شرح تطهير الإعتقاد 24

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 24، ألقاها

مسألة تكفير من ينطق بكلمة الكفر دون قصد

يناقش المقطع تكفير من ينطق بكلمة الكفر دون قصد، ويستدل بآيات القرآن وأحاديث النبي. يوضح أن من نطق بـ «لا إله إلا الله» يعتبر مرتدًا إذا وقع في الشرك.

دعوة المشركين إلى التوحيد وبيان حكم دعاء غير الله

من يدعو غير الله يكون مشركا، ويجب دعوتهم إلى التوحيد وإيضاح بطلان اعتقادهم قبل جهادهم. يجب بيان أن المعبودين من دون الله لا ينفعون ولا يضرون.

وجوب التوبة من الشرك ودور العلماء في الدعوة إلى التوحيد

الإيمان لا يصح إلا بترك الشرك والتوبة منه وإفراد الله بالعبادة. يبين أهمية دور العلماء في توضيح الشرك ومخاطره لأئمة المسلمين ودعوتهم إلى التوحيد.

مراتب الجهاد بعد البيان والدعوة إلى الله

الجهاد يتمثل في البدء بالحجة والبيان، فإن لم يستجب الخصوم انتقل إلى الجهاد بالسيف. هذه المراتب تأتي تباعًا وفقًا لاستجابة الخصوم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. تَقدّم معنا في درسنا الماضي الكلام على قوله: «إن قلت هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه»، قال: «قلت قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصدها، وإن لم يقصد معناها». تقدم معنا ما معناه: «وإن لم يقصد معناها»، أي لم يقصد الكفر بالله، ولكن قصد تلك الكلمة، وعلم معناها، وعنى لقضها الصادر منه بقصده، ولكنه لم يعلم بأنها تصل به إلى الكفر، لم يعلم بأنها تصل به إلى الكفر، ويعلم أنها محرمة، لكن لا يعلم أنها تصل به إلى الكفر، فهذا يكفر، بخلاف ما إذا تكلم بها خطأً، كالذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة، أو قالها في حالة إكراه، لقول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، أو قالها حاكيًا لكفر غيره، أن غيره قال كذا وكذا من كلمة الكفر، وما شابه ذلك، فمثل هذا لا يكفر. ولكن مقصد الشيخ رحمه الله تعالى ما تقدم ذكره، أنه قصد اللافظ، وعنى ذلك اللافظ، وعلم أن معناه محرم، لكن لم يدري بأن معناه يصل به إلى الكفر، كالذين قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، عنوا اللافظ، وأرادوا اللافظ، وقصدوا اللافظ، ولكن لم يدروا بأن هذا اللافظ كفر بالله جل وعلا، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، فقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارًا أصليًا، فصاروا حينئذ كفارًا كفرًا أصليًا. وهذا كذلك على ما تقدم معنا أمس أو في الدرس الماضي، أن هذه المسألة وقع فيها خلاف بين المتأخرين، وكما ذكر العلامة المحقق عبداللطيف عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ أن أول من قال بها -بحسب علمه- هو الأمير الصنعاني، هو ابن الأمير الصنعاني رحمه الله، وأن الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى يخالفه، وكذلك ذكر هذا المعنى غير واحد. والصواب -الله أعلى وأعلم- أن من نطق بـ «لا إله إلا الله» وانتسب إلى الإسلام، وهو قائم على الشرك بالله جل وعلا، أو طرأ عليه الشرك بالله جل وعلا، فإنه يكون مرتدًا، ولا يكون كفرًا أصليًا؛ لأن «لا إله إلا الله» في الجملة تدخله في الإسلام، ويخرجه عمله. يدل على هذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد في قصة ذلك المشرك الذي قاتل المسلمين قتالًا شديدًا، فلما علاه أسامة بن زيد والأنصاري بالسيف، قال: «أشهد أن لا إله إلا الله». قال: فكف الأنصاري، وقتله أسامة بن زيد. النظر في حاله: أنه قالها تعوذًا في الظاهر، قال تعوذًا، لم يقولها إيمانًا وتصديقًا، ولكن تعوذًا في الظاهر. لكن ما هو الحكم الشرعي؟ الحكم الشرعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أسامة، أقتلته بعد أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله؟» فقال: «يا رسول الله، ما قالها إلا تعوذًا». فقال: «أشققت عن قلبه؟» «ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا أتتك يوم القيامة؟» فقال أسامة رضي الله عنه وأرضاه: «تمنيت أني لم أسلم إلا يوم إذ». الشاهد من هذا: أن من قال «لا إله إلا الله» يثبت له حكم الإسلام ظاهرًا، ثم إن فعل ما ينقضها بعد ذلك، فإنه يكون مرتدًا مشركًا بالله جل وعلا، ولا يكون كفرًا من الكفر الأصلي، هذا هو الصواب في هذه المسألة كما تقدم. قال: فإن الله تعالى قد فرض على عباده إفراده بالعبادة، «ألا تعبدوا إلا الله»، تقدم أن هذا أسلوب حصر، وفيه أن العبادة لا يستحقها أحد إلا الله، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولا صالحًا من الصالحين، ولا غير ذلك، ولا غير ذلك. قال: «وإخلاصها: ألا تعبدوا إلا الله». قالوا: «إخلاصها»، «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ». قالوا: «من نادى الله ليلًا أو نهارًا، أو سرًا أو جهارًا، أو خوفًا أو طمعًا، ثم نادى معهم غيرهم، فقد أشرك في العبادة؛ فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فسمى الله تبارك وتعالى الدعاء عبادة، كما في هذه الآية: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، فسمى الدعاء عبادة. وكذلك الحديث المعروف: «حيث نعمان بن بشير عند الترمذي بإسناد حسن»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة». فمن دعا غير الله جل وعلا في حالة السرّاء أو في حالة الضراء، فقد أشرك بالله جل وعلا في العبادة. الله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. قال رحمه الله تعالى: فإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم، فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم، والسلوك معهم ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين. أي: إذا قال القائل: إن كان حكمك عليهم بهذا الحكم بأنهم مشركون، بأنهم مشركون، بل من المشركين الأصليين، فيجب إذًا جهادهم كما جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين. فقال الشيخ: «قلت إلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم»، فقالوا: يجب أولًا دعاؤهم إلى التوحيد، وهذا ما أُخذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأمراء جيوشه: أنهم إذا أرسل سرية أو بعث بعثًا، كان يأمرهم نبينا صلى الله عليه وسلم بأن يدعوهم إلى الإسلام أول ما يدعوهم يدعوهم إلى الإسلام، كما في حديث بريدة عند مسلم. قال: يجب أولًا دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانة أن ما يعتقدونه لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عنهم من الله شيئًا، وأنهم أمثالهم -أي أولئك المعبودين الذين يعبدونهم من دون الله جل وعلا- وأن هذا الاعتقاد منهم فيهم شرك -أي اعتقاد أن لهم نفعًا بذواتهم، وضرا بذواتهم، أنهم ينفعون من سألهم، ومن دعاهم، ويجيبونه، ويعطونه، ويرزقونه، ويفرجون عنهم الكربات، وكذلك يعطونهم الحاجات، إلى غير ذلك من المعاني- هذا شرك بالله جل وعلا. وأن أولئك الذين يدعونهم عباد أمثالهم، عباد أمثالهم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. هذا حال المشركين مع آلهتهم يوم القيامة، في الدنيا لينفعونهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم. قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ في الأتباع في الرؤساء ممن دعوا إلى أنفسهم بأن يكونوا مع الله جل وعلا شركاء، سواء كانوا في العبادة أو في الطاعة أو في الاتباع، كل ذلك شرك بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وأن هذا الاعتقاد منهم فيهم شرك، لا يتم الإيمان -لا يتم أي لا يصح- لا يتم الإيمان إلا بما جاءت به الرسل، إلا بتركه والتوبة، إلا بتركه والتوبة منه، لا بد من البراءة من الشرك وأهله، من إفراد الله جل وعلا بالعبادة والتوحيد، ومن البراءة من الشرك وأهله، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»، أي أن لا نعبد إلا الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فهذا معنى «لا إله إلا الله»: إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، ألا لله الدين الخالص. قال رحمه الله تعالى: وأن هذا الاعتقاد منهم فيهم شرك، لا يتم الإيمان بما جاءت به الرسل إلا بتركه والتوبة منه، لا بد من التوبة والرجوع إلى الله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال رحمه الله تعالى: وهذا واجب على العلماء، «إِلَّا بِتَرْكِهِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهُ وَإِفْرَادِهِ وَإِفْرَادِ التَّوْحِيدِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا لِلَّهِ تَعَالَى»، أي: لا بد من إفراد الله جل وعلا بالتوحيد عملًا واعتقادًا، وكذلك دعوةً في كل شيء. قال: وهذا واجب على العلماء بيان أن ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم، أي: هذا من الواجب الذي أوجبه الله جل وعلا على العلماء البيان والإيضاح، ليستبين الطريق، فيهتدي ويهلك من يهلك عن بينة، ويحيا من حيي عن بينة. الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، فلا بد من بيان. وهذا حق جعله الله جل وعلا على العلماء: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، فلا بد من بيان. قال رحمه الله تعالى: وأنه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم. فإذا أبانته العلماء للأئمة والملوك -أي أن مهمة العلماء أن يبينوه لأئمتهم، لولاة أمورهم، وكذلك يبينونه للناس- يبينون هذه العقيدة، وأن العقيدة التوحيد كذا وكذا، وأنه يناقضها كذا وكذا، هذا واجب، بل هو أساس دعوة الرسل، وأول واجب على المسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإنهم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم» الحديث، فهو أول واجب، وأعظم واجب، وأهم واجب. قال رحمه الله تعالى: فإذا أبنته العلماء للأئمة والملوك -وجب على الأئمة والملوك- بعث دعاة إلى إخلاص التوحيد، فيكون هذا الأمر من الواجبات على الملوك والحكام: الدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك بالله جل وعلا. قال: فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه، نعم، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين. فهذا كما ذكر، وكما تقدم، هذا هو الواجب: البيان. وبعد البيان تكون إما جهادًا بالحجة والبيان، وهذا يكون أولًا، ثم يكون عبر الأمراء والحكام إذا لم يستجيبوا وعاندوا وامتنعوا، الانتقال من الجهاد باللسان والبيان والحجة إلى الجهاد بالسيف والسنان. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على