله ينسب إليه. فالإسلام قد أقر الملكية الفردية، فحاصل إخواني في الله، فإذا على هذا المسألة، إذا لا إشكال، ففي قول المؤلف رحمه الله تعالى: الشرك في الملك، يحمل على فرقة المجوسية بشكل عام، أنهم من الفرقة الثنوية والثانوية، ممن زعم أن للكون إلهين اثنين، وهذا شرك في الربوبية، شرك في الملك. وأما على قول المؤلف: الشركة في الملك، فهذا يحمل على بعض فرق المجوس؛ لأنه كما قلنا: المجوس فرق كثيرة، منها الخرمية، هؤلاء الخرمية، وهي فرقة تابعة للمجوس، وهذه فرقة هي أشبه بالملاحدة، ما يؤمن لا بالصانع ولا بالرب ولا بحلال ولا بحرام ولا بشيء، وإليهم تنتسب الفرق الباطنية كالإسماعيلية والقديانية، ينتسبون إلى هذه الفرقة الخرمية، أصحاب بابك الخرمي. لكن هنا الفرقة المزدكية هي على خلاف ذلك، فإنها تقول بالاشتراك في النساء والأموال، لماذا؟ لما ذكرنا؛ لأنه يرى أن سبب البغضاء يدور على هذه المعاني، فأباحها حتى يزيل الشحناء والبغضاء، كما ذكر ذلك الشهرستاني رحمه الله تعالى في كتابه «الملل والنحل» عندما أبان عن حال هذه الفرقة. فهذا ما يذكر في هذه المسألة، فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.