الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 46، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل أهمية الإيمان بالقدر وأدلته من القرآن والسنة، مع التركيز على وجوب الإيمان به وحدود الاحتجاج به على المصائب وليس على الذنوب والمعاصي.
يشرح هذا الفصل وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، مع توضيح أن كل شيء يحدث بتقدير الله، وأن الشر في المقضي لا في القضاء، وأن فعل الله كله خير.
يفصل هذا الفصل الفرق بين القضاء والمقضي، ويوضح مراتب الإيمان بالقدر الأربع: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق، مع الإشارة إلى أدلة هذه المراتب من القرآن والسنة.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. المبعد، قد ذكرنا في الدرس الماضي بعض الأدلة من كتاب الله جل وعلا في وجوب الإيمان بالقدر، وذكرنا بعض الأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر، ومنها حديث جبريل، وهو في صحيح مسلم، في سؤال جبريل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». وهكذا من الأدلة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الدالة على وجوب الإيمان بالقدر قوله عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وهكذا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس»، كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، العجز يعني الضعف، والكيس يعني الهمة والنشاط، يعني حتى الهمة والنشاط، وحتى الضعف، كل ذلك في تقدير الله جل وعلا. وهكذا في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، ولا تقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل»، وفي لفظ: «ولكن قدر الله وما شاء فعل». فهذا الحديث فيه ذكر القدر، وهو تقدير الله جل وعلا للأشياء في الأزل. ومن ذلك كذلك حديث احتجاج آدم وموسى، كما في الصحيحين، فإن موسى قال لآدم: «يا آدم، أنت أبونا، أخرجتنا من الجنة حين أكلت من الشجرة»، فقال آدم لموسى: «أنت يا موسى، كلمك الله جل وعلا، استفاضك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاما». قال عليه الصلاة والسلام: «فحج آدم موسى»، فحج آدم موسى عليهما السلام. فآدم عليه السلام احتج بقدر الله جل وعلا على تلك المصيبة، فالأكل من الشجرة مصيبة كانت سببا في خروج أبينا آدم إلى هذه الأرض، وخروج كذلك ذريته من الجنة، فخروج الأب خروج للذرية، فهذه المصيبة حصلت، فآدم عليه السلام احتج بقدر الله جل وعلا، وأن هذه المصيبة كانت بقدر الله جل وعلا. ولذلك يقول أهل العلم: الاحتجاج بالقدر إنما يكون على المصائب، الاحتجاج بالقدر، أي بقدر الله جل وعلا، إنما يكون على المصائب والآلام، ولا يكون على المعايب والآثام، لا يكون الاحتجاج بالقدر على المعايب والآثام. بعض الناس يقعون في الذنوب والمعاصي، يقعون في المخالفات، فإذا قيل لهم: اتقوا الله، تفعلون كذا وكذا، يقولون: هذا قدر الله، صحيح، هذا هو قدر الله، لكن لا حج لهم بالاحتجاج بهذا القدر، لأنهم ما علموا ذلك إلا بعد وقوعهم فيه، من الذي أعلمهم أن هذا كان قد قدر عليهم قبل أن يفعلوه؟ وإنما علموا ذلك بعد فعلهم بهذه الذنوب والمعاصي، ثم قالوا: قدر الله، وهذا احتجاج المشركين، قد رده الله سبحانه وتعالى، وأبطله على المشركين. نعم، يجوز من وجه، وهذا اختيار الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، أن يحتج العبد بالذنوب والأثام، بالمعايب والأثام، إذا كان قد تاب منها، إذا كان قد تاب منها، يعني إنسان قد فعل ذنوبا ومعاصي، ثم قيل له: أنت يا فلان كنت تفعل كذا وكذا، وهو قد تاب منها، جاز له أن يقول: ذلك قدر الله، ذلك قدر الله. أما الذي يقع في الذنوب والمعاصي، ويستمر عليها، ثم يحتج بالقدر، ولا يتوب من ذلك، فلا حجة له، بل هذه حجته كحجة المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، هكذا قال المشركون، هذه الحجة الباطلة، فكل من احتج بالقدر على ذنوبه ومعاصيه، وهو قائم عليها، ولم يتُب منها، فحجته شبيهة بحجة المشركين. وهكذا ما يدل على وجوب الإيمان بالقدر ما ثبت في حديث سراقة بن مالك رضي الله تعالى عنه، حين سئل النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا له: «يا رسول الله، بين لنا ديننا، كأننا خلقنا الآن، فيما الأمر؟ هل هو أمر مستأنف، أو فيما جرت به المقادير؟»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل فيما جرت به المقادير»، بل فيما جرت به المقادير، «وكل ميسر لعمله»، وكل ميسر، أي لعمله، ولذلك القدر الذي قدر عليه، وقدره الله سبحانه وتعالى عليه. والنصوص كثيرة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الدالة على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره. وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كل شيء بقدر، حتى وضعك يدك على ذقنك، أو على خدك»، كل شيء بقدر، حتى وضعك يدك على خدك، يعني إذا أخذت يدك ووضعتها على خدك، هذا بقدر الله، والمعنى أنه ما من شيء إلا بقدر الله، حركة العبد، وكذلك مشيه، وغير ذلك، كل هذا بتقدير من الله جل وعلا سابق. وكانوا يقولون: «تجري المقادير على غرز الإبر»، تجري المقادير على غرز الإبر، ما تغرز الإبرة إلا بقدر، تجري المقادير على غرز الإبر، ما تغرز الإبرة إلا بقدر، يعني كل شيء يحدث في ملكوت الله جل وعلا، فهو بتقدير الله سبحانه وتعالى. والإيمان بالقدر خيره وشره، الإيمان بالقدر خيره، فالخير هو ما يلائم المخلوق، فالمخلوق هناك أمور تلائمه، وهناك أمور لا تلائمه، ولا تناسبه، من قدر الله جل وعلا، لأن قدر الله جل وعلا منه ما يلائم المخلوق ويناسبه، ومن قدر الله جل وعلا ما لا يلائم المخلوق ولا يناسبه، فالذي لا يناسب المخلوق هو شر بالنسبة للمخلوق، مثل الأمراض، مثلا، كذلك السباع، الحيوانات المفترسة، إبليس، إلى آخر ذلك، من هذه التي هي الشر بالنسبة للمخلوق، وهي من قدر الله جل وعلا. وأما الأمور التي تناسب المخلوق، وتلائمه، من الصحة، مثلا، الغنى، وكذلك الأمور التي تناسبه من لطافة الجو، والغداء، وغير ذلك، فهذا هو خير، وهو من قدر الله جل وعلا. إذن قدر الله سبحانه وتعالى بالنسبة للمخلوق، منه ما هو خير بالنسبة للمخلوق، لأنه يلائمه ويناسبه، ومن قدر الله جل وعلا ما هو شر، لا يلائم المخلوق، ولا يناسبه. والواجب على العبد أن يؤمن بالقدر خيره وشره، يعني يؤمن بالقدر الذي قدره الله جل وعلا، وهو خير له، ويؤمن بالقدر الذي قدره الله جل وعلا، وهو شر بالنسبة له. ومعنى هذا أنه ليس في أفعال الله جل وعلا شر، نعم، في خلق الله جل وعلا الشر، لكن فعل الله جل وعلا كله خير، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في مسلم، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، في دعائه عليه الصلاة والسلام: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك»، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، فليس في أفعال الله شر، وإن كان في خلق الله شر، فالله جل وعلا خلق الشر، خلق إبليس، وخلق كذلك الكفار، وهم شر بالنسبة للمخلوق، لكن خلق الكفار، وخلق إبليس، هو من خلق الله، لكن بالنسبة لفعل الله خير، لما يترتب على خلق هذه الأمور الشريرة، التي بالنسبة للمخلوق، ما يترتب عليها من الخير، عاد ذلك إلى فعل الله جل وعلا، بأنه خير. فإذن الشر في المقضي، وليس في القضاء، والشر كذلك فيما قدر، وليس في القدر الذي هو الفعل، ففعل الله جل وعلا، وهو قضاؤه، وفعل الله جل وعلا، وهو قدره، هذا خير كله. وأما المقضي الذي قضاه الله جل وعلا، فمنه ما هو خير، ومنه ما هو شر، ولذلك في قوله جل وعلا: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، من شر ما خلق، يعني من شر الذي خلق، فأنت تستعيذ بالله جل وعلا من شر الذي خلق، يعني من شر المخلوقات، المخلوقات التي فيها شر، أنت تستعيذ بالله جل وعلا منها. وبهذا يعلم أن الشر إنما هو في المقضي، وفي المخلوقات، وأما فعل الله سبحانه وتعالى، فليس فيه شر، لأنه ما خلق الشر جل وعلا إلا لحكم عظيمة، ولما يترتب عليها من الأمور والمصالح التي لأجلها ربنا سبحانه وتعالى خلق هذا الشر. ولذلك قال السفاريني رحمه الله تعالى في «اللوامع السنية»: مبينا ما يجب الإيمان به، وهو الإيمان بالقضاء، وهو فعل الله سبحانه وتعالى، وواجب على العبد الرضا، وواجب على العبد الرضا، وهذا يدل على أن العبد يجب عليه أن يرضى بقضاء الله جل وعلا، وهو فعله. وأما المقضي الذي قضاه الله سبحانه وتعالى، الذي هو من فعل المخلوق، كما قال السفاريني، فهذا لا يرضى به إن كان من الشر، إن كان من الشر، فنرضى بالطاعات، ونسخط المعاصي، ونسخط كذلك الشرور، فمثلا الكافر، الكافر خلقه الله سبحانه وتعالى، وقضاه الله جل وعلا، فنرضى به فعلا لله جل وعلا، فنرضى بأن الله جل وعلا قضى إبليس، لا نعترض على ذلك، نقول: لماذا خلق الله إبليس؟ لا يجب علينا الرضا بهذا، وأن الله سبحانه وتعالى خلق إبليس، وقدر هذا الأمر، هذا يجب علينا به الرضا، لكن إبليس هو ذاته، نسخطه، بل ونلعنه، فالمقضي الذي هو الشر، هذا الذي نسخطه، وهذا في كل المعاصي. ولذلك يقول المقري رحمه الله تعالى: «فرضاك نرضى بالقضاء، ونسخط المقضي حين يكون بالعصيان»، فرضاك، نرضى بالقضاء، يعني نرضى بقضاء الله جل وعلا الذي هو فعله، ومنه تقدير الخير، وتقدير كذلك الشر، يعني خلق الخير، وخلق الشر. وأما المقضي، فنرضى بالخير، نرضى بالخير، نرضى بالطاعات، نرضى بالإيمان، بالمؤمن، وهكذا. وأما المقضي إن كان شرا، فنحن نسخطه، ولا نرضى به، فعندنا قضاء، وهو فعل الله جل وعلا، وقدر، وعندنا مقضي، فالقضاء والقدر الذي هو فعل الله جل وعلا، هذا يجب الرضا به. وأما المقضي، فهو على نوعين، أي الذي قضاه الله جل وعلا، خير وشر، فنرضى بالخير، ونحبه، ونسخط الشر، ونبغضه. فبهذا التفصيل يعلم الصواب في هذه المسألة التي ضل فيها من ضل، بعدم فهم النصوص التي بيّنت الفرق بين هذين الأمرين، القضاء والمقضي، وفعل الله جل وعلا الشامل لخلق الخير والشر، والمقضي الذي هو منه ما هو خير، ومنه ما هو شر. فهذه بعض الأدلة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الدالة على وجوب الإيمان بالقدر. وهذا الذي ذكرناه هنا معنى الإيمان بالقدر خيره وشره، يعني ما المراد حين نقول: نؤمن بالقدر خيره وشره. وأما معنى الإيمان بالقدر، فمعنى الإيمان بعلم الله جل وعلا الأزلي، وأن الله جل وعلا قد علم الأشياء أزلا، علم كل شيء سبحانه وتعالى في الأزل، وأنه سبحانه وتعالى كتب ذلك في اللوح المحفوظ، حين خلق القلم، وأمره بكتابة كل ما هو كائن إلى قيام الساعة، وأن مشيئته جل وعلا لا بد أن تقع فيما كتب جل وعلا، فما هو كائن في ملكوت الله جل وعلا، فإنما هو بما شاء الله جل وعلا، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملك الله جل وعلا إلا ما شاء سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا خلق كل شيء، فهذا هو تعريف الإيمان بالقدر. ومن تأمله يرى أن الإيمان بالقدر لابد فيه من الإيمان بأربع مراتب، لابد من الإيمان بأربع مراتب، المرتبة الأولى: مرتبة العلم، وهي علم الله جل وعلا الأزلي، وأنه قد علم سبحانه وتعالى كل شيء، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، وما لم يكن لو شاء أن كان كيف يكون، وهكذا قد كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، وأن مشيئته النافذة هي التي لا بد أن تقع، ولا شيء يخرج عن مشيئته سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا هو الخالق للأشياء. إذن عندنا العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق، تجمعها في قولك: علم، مشيئة، أو تقول: علم، كتابة، مشيئة، ثم خلقه، وهو إيجاد وتكوين. وبهذا البيت تجمع بين مراتب القدر الأربع: علم، كتابة، مشيئة، ثم خلق، وهو إيجاد وتكوين، أي أن مراتب القدر: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق. وكل مرتبة من هذه المراتب دلت عليها أدلة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. وقد ظللنا نطوف في هذه المراتب، إن شاء الله تعالى، نذكر أدلة هذه المراتب في الدرس اللاحق. وذكر من ظل في هذه المراتب. وصلى الله وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.