الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 13، ألقاها
يناقش تحذير الإمام النووي للمعلمين من كراهية طلابهم لتعلم العلم على غيرهم، ويعتبر ذلك دلالة على سوء نيتهم. يُظهر أهمية الإخلاص في طلب العلم ونشره.
يُشجع العلماء على طلب العلم عند غيرهم من العلماء المعروفين، ويحذرون من حب الشهرة والرئاسة. يؤكدون على أهمية الإخلاص في طلب العلم ونشره.
يؤكد على أهمية إخلاص النية في طلب العلم وتعليمه، ويحذر من سوء النية. يُظهر الصفات الحميدة للأئمة مثل حسن النية والإخلاص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان: فصل في محذورات التعليم. قال رحمه الله: وليحذر كل الحذر من قصده التكثير بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه، وليحذر كل الحذر من كراهيته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به. وهذه مصيبة يُبتلى بها بعض المعلمين والجاهلين، وهي دلالة بيِّنة على سوء نيته وفساد طويته. قال رحمه الله تعالى: وهذه مصيبة يُبتلى بها بعض المعلمين والجاهلين، وهي دلالة بيِّنة -يعني دلالة يجوز أن تُكسر الدال وتُفتح وتُضم، فهي مثلثة كما يقول العلماء رحمهم الله- من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته. بل هي حُجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله تعالى بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه وقد حصلت، وقد قصد بقراءتي على غير زيادة علمٍ، فلا عيب عليه. هذا الفصل في الحقيقة من الفصول المهمة التي ينبغي للمعلم أن يتنبَّه لها، وأن يأخذ حِذره منها، وذلك لما يحصل -ولاسيما- من بعض المعلمين من التنافس في تكثير الطلبة حوله والمنشغلين عليه. فتجده حريصًا على تجميع الطلبة عليه، وفي الوقت نفسه يكره أن ينظر من كان حوله إلى غيره. فهذه -كما ذكر النووي رحمه الله- من العلامات على ضعف إخلاص صاحبها، وأن تعليمه ذلك فيه دخل ودغل. إذ لو كان مراده من العلم البلاغ والاستفادة والنافع والتقرب إلى الله جل وعلا بذلك العلم، وأن ينتفع المسلمون من العلم لرضي وفرح بأن يتعلم الناس العلم حيث وجدوا ذلك العلم، ولا يقتصر على شخص بعينه. لذا نرى أن الأئمة رحمهم الله تعالى القارئ في تراجمهم يرى هذا المعنى، وهذا فيه دلالة على صدق نياتهم وحسن طوياتهم، رضي الله عنهم ورحمهم الله. فتجد العالم منهم يحث طلبته على أن يأخذ العلم عن غيره. ثبت عن أيوب بن أبي تميمة السختياني رحمه الله تعالى أنه قال: إذا أردت أن تعرف خطأ شيخك فاطلب العلم عند غيره. أي: هذه من الأشياء التي بها تتوسع مدارك الطالب، فيتميز له صواب من غيره. فهذا في حث على التتلمذ على الغير. وكذلك تجد الأئمة رحمهم الله تعالى يحرضون طلبتهم ويحثونهم على التتلمذ على فلان: عليكم بفلان، عليكم بفلان وفلان وفلان من الأئمة من العلماء الذين يرضونهم. وتعرفون الأبيات المشهورة التي ذكرت في شأن حَمَّاد بن زيد رحمه الله تعالى وغفر له، إذ قال قائلهم: أيها الطالب علمًا، إئتي حَمَّاد بن زيد فاطلبن العلم عنده، ثم قيده بقيد: لا كثور، لا كجهم، لا كعمر بن عبيد. فهذا من الحث على التتلمذ على أهل العلم الموثوقين، وأن لا يقتصر العالم على تعليم الناس وحده، وأن يكره أن يتعلم الناس عند غيره. بل تجد الأئمة رحمهم الله تعالى في كل زمان يحرِّضون الناس ويحثون الناس على التتلمذ والاستفادة من أهل العلم حيث كانوا وأينما كانوا. جاء في الصحيح أن علقمة جاء من الكوفة إلى الشام، فوجد أبا الدرداء، فسلم عليه وجلس عنده، وأخبره بأنه يريد طلب العلم عند أبي الدرداء. فقال له: من أين أنت؟ قال: من الكوفة. قال: إذا جئت من عند صاحب الوسادة وصاحب السواك -أو كما قال- يريد به عبد الله بن مسعود. وقال له في كلام له معنى: أنك -يعني- جئت من عند من هو خير. أي: من عند عبد الله بن مسعود. ففيه معنى التحريض على طلب العلم عند الغير من العلماء المعروفين المشهورين الذين عرفوا بالخير والصلاح. وهكذا العلماء رحمهم الله تعالى في كل زمان ومكان يحثون على ذلك ويحرِّضون غيرهم على ذلك على تتلمذ على غيرهم. وهذا يدل -كما سمعتم- على حسن نياتهم، رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم. ومن المعاصرين الذين سمعناهم -رحمه الله تعالى- وكان يكثر من الثناء على العلماء والاستفادة من العلماء شيخنا العلامة مقبل الوادعي رحمه الله تعالى. فكان كثيرًا ما يحث الطلبة على التتلمذ على العلماء مثل: ابن باز، الألباني، العثيمين، الفوزان، الشيخ ربيع، الشيخ عبد المحسن العباد، وفي آخرين ممن يذكرهم بخير. ويقول: هم أهل بأن يتتلمذ عندهم ويستفاد منهم، لما عرف عنهم من سلامة المعتقد وحسن السيرة والعلم النافع والعمل الصالح. فالحاصل أن هذا هو دأب الصالحين في كل زمان ومكان: التحريض والحث على التتلمذ عند من يجد الطالب فيه النفع. فقوله رحمه الله تعالى: «وليحذر كل الحذر من قصده التكثير بكثرة المشتغلين عليه» أي: تكثير في العلوم لا بقصد رفع الجاهل عن نفسه، ولا بقصد رفع الجاهل عن الآخرين، ولكن بقصد تكثير المشتغلين عليه. وهذا فيه معنى من معاني حب الشهرة والثناء، وكذلك فيه معنى من معنى حب الرئاسة. وهو -كما ذكر غير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى- آخر داء يخرج من الصالحين: حب الرئاسة أن يكون له القول وله السيادة وله المكانة في المجتمعات، وكل بحسبه. قال رحمه الله تعالى: «بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه، وليحذر كل الحذر من كراهيته قراءة أصحابه على غيره» أي: ممن تتلمذ على يديه ممن ينتفع به. وهذه مصيبة يُبتلى بها بعض المعلمين والجاهلين. وجاء في بعض النسخ: بعض المتعالمين أو بعض المتعلمين والجاهلين. وكما ذكر رحمه الله تعالى قال: «وهي دلالة بيِّنة من صاحبها على سوء نيته أو على غفلته في أمر النيات» إذ أن من كان مخلصًا، من كان صادقًا مع نفسه، صادقًا مع ربه، صادقًا مع غيره، لا فرح بأن يتعلم الناس العلم حيث وجدوه. ومن ذلك ما جاء في سنن أبي داود وغيره، وهو في الصحيح المسند لشيخنا رحمه الله: أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة وكان في مرض موته، جاءه بعض تلاميذه فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن، إلى من توصنا بعدك؟ أي: إلى من توصنا بعدك في أن نطلب العلم عنده؟ فأوصاهم رضي الله عنه ورحمه الله بوصية عظيمة، فقال لهم: «إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما» كررها عليهم ثلاث مرات. وفي هذا تحريض على أن العلم موجود كما أن الإيمان موجود، لكن ينبغي للطالب الحريص أن يحرص على العلم من منابعه، وأن يأخذ الإيمان كذلك من مصادره. ثم حرَّضهم وحثهم على طلب العلم عند جماعة من الأمة من الصحابة، فقال لهم: «أطلبوا العلم عند ابن أم عبد -أي: عبد الله بن مسعود- وعند أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا ثم أسلم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره أنه من أهل الجنة -أو كما قال-». أشهد من هذا الحث على تحصيل العلم حيث كان، ولا يقتصر الطالب على معلم واحد. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهي دلالة بيِّنة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم». فإنه لو أراد الله تعالى بتعليمه لما كره ذلك، بمعنى أن هذا الإنسان -هذا المعلم- لو وصل إلى هذه المرحلة ينبغي له أن يقف ويحاسب نفسه، وأن ينظر في أمره. وما دام أنه في الدنيا على هذه الأرض وعلم هذا الأمر، أن هذا من فساد النية وسوء الطوية، يجب عليه أن يصحح النية وأن يصدق مع الله. وأن يعامل نفسه بخلاف ما تريد، كما قيل لبعض السلف: قيل لبعض الأئمة: كيف أكون صالحًا أو أعمل الخير؟ كيف أعلم أن العمل خير وأنه لله رب العالمين جل وعلا؟ قال: «خالف هواك» خالف هواك، هواك يريد كذا خالفه. هذا من علامات حسن النية: أن الإنسان يترك هواه وشهوته لأجل الله رب العالمين جل وعلا. والعكس بالعكس: من تتبع هواه واسترسل مع شهوته في ذلك، فهذا يدل على غفلة ويدل على سوء نية. نسأل الله تبارك وتعالى العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: «فإنه لو أراد الله تعالى بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه وقد حصلت، وقد قصد بقراءته على غير زيادة علمٍ، فلا عيب عليه». أي: أنه يفرح بذلك الطالب، ذلك المعلم إذا رأى طالبًا من طالبته حريص على العلم يتتبع العلم من أفواه العلماء، هذا يدل على خير في ذلك الطالب. فينبغي له أن يزيده حثًا، ويقول لهم: نعم، استمر في ذلك، واطلب العلم عند فلان فإنه أفضل مني، وعند فلان فإنه خير مني، وما شابه ذلك من العبارات الدالة على حسن النية وعلى صلاح الطوية. قال رحمه الله تعالى: وقد روينا في مسند الإمام المجمع على حفظه وإمامته أبي محمد الدارمي رحمه الله عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنه قال: «يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم». وهذه موعظة عظيمة. قال: «ووافق علمه عملهم» ويجوز أن يقال: «ووافق علمهم عملهم». وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم. يجلسون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره. أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى. لماذا؟ لأنها أعمال فقدت شرطًا من شروط القبول، لأن من شروط القبول ما هو؟ إخلاص النية لله رب العالمين جل وعلا. لأن التعليم عبادة جليلة، فتحتاج إلى نية وتحتاج كذلك إلى أن يكون ذلك العمل موافقًا لهدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وقد صح عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم -يعني علمه وكتبه- على أن لا ينسب إلي حرف منه». وهذا يدل على حسن نية رضي الله عنه ورحمه الله، وعلى خيريته. وما رفع الله جل وعلا هؤلاء إلى إمامة فيما نحسبهم، والله حسيبهم، إلا بإخلاصهم وسدادهم وهديهم الموافق لهدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.