المحاضرة بعنوان عنوان سعادة العبد، وكانت بمسجد عبدالرحيم الجمعة ١٨ جمادى الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها
بدأ الخطيب بتمجيد الله والشهادة بمحمد رسوله، ثم حذر من البدع والضلال وأكد على أهمية تقوى الله.
السعادة تأتي بالاستقامة على دين الله والقيام بطاعته، وذلك بتحقيق الشكر عند النعم والصبر عند الضرّاء والاستغفار عند الذنب.
الشكر يحتاج إلى اعتراف القلب واللسان وتسخير الجوارح لطاعة الله، والصبر على ثلاثة أقسام: على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره.
النص يشجع على طلب المغفرة والجنة ويبرز فضل التوبة والإيمان والعمل الصالح في تبديل السيئات إلى حسنات.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثَاتُهَا، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وكلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وكلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أيها المسلمون، نحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسأل لنا هذا اللقاء المبارك، وهذا المجلس الطيب في بيتٍ من بيوت الله جل وعلا، نتذاكر شيئًا من كتاب الله عز وجل، ومن سُنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام، مما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وفي آخرتنا. سعادة الدنيا والآخرة سعادتان، سعادةٌ دنيوية وسعادةٌ أخروية. سعادة الآخرة بالفوز بالجنة ونعيم الله سبحانه وتعالى، والنجاة من النار. ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. سعادة الدنيا التي يبحث عنها كلُّ عبد، يظن أن السعادة بجمع الأموال وكثرة متاع الدنيا، وملك القصور الشاهقة والمراكب الفاخرة، لكن السعادة الحقيقية بالاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى، والقيام بطاعة الله عز وجل. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. نَيْلَ السَّعَادَةَ الدُّنْيَوِيَّةِ هي بالقيام بطاعة الله سبحانه وتعالى، وثلاثة أمور إذا حقَّقها الإنسان وطبَّقها وعمل بها ولازمها في حياته، فإنه بإذن الله عز وجل سيجد سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة. أن يكون شاكراً لله سبحانه وتعالى عند النعم والسرّاء، وأن يكون صابراً عند الضرّاء، وأن يكون مستغفراً عند وقوع الذنب. الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر. أمر الله سبحانه وتعالى بشكره جل وعلا، وأن يقوم العبد بشكر ربه جل وعلا. ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. الله سبحانه وتعالى ما أنعم على الإنسان بالنعم الكثيرة إلا لتحقيق هذا المقام العظيم. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. الشكر يحتاج إلى ثلاثة أمور: أن يشكر الله عز وجل بقلبه، وأن يشكره بلسانه، وأن يشكره بجوارحه. «أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي ولساني والضمير المحجبة». القيام بشكر نعم الله سبحانه وتعالى لابد فيها أولا من الاعتراف بالقلب، ثم باعتراف اللسان، ثم تسخير هذه الجوارح بالقيام بطاعة الله سبحانه وتعالى. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. الصبر كذلك مقام عظيم من مقامات الإيمان، وهو النصف الثاني من الإيمان. ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعا، أمر الله سبحانه وتعالى بالصبر، وذكر الثناء على أهله، وما يتحصل عليه الصابرون من الأجر والثواب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. الصبر على ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله. الطاعة تحتاج منك إلى صبر، والمعصية تحتاج إلى صبر في تركها، والابتلاء يحتاج إلى صبر في مواجهته. «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوك يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة». «لا يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وأهله وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». الصبر عند أول المصيبة هو الأجر العظيم. «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». الاستغفار والتوبة إلى الله جل وعلا عند وقوع الذنب أو الخطأ، هو السبيل إلى محو الذنوب والسيئات. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا لطاعته، وأن يجعلنا جل وعلا من أهل السعادة في الدنيا والآخرة، إن ولي ذلك والقادر عليه، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.