الكدح إلى الدار الآخرة

الخطبة بعنوان الكدح إلى الدار الآخرة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١١ جمادى الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها

الاستعداد ليوم القيامة وتقوى الله

يُبين الله عز وجل في القرآن الكريم أهمية الاستعداد ليوم القيامة بتقوى الله والعمل الصالح. الإنسان يسعى في الدنيا ثم يلقى ربه ليحاسب على أعماله.

جزاء المؤمنين يوم القيامة

المؤمنون يوم القيامة يُعطون كتبهم بيمينهم، فيحاسبون حسابًا يسيرًا ويدخلون الجنة مسرورين. هذا جزاء من راقب الله وعمل لآخرته.

عاقبة المفرطين في طاعة الله

من يفرط في طاعة الله ويترك العمل للآخرة، يُعطى كتابه وراء ظهره ويدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا. سبب هذا العذاب هو الانغماس في الدنيا.

الدعاء بالتوفيق والختام بالصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن دعاءً بالتوفيق لطاعة الله والإصلاح، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه.

  • 12 جمادى الآخرة 1435هـ - 12/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهله مسرورًا، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا. هذه الآيات، عباد الله، يخاطب الله عز وجلًا بها كل إنسانٍ في هذه الدنيا، يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحًا، أي ساعٍ في هذه الأرض وتكدح فيها وتعمل، ثم تلاقي ربك سبحانه وتعالى. إن سعيكم لشتى، ثم يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحًا فملاقيه، أي فملاقي هذا الكدح الذي عملته في هذه الدنيا وملاقي ربك سبحانه وتعالى الذي أوجدك في هذه الحياة والذي خلقك فسواك فعدلك، لك يومٌ تقف فيه بين يدي الله سبحانه وتعالى يحاسبك على أعمالك ويجازيك على أفعالك، إن أحسنت بالحسنى وإن أسأت فعليك. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، كل عبدٍ في هذه الدنيا آت الرحمن سبحانه وتعالى فردًا وحيدًا فريدًا، ليس معه سلطانه وليس معه جاهه وليس معه رئاسته وليس معه حرسه وجنوده، ليس معه أحدٌ من أهله ولا من أقاربه ولا من أحبائه وأصدقائه، وحيدًا فريدًا يقف بين يدي ربه سبحانه وتعالى يقرره بذنوبه ويحاسبه على أعماله. جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلمُه ربُّه، ليس بينه وبينه تُرجُمان ولا حجابٌ يحجُبه»، أي ليس بينه وبين الله مترجم يُترجم لهجته ويُترجم كلامه، ليس بينه وبينه تُرجُمان ولا حجابٌ يحجُبه، أي ستارٌ يمنعه من النظر إلى الله سبحانه وتعالى. فإن الله عز وجل لا يُرى في الدنيا ولن يستطيع عبدٌ أن يراه في هذه الحياة، جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عملٌ الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه من تَهَى إليه بصره من خلقه». سُبُحات وجهه، أي بهاؤه ونوره وجلاله، لم يستطع أحدٌ من الخلق أن يتحمل رؤية الله سبحانه وتعالى، ولذلك لما سأل موسى عليه السلام ربَّه جل وعلا أن يظهر له وأن يراه بعينيه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، قال الله عز وجل: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فلما تجلى ربُّه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا، فلما أفاق قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ما تحمل الجبل الصلب القوي رؤية الله، فكيف بالإنسان الضعيف؟ ولذلك صعق موسى عليه السلام، لكن يوم القيامة يجعل الله عز وجل للإنسان قدرةً على رؤية الله. قال: «ليس بينه وبينه تُرجُمان ولا حجابٌ يحجُبه»، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة. يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحًا فملاقيه، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يُحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهله مسرورًا. ما من عبدٍ في هذه الدنيا إلا سيُلاقي أعماله التي عملها في هذه الحياة في كتابٍ سُطِّرت فيه أعماله وسُجِّلَت فيه أقواله وأُثبِتَت فيه أفعاله، ما كان منها ظاهرًا وما كان منها باطنًا. قال الله عز وجل: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. قال الحسنُ البصري رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، قال: يا ابن آدم، وُكِّلَ بك ملكان كريمان، أحدُهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيكتب حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيكتب سيئاتك، فأقلل أو أكثر، حتى إذا مِتَ طُوِيَت صحيفتُك وجُعِلَت معك في قبرك حتى تخرُج يوم القيامة، فذلك قول الله عز وجل: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. ثم قال رحمه الله: قد عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. ويقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، اليوم تجدون جزاء أعمالكم التي عملتموها في هذه الدنيا. ويقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول: «هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ»، هذا جزاء أهل الإيمان والتقوى، هذا جزاء من راقب الله في الدنيا ومن خاف الله سبحانه وتعالى وعمل لآخرته وأيقن بلقاء ربه جل وعلا، فاستعدَّ لذلك اليوم بالأعمال الصالحة. أخذ كتابه بيمينه فافتخر أمام الخلائق جميعًا: «هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ»، انظروا إلى صحيفة أعمالي، انظروا ما فيها من أعمال ومحافظة على الواجبات وتركٍ للمعاصي والمحرمات. إني ظننتُ أني مُلاقٍ حسابيه، أي أيقنتُ يقينًا لا شك فيه ولا ارتياب أني سألاقي أعمالي، سألاقي جزاء أعمالي التي عملتُها في الدنيا، فاستعدتُ لذلك اليوم. فما هو الجزاء؟ فهو في عيشةٍ راضية، ما هي؟ في جنةٍ عالية قطوفُها دانية قريبة التناول، ليس فيها مشقة ولا تعب، يتناولُها وهو قائم وهو جالس وهو مُتَّكِئ. قال جل وعلا: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، هذا هو جزاء أعمالكم التي عملتمُها في الدنيا، والتي عملتمُها في الأيام التي قد خلت، قد وجدتم ثوابها وجزاءها. فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حسابًا يسيرًا، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من نوقِش الحساب عُذِّب»، قالت: ليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، قال: «يا عائشة، ليس ذلك بالحساب، وإنما ذلك العرض، ولكن من نوقِش الحساب عُذِّب»، متفقٌ عليه. وفي مسند الإمام أحمد عنها رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وفي بعض صلاته: اللهم حاسِبني حسابًا يسيرًا»، فقلت: يا رسول الله، وما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه»، يا عائشة، من نوقِش الحساب يومئذٍ هلك، أي من أخذه الله بسائر أعماله التي عملها جُل جليلها وصغيرها ودقيقها، كان ذلك سبب في هلاكه في ذلك اليوم العظيم. فسوف يُحاسَب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهله مسرورًا، هذا الذي أفلح والذي نجا والذي فازَ بنعيم الله ونجا من عذاب الله جل وعلا، ينقلب إلى أهله في الجنة وهو في غاية الفرح والسرور بما لقي، بما لقي من جزاء أعماله التي عملها في الدنيا. وأما من أوتي كتابه بشماله، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا، هذا جزاء المقصر والمفرط الذي ضيَّع حدود الله جل وعلا، والذي انهمك في هذه الدنيا وترك ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه. فأعطى شأنًا لنفسه ما تريد، وقدم شهوات نفسه على طاعة ربه سبحانه وتعالى، ضيَّع الواجبات وارتكب المعاصي والمحرَّمات، فكان له جزاء أعماله أن يكون من الخاسرين يوم القيامة. يأخذ صحيفة أعماله من وراء ظهره، أي بشماله، من وراء ظهره، وراء ظهره زيادةً في التنكيل والتوبيخ والعذاب. فإن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾، يدعو ثبورًا، ينادي ويولول، وثبورًا وخسرًا وهلاكًا وخسرًا، لأنه ضيَّع ما أوجب الله سبحانه وتعالى، فكان الجزاء أن يصلى سعيرًا، نارًا وجحيمًا، عياذًا بالله. نسأل الله عز وجل أن يقينا وإياكم من عذابه. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، هذا هو السبب الذي جعله يفرط في طاعة الله سبحانه وتعالى، وهو أنه كان مسرورًا في أهله في هذه الدنيا، لم يعمل للآخرة ولم يفكر في لقاء ربه سبحانه وتعالى. واغتر بهذه الدنيا الفانية، فانهمك فيها وتعلق بها وترك طاعة الله سبحانه وتعالى، وظن أن لن يحور، أي أن لن يرجع إلى الله ولن يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وهذا هو ظن الكافرين وظن المجرمين والملحدين. قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، هذا ظن الكافرين وظن الملحدين. زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. جاء عند ابن أبي حاتم، رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى العاص بن وائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم من البطحاء ففته، ثم قال: يا محمد، أتزعم أن الله يحيي هذا بعد ما قد أرم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم»، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُنَّ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وجاء في صحيح البخاري عن خباب بن الأرث رضي الله عنه قال: كنت رجلًا قينًا، فعملت سيفًا للعاص بن وائل، ثم أتيته أتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقال: لا والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم يبعثك، ثم قال: حتى يميتك الله ثم يبعثك، فقال: فإذا ميت ثم بعثت، كان لي ثم مال وولد، فأقضيك، فأنزل الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. فيا عباد الله، ينبغي للمسلم أن يستغل حياته في طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن يعلم أن له يومًا سيرحل فيه من هذه الدنيا وسيبعث ويقف بين يدي ربه سبحانه وتعالى فيحاسبه على أعماله ويحاسبه على أفعاله. إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم، فإذا أيقن المسلم بهذا الأمر يقينًا جازمًا، فلابد أن يعمل له ولابد أن يصلح أعماله وأن يرجع إلى ربه وأن يتوب إلى خالقه وأن يصلح أحواله حتى يلاقي الله سبحانه وتعالى وله من الأعمال والأفعال ما تنجيه من عذاب الله وتكون سببًا في الفوز بنعيم الله جل وعلا. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا لطاعته وأن يعيننا جل وعلا على مرضاته، وأن يختم لنا بالحسنى. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على