الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 3، ألقاها
يناقش مفهوم توحيد الربوبية وعلاقته بتوحيد العبادة، ويشرح أقسام العبادة. يُفصّل معنى إفراد الله بالعبادة وضرورة توحيدها لله وحده.
يتناول تعريف العبادة بمعنيين مختلفين باعتبار العابد والعبادة نفسها. يُوضح أن العبادة تعني التقرب إلى الله وامتثال أوامره.
يشرح الشرك كأعظم ذنب عصي الله به، ويحذر منه. يُبين أن الشرك يترتب عليه حرمان الجنة ودخول النار، ويجب إخلاص العبادة لله وحده.
يشرح حديثًا نبويًا يحذر من الشرك في العبادة ويؤكد أهمية إخلاص العبادة لله وحده. يُذكر أن الله يترك من يعمل عملًا يشرك فيه غيره.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام والعلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله في كتابه «تطهير الاعتقاد»: «الحمد لله الذي لم يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد، فلا يتخذون له ندًا ولا يدعون مع الله أحدًا، ولا يتوكلون إلا عليه، ولا يبزعون في كل حالة إلا إليه، ولا يدعونه إلا بأسمائه الحسنى، ولا يتوصلون إليه بشفعاء، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه». فأروني ماذا خلق الذين من دونه. تقدم معنا الكلام على شيء مما ذكره الإمام رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه، فتقدم معنا الكلام على التوحيد وعلى أقسام التوحيد أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام. وقوله رحمه الله تعالى: «الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد»؛ من العباد والكل عباد الله جل وعلا، وعباد الله جل وعلا وعبادة الله جل وعلا كما يقول علماء رحمهم الله تعالى تنقسم إلى قسمين؛ عبادة الله جل وعلا تنقسم إلى قسمين: إلى ربوبية أو إلى عبادة قهر وملك، إلى عبادة قهر وملك. فالله جل وعلا الكل عباده بهذا الاعتبار؛ مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، فالكل عبيده، والكل عباد الله جل وعلا. والعبادة هاهنا عبادة قهر، عبادة قهر، عبادة ملك. فالله جل وعلا هو القاهر فوق عباده، فالعبادة هاهنا بهذا المعنى. وعبادة أخرى، وعباد لله جل وعلا باعتبار آخر، وهم عباد الله جل وعلا الذين اصطفاهم الله جل وعلا لعبادته، فوفقهم الله جل وعلا لعبادته، وهؤلاء هم الذين قاموا بالعبادة التي أرادها الله جل وعلا منهم، وأمرهم بها شرعًا، وأمرهم الله جل وعلا بها شرعًا. فهؤلاء هم عباد الله. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، فوصفهم الله جل وعلا، وأضافهم الله جل وعلا إليه «عباد الرحمن»، فهذه إضافة. وهؤلاء العباد هم ليسوا هم من سبق؛ لأن العبادة الأولى بمعنى عبادة القهر، أما العبادة الأخرى فهي عبادة الذل والخضوع لله رب العالمين جل وعلا؛ عبادة الذل والخضوع لله جل وعلا. قوله رحمه الله تعالى: «لا يقبل توحيد ربوبية من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة»، إذن قوله «من العباد» يكون هاهنا بالمعنى العام؛ من العباد يكون هاهنا بمعنى العام؛ لأن الكل عباد لله جل وعلا، الكل مطالب بعبادة الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، والآيات في ذلك كثيرة. قال رحمه الله تعالى: «حتى يفردوه»؛ الإفراد بمعنى أو ضد الشرك، وضد التثنية، وضد الشركة، فحتى يفردوه أي حتى يخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له. فقال: «حتى يفردوه بتوحيد العبادة»، وتقدم معنى «ما معنى توحيد العبادة؟» وأنها بمعنى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، وأنها بمعنى إفراد الله جل وعلا بالعبادة. ثم إن العبادة تطلق باعتبارين: الاعتبار الأول باعتبار العابد، والاعتبار الثاني باعتبار العبادة من حيث هي. فأما الأول وهو إطلاق العبادة بمعنى العابد؛ أي الذي يقوم به العابد ما يقوم به العابد، فهي بمعنى التقرب إلى الله جل وعلا؛ أي عبادة الله جل وعلا التقرب إلى الله جل وعلا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، محبةً وتعظيمًا وذلًا لله رب العالمين جل وعلا. هذه العبادة بهذا الاعتبار هي عبادة العابد لله رب العالمين جل وعلا، فهي عبادة باعتبار العابد؛ عبارة عن عبادة باعتبار العابد. ومنه قول الإمام ابن القيم رحمه الله حينما عرف العبادة بقوله رحمه الله تعالى: «وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ ... مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هَمَا قُطْبَانِ»، فعرف العبادة بهذا الاعتبار؛ باعتبار ما يقوم بقلب العابد من محبةٍ وتعظيمٍ وذلٍ وخضوعٍ لله رب العالمين جل وعلا. فهذه عبادة بهذا الاعتبار وبهذا المعنى. وتطلق العبادة كذلك باعتبارٍ آخر، وهو باعتبار العبادة من حيث هي؛ أي العبادة من حيث هي عبادة. والعبادة بهذا الاعتبار؛ أحسن من بيّنها وجلاها وعرّفها ووضّحها الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وإذ عرّف العبادة بقوله: «هي اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة»، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. هذه هي العبادة، هذه هي ماهية العبادة، هذه هي حقيقة العبادة باعتبار العبادة. فالعبادة من حيث هي اسمٌ جامع؛ أي يجمع معانٍ، يجمع أوصافٍ وصفها وبينها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: «اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه»، فكل ما يحبه الله ويرضاه فهو ماذا؟ فهو عبادة. ثم بين ذلك وفصل ذلك فقال: «كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال»، من الأقوال والأعمال. ثم فصل ذلك وبين ذلك فقال: «الظاهر والباطن»؛ لأن الأعمال ولأن الأقوال منها الظاهر ومنها الباطن، وكذلك الأعمال منها الظاهر ومنها الباطن. قوله رحمه الله تعالى: «حتى يفردوه بتوحيد العبادة»؛ بتوحيد العبادة أي بإفراد الله جل وعلا بالعبادة بالاعتبارين؛ باعتبار العابد ألا يتقرب لأحد سوى الله، ألا يقوم في قلبه في أي عمل يقوم به من معاني المحبة والتعظيم والذل والخضوع لأحد سوى الله جل وعلا إذا عمل هذا العمل، فالعمل الذي يقوم به بهذا الاعتبار يكون ماذا؟ عبادة من ذلك العابد، يكون عبادة من ذلك العابد. فإذا كانت عبادة فلابد أن تكون لله جل وعلا خالصة. وكذلك باعتبار العبادة؛ ما يقوم به العباد من أمور أمر الله جل وعلا بها، حث الله جل وعلا عليها، فهذه كلها عبادات؛ لأن العبادة كما سمعتم كل ما يحبه الله ويرضاه، فكل ما أحبه الله وكل ما رضيه الله فهو عبادة. فكون العبد يتقرب بتلك العبادات التي أحبها الله جل وعلا إلى الله، فهي عبادة وهو توحيد وهو إخلاص لله رب العالمين جل وعلا. وهذا مطلب شرعي أسنى يراد من العبيد، يراد من كل إنسان أن يتعبد الله جل وعلا بهذا الاعتبار. قال: «بِتَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ كُلِّ الْإِفْرَادِ»؛ أي أن تكون العبادة كلها لله رب العالمين جل وعلا، فلا يفد شيئًا من العبادة لغير الله جل وعلا، لا يفصل شيئًا للعبادة عن الله جل وعلا، لا يشرك بشيء من العبادة لغير الله جل وعلا؛ لأن كل ذلك يدخل في عموم الشرك بالله جل وعلا. صرف العبادة التي هي عبادة لغير الله جل وعلا شرك، كما أن إفراد الله جل وعلا بتلك العبادة توحيد وإخلاص؛ توحيد وإخلاص. فالإنسان ليس له طريق ثالث، ما عنده إلا طريقان: إما أن يتعبد لله جل وعلا بما شرعه الله جل وعلا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم خالصًا لله رب العالمين جل وعلا، وإما أن يتعبد لله جل وعلا بما شرعه الله جل وعلا لكن ليس خالصًا لله جل وعلا، بل يتقرب إلى غير الله جل وعلا بذلك العمل بتلك العبادة بذلك التقرب، فهذا شرك. والأول توحيد؛ هذا شرك والأول توحيد. فالأول مدح الله جل وعلا القائم به، مدح الله جل وعلا القائم به؛ لماذا؟ لأنه هو الموحد، لأنه هو الموحد، وهو الذي أراد الله جل وعلا من جميع العباد أن يقوم به، والعكس بالعكس. قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. فالشرك إثمه عظيم، بل هو أكبر كبائر وأكبر ذنب عصي الله جل وعلا به. وحقيقة الشرك ما مر معنا: هو تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا فيما هو من حقوق الله جل وعلا. وأعظم حقوق الله جل وعلا التوحيد، أعظم حقوق الله جل وعلا عبادة الله جل وعلا. كما جاء في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟» فقال معاذ: «اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، شيئًا نكرة كما يقول علماء، شيئًا نكرة وهي مستغرقة في التنكير، ودخل عليها النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم. إذن لا يجوز لأحد أن يصرف شيئًا من العبادة لغير الله جل وعلا. فإن صرف شيئًا من العبادة لغير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك الذي حذر منه ربنا تبارك وتعالى، ونهت عنه الرسل من أولهم إلى آخرهم. فالرسل من أولهم إلى آخرهم جاءوا داعين إلى توحيد الله جل وعلا وحده لا شريك له، وإلى التحذير والتنفير من الشرك بالله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال الله جل وعلا في كثير من رسله أنهم دعوا قومهم، وكانت أول دعوتهم أن قالوا لأقوامهم أن يعبدوا الله، أن يعبدوا الله ولا يشركوا به، أن يعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ما لكم من إله غيره. فالرسل من أولهم إلى آخرهم داعون إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة وحده لا شريك له، والتحذير والتنفير من الشرك بالله جل وعلا؛ لأنه أعظم ذنب وأعظم مصيبة وأعظم جناية وأعظم جريمة تحصل من العبد في حق ربه جل وعلا. جاء في الحديث القدسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». انظر وأصغي سمعك لهذا الحديث: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا» أي كائنًا ما كان ذلك العمل في نظر صاحبه صغيرًا كان أو كبيرًا، ما دام أنه عبادة، ما دام أن ذلك الإنسان قام به على سبيل العبادة، على سبيل المحبة والتعظيم والذل والخضوع، فربنا تبارك وتعالى يقول في هذا الحديث: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي»؛ «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. فالحاصل أنه من أعظم بل هو أعظم واجب على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.