صفات المنافقين

الخطبة بعنوان صفات المنافقين، ألقاها

خطورة النفاق وأقسامه

النفاق هو إظهار خلاف الباطن وقد قسم الله الناس إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين. النفاق له خطورة كبيرة حتى إن الصحابة كانوا يخافون على أنفسهم منه.

صفات المنافقين وموالاتهم لأعداء الله

من صفات المنافقين موالاة أعداء الله والحلف الكاذب والإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم وسنته والاستهزاء بدين الله وحملته. يُبين الله جل وعلا هذه الصفات في القرآن الكريم ويحذر من اتباعها.

تحذير المسلمين من النفاق وصفاته

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من النفاق وأمر المسلمين بالابتعاد عن صفات المنافقين مثل عدم التفكير في الغزو والتكاسل عن طاعة الله والتخلف عن صلاة الجماعة. يجب على المسلمين الحذر من هذه الصفات والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه.

  • 22 جمادى الآخرة 1435هـ - 22/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤتون الصلاة ويؤتون الزكاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ إلى آخر هذه الآيات من أول سورة البقرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قسم الله جل وعلا الناس إلى ثلاثة أقسام: مؤمن في الظاهر والباطن، وكافر في الظاهر والباطن، ومنافق، وهو المؤمن في الظاهر والكافر في الباطن. وعلى هذا أنزل الله جل وعلا أول الآيات من سورة البقرة، فيها بيان هذه الأصناف الثلاثة، فذكر الله جل وعلا في الآيات الأولى أربع آيات في صفات المؤمنين، وأنزل الله جل وعلا آيتين في صفات الكافرين، ثم أنزل جل وعلا بضعة عشر آية في صفات المنافقين. وما ذاك إلا لعظم النفاق وخطر هذه الصفة الذميمة، ألا وهي النفاق، والنفاق هو إظهار خلاف الباطن، والنفاق على قسمين: نفاق اعتقادي، وهو أن يظهر الشخص الإسلام في الظاهر وهو كافر في الباطن، ونفاق عملي، وهو أن يكون عنده الإسلام ولكن يتصف ببعض صفات المنافقين التي أكبر بها الرب جل وعلا أو نبينا عليه الصلاة والسلام. وظهور النفاق كان في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الناس كانوا في مكة إما مؤمن وإما كافر، فلما هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وقويت شوكة الإسلام وظهر عز المسلمين، أظهر بعض الكافرين الإسلام في الظاهر خوفا أو رغبة، فظهر النفاق في ذلك الزمن. ولخطر النفاق كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يخافون على أنفسهم منه، قال عمر -أو روي عن عمر- رضي الله تعالى عنه: أنه كان يقول لحذيفة رضي الله تعالى عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم -فقد أسر إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعض أعيان المنافقين- فكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول لحذيفة: أذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين. ورؤي عنه أنه كان لا يصلي على من مات حتى يصلي عليه حذيفة، خشية أن يكون من المنافقين. وقد جاء في صحيح الإمام البخاري معلقا عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخشى على نفسه النفاق. وهذا دليل على قوة الإيمان، فإن المؤمن يخاف على نفسه من النفاق، وقد كان النفاق موجودا كما قلنا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو خير القرون وأفضل الأزمان، فانتشار النفاق في بعده أكثر وأعظم. ولهذا قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: النفاق اليوم أكثر مما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان هذا في زمن حذيفة، فكيف في زماننا هذا؟ وكيف في وقتنا هذا؟ فلهذا كان حريا على المسلم أن يعرف بعض صفات المنافقين التي وصفهم الله جل وعلا بها، وأخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يحذر أن يكون من أهل النفاق وهو لا يعلم. ومن صفات أهل النفاق ما ذكر الله جل وعلا في هذه الآيات في سورة البقرة: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ الآيات. ذلك أن لا يصدق الشخص في إيمانه، لا يصدق مع الله جل وعلا، وإنما يظهره في الظاهر إما خوفا وإما رغبة أو رهبة أو لمصلحة من المصالح. فهذه من صفات أهل النفاق، ومن ذلك أن قلوبهم قلوب المرضى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾، فزادهم الله مرضا. وقال الله جل وعلا: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾. فمن صفات أهل النفاق أنهم مرضى القلوب، مرضى بالشهوات وكذلك بالشبهات، فهم ممن يدعو إلى شهوات النفوس، ممن يدعو إلى الرذائل والفواحش. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾. فمن مرضى القلوب من يدعو إلى حرية، أو يدعو إلى تحرير المرأة، وأن تفعل المرأة ما شاءت، وكذلك من يدعو إلى مخالطة المرأة للرجال، وكذلك مشاركة المرأة للرجال في جميع الأعمال وفي جميع الشؤون. فهذه من دعوة مرضى القلوب، ومن ذلك أيضا من يخالط النساء ولو بدعوى تعليمهن للقرآن، فإن هذا لا يصدر إلا ممن كان قلبه مريضا. والله جل وعلا يقول: ﴿ولا تخضعن في القول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا﴾ إلى غير ذلكم من الدعاوى التي يدعو إليها مرضى القلوب. ومن صفات أهل النفاق أنهم يوالون أعداء الله جل وعلا، يقول الله سبحانه: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا﴾. فإن الله جل وعلا أخبر أن من صفات أهل النفاق موالاة أعداء هذا الدين من الكفر، من اليهود والنصارى وغيرهم. فإن الله جل وعلا قد نهانا أن نولى الكافرين، وأخبر جل وعلا أن من تولاهم فهو موعود بالوعيد العظيم. قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾. وقال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء﴾. وقال جل وعلا: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾ إلى آخر الآيات. ولهذا من ولى أعداء هذا الدين فإنه قد اتصف بصفات أهل النفاق، ومن ذلك من يدعو إلى وحدة الأديان والاتفاق بين الأديان، يدعو إلى اجتماع المسلم مع اليهود والنصارى، ويقول إن اليهود والنصارى على دين صحيح وعلى دين سماوي، فلماذا نفترق ولماذا نختلف؟ وكلنا يؤمن بما أنزل إليه. فهذه الدعوى الكافرة الفاجرة التي يدعو إليها بعض من ينتسب إلى الإسلام، والله جل وعلا يقول: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿إن الدين عند الله الإسلام إن الدين عند الله الإسلام﴾. فهذه من صفات أهل النفاق، ومن ذلك أيضا من صفاتهم أنهم يحلفون الأيمان الفاجرة والأيمان الكاذبة نصرة لأنفسهم دون خوفا من الله ومراقبة لله سبحانه. يقول الله جل وعلا: ﴿يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وما واهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم فإنهم رجز وما واهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾. هذه الآيات نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع النبي عليه الصلاة والسلام -وكان من عادته أنه إذا رجع بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيتيه المخلفون ممن تخلف عن الغزوة فيعتذرون إليه ويحلفون له- فجاء هؤلاء المنافقون وحلفوا للنبي عليه الصلاة والسلام كذبا وبغتا أنهم ممن له عذر. فأنزل الله جل وعلا تكذيبهم وأنهم كاذبون في ذلك بهذه الآيات التي فضحهم الله جل وعلا بها. وأكد أيضا ما جاء في الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس شدة، فقال عبد الله بن أبي وهو رأس المنافقين: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد بن أرقم: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فدعاه عليه الصلاة والسلام وسأله عن ذلك، قال: فاجتهد يمينه ما قال، أي حرفا بالله أنه ما قال ذلك. قال: فقال الناس: كذب زيدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله جل وعلا تصديقي: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ إلى آخر الآيات. فانظروا عباد الله إلى صفة هؤلاء المنافقين الذين يحلفون أيمانا فاجرة وأيمانا كاذبة من أجل أن ينصروا أنفسهم أو يكونوا أموال الناس بالباطل. وكم من المسلمين اليوم من يحلف وهو بالله جل وعلا يحلف بالله وهو يعلم أنه كاذب وأنه فاجر فيما يحلف فيه، ولا يبالي بذلك، ولا يراقب الله ولا يخاف من الله سبحانه وتعالى. ومن صفات أهل النفاق أنهم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ويؤذونه عليه الصلاة والسلام في سنته بعد مماته. يقول الله جل وعلا: ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولونه أذن أذن خير لكم يؤمنوا بالله ويؤمنوا للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾. هذه الآية التي نزلت في سورة براءة، هذه السورة التي سميت بالقاذفة والمبعثرة لأنها فضحت المنافقين، فضحهم الله جل وعلا بقوله: ﴿ومنهم ومنهم﴾ حتى قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: حتى ضمنا أن لا يبقى أحد إلا فضحه الله. فهذه الآية أخبر الله جل وعلا أن من صفات أهل النفاق أنهم يؤذون النبي عليه الصلاة والسلام، ويقولون هو أذن أن يستمع لكل ما يقال له ويصدق كل من تكلم معه، إنما هو أذن. فكذبهم الله سبحانه وتعالى وأخبرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أنهم كاذبون بما أخبره الله جل وعلا من صفاتهم، كما قال جل وعلا: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم﴾. ومن ذلك من يحارب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستهزئ بها أو يتنقص منها، أو كذلك أيها يستهزئ بحملتها، فإنه موذي للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من صفات أهل النفاق أنهم يستهزئون بدين الله ويستهزئون بحملة هذا الدين من العلماء الصادقين والعلماء الربانيين. يقول الله جل وعلا: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعفو عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين﴾. فالله جل وعلا أخبر أن من صفات أهل النفاق أنهم يستهزئون بكتاب الله ويستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضا بحملة هذا الدين. وقد جاء في سبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه -حين كانوا في غزوة تبوك- قال رجل: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- أرغب بطونا وأكذب ألسنا وأجبن عند اللقاء. فقال عوف بن مالك: كذبت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد سبقه. فخرج عليه الصلاة والسلام فجاء هذا الرجل الذي تكلم بهذا الكلام، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، إنما كنا نخوض ونلعب. والنبي عليه الصلاة والسلام لا يزيد أن يقول له: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ قد كفرتم بعد إيمانكم. فاستذلال العلماء -آله الآية- أن من استهزأ بشيء من الدين، من كتاب الله جل وعلا أو بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك يعتبر من الردة والكفر والخروج من دين الإسلام. ومن ذلك أيضا الاستهزاء بالعلماء، لأن قول هذا الرجل: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء" فإن القراء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هم العلماء، فإن حفاظ القرآن كانوا هم أهل العلم، بخلاف الحفاظ في هذا الزمان، فإن كثيرا منهم يحفظ القرآن ولا يفقه منه شيئا. فقال أهل العلم: من قعن في العلماء، فإن هذا طعن فيما يحملونه من دين الله جل وعلا، فيما يحملون من الحق من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبهذا يعلم أن من فعل ذلك فهو ممن فيه خصلة من خصال أهل النفاق، وكم ممن يستهزئ بدين الله جل وعلا، ربما يسخر من كتاب الله أو يسخر بسنة رسول الله، أو كذلك يستهزئ بالعلماء ويرميهم بالألقاب، ماذا الألقاب الخبيثة التي لا يجوز أن تقال فيهم؟ فإن من فعل ذلك فهو من أهل النفاق كما أخبر ربنا جل وعلا في كتابه الكريم. ومما أخبر الله جل وعلا من صفات أهل النفاق أنهم لا يوفون بالعهود والمواثيق التي عاهدوا الله جل وعلا بها. قال الله جل وعلا: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلطوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. ومن صفات أهل النفاق أنهم كذلك ممن يفجر في الخصومة إذا حصل بينه وبين صاحبه خصومة واختلاف، فجر وكذب عليه وادعى فيه ما ليس فيه. قال الله جل وعلا: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض يفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾. ومعنى ألد الخصام: أي الذي يفجر في الخصومة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين- من حديث عبد الله بن عمر: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهم كان فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد فجر، وإذا خاصم فجر". وكم من الناس من يفجر في الخصومة إذا حصل بينه وبين أخيه شحناء أو اختلاف، كذب عليه وفجر في هذه الخصومة. ومن ذلك عباد الله إخلاف الوعد، فإنه صفة من صفات أهل النفاق، كما قال عليه الصلاة والسلام: "وإذا وعد أخلف". أي أنه يعد ويتعمد أن يتخلف، فهذه من صفات أهل النفاق، أما إن حصل منه يذر ومانع منعه من إيطاء الوعد، فإنه لا يكون بذلك ممن اتصف بهذا الوصف. ومن صفات أهل النفاق الذي ينبغي للمسلم أن يتنزه عنها الكذب في الحديث، الكذب إذا حدث كذب. قال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين- من حديث أبي هريرة: "آية منافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". فالكذب في الحديث من صفات أهل النفاق، أنه يكذب إذا تحدث وإذا تكلم، والمؤمن يصدق في الحديث ولا يكذب. ومن صفات أهل النفاق التي ينبغي للمسلم أن يتنزه عنها وأن لا يكون مما يتصف بها أنهم يلمزون أهل الطاعات ويلمزون أهل الخيرات بأقوال وكذلك بلمز لا يجوز أن يقال فيهم. يقول الله جل وعلا: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن يعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾. هذا من صفات أهل النفاق، جاء في الصحيحين من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل بشيء كثير فقالوا: هذا مراء، وجاء آخر بصاع فقالوا: إن الله غني عن صاع هذا. فأنزل الله جل وعلا: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ الآية. ومن صفات أهل النفاق أنهم يتكاسلون عن طاعة الله ويتكاسلون عن عبادة الله، ومن ذلك الصلاة. قال الله جل وعلا: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾، فإن الله جل وعلا أخبر أن من صفات المنافقين أنهم يتكاسلون عن الصلاة. وكذلك من صفاتهم أنهم يتخلفون عن الجماعة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا". أي لو علموا ما فيها من الأجور لأتوها وهم يحبون على رقابهم، وأتوهما. قال عليه الصلاة والسلام: "تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرن الشيطان قام ينقرها لا يذكر الله إلا قليلا، لا يذكر الله إلا قليلا". وجاء في الصحيح عن ابن مسعود قال رضي الله تعالى عنه: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. أي ما يتخلف عن صلاة الجماعة إلا من كان منافقا، فكم من الناس اليوم من يتخلفون عن صلاة الجماعة، ينادي المنادي للصلاة ولا يبالي كثير من الناس بمناديه، ويتخلفون عنها بلا عذر ولا مسوغ لهم لهذا التخلف. أما يخشون هؤلاء أن يكونوا من أهل النفاق؟ وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق". فهذا عباد الله بعض صفات المنافقين التي ينبغي للمسلم أن يحذرها، وكذلك أن يتنزه عنها. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

شاركنا على