تحذير البرية من الزيارات الشركية

الخطبة بعنوان تحذير البرية من الزيارات الشركية، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١ شعبان ١٤٣٨هـ ألقاها

دور الرسول في الدعوة إلى التوحيد

الرسول صلى الله عليه وسلم دعا إلى توحيد الله ونهى عن الشرك والغلو في الصالحين. كما حذر من البناء على القبور وتعظيمها لما في ذلك من خطر الشرك.

ضوابط زيارة القبور وتحذير النبي من الشرك

نهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من يفعل ذلك، وحدد ضوابط لزيارتها لتذكر الآخرة والدعاء للميت. كما حذر من زيارة القبور بشكل مبتدع والشرك بالله.

التأكيد على التوحيد والصلاة على النبي

يؤكد على أهمية التوحيد والتحذير من الشرك، ويتضمن الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويبدأ الأذان بقول الله أكبر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. بعث الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام في زمنٍ كثر فيه الجهل، وظهر فيه الشرك، وطمست فيه معالم التوحيد، فدعا إلى دين الله جل وعلا، وإلى توحيد الله، وإلى إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، فأخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. فجعله الله جل وعلا هدايةً لهذه الأمة، وأمر جل وعلا بطاعته واتباعه، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، أدى ما أمره الله جل وعلا به في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وإن أعظم خير دعانا إليه ودلنا إليه عليه الصلاة والسلام هو توحيد الله جل وعلا، وإفراده بالعبادة، وإخلاص العبادة لله جل وعلا وحده. وأعظم شر حذرنا منه هو الشرك بالله، وصرف العبادة لغير الله، واتخاذ الأنداد مع الله سبحانه وتعالى، إذ أنه سبب لحبوط الأعمال، ولحرمان دخول الجنة، ولأن يكون صاحبه من أهل النار عياذًا بالله. كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وما من طريق وسبيل يوصل إلى الشرك بالله جل وعلا إلا وحذر منه عليه الصلاة والسلام أشد التحذير، ومن ذلك نهيه عليه الصلاة والسلام عن البناء على القبور، وعن تعظيم والغلو في الصالحين، فإنه سبيل عظيم من السبل التي توقع في الشرك بالله جل وعلا. وهل وقع أول شرك في هذه الأرض إلا بسبب الغلو في الصالحين، كما أخبر الله جل وعلا في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال ابن عباس كما في صحيح البخاري: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، لما ماتوا أوحى الشيطان إلى أوليائهم أن انصبوا إلى مناصبهم إلى أماكنهم أو قبورهم أنصابًا، حتى إذا هلكوا ولم تعبد أوحى الشيطان إليهم فعبدت من دون الله جل وعلا". فلذلك نهى عليه الصلاة والسلام أن يبنى على القبر، أو أن يجسس، كما في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وهو كذلك أيضًا في مسلم عن علي رضي الله عنه أنه قال لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". أي هدمته وجعلته كسائر القبور، لا يزاد زيادة عن الشبر، وذلك بإرجاع ما يخرج منه من التراب. وهكذا لعن عليه الصلاة والسلام من اتخذ القبور مساجد، كما في حديث عائشة وأم سلمة أنهما ذكرتا لرسول الله عليه الصلاة والسلام كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». ولما نزل برسول الله عليه الصلاة والسلام مرضه، طفق يضع خميصة على وجهه، فإذا اقتحم كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت رضي الله عنها: "يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وكأنه علم عليه الصلاة والسلام أنه سيرحل من هذه الدنيا بما أصابه من هذا المرض، فخشي أن يقع الناس فيما وقع فيه أهل الزمن الماضي من الغلو في الصالحين". وهكذا قال عليه الصلاة والسلام كما في مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». فلعن عليه الصلاة والسلام وحذر من اتخاذ القبور مساجد، واتخاذها مساجد ليس فقط بمجرد البناء عليها كما قد يظن الكثير، بل لها معنى أعم من ذلك. ومن ذلك أيضًا نهيه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة إلى القبور، كما في مسلم حديث أبي مرثد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها». وعند الطبراني بسند حسن قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصلوا إلى القبور ولا تصلوا على القبور». فاتخاذ القبور مساجد بفعل الطاعة والعبادة عندها من صلاة أو دعاء أو غير ذلك من العبادات والطاعات، واتخاذ القبور مساجد له ثلاث صور: الصورة الأولى بالسجود عليها، والصورة الثانية باستقبالها بالصلاة والدعاء، والصورة الثالثة ببناء المساجد عليها. فنهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك كله سدًا لذريعة الشرك، وحماية لحمى التوحيد أن يقع العباد فيما نهى الله وفيما حرم الله سبحانه وتعالى. وما ذاك عباد الله إلا لأن نفوس كثير من الناس من جهلة المسلمين لربما يقترون بذلك القبر أو بذلك الضريح الذي قد زين وقد شيد وقد بني ورفع، فربما يقتر به ويلجأ إليه. إذ أن النفوس تقتر بقبور من يزعم فيهم أنهم من الصالحين أشد اقترابًا ممن يقتر بخشبة أو حجر أو غير ذلك من الجماد. ولذلك تجد الكثير من هؤلاء من ربما يخشع ويخضع ويفعل من العبادات والطاعات ما لا يفعله في بيوت الله، وما لا يفعله في مساجد الله جل وعلا. وإن قصد القبور بأجل العبادة والطاعة من صلاة ونحوها، واعتقاد أن في ذلك فضيلة وفي ذلك منزلة أعظم من فعلها في بيوت الله جل وعلا، له من أعظم المحادة لدين الله جل وعلا ولما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن الابتداع في دين الله ما لم يأذن به الله. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن النبي عليه الصلاة والسلام قد شرع للأمة زيارة القبور لأجل أمرين: أولهما تذكر الآخرة، والأمر الثاني الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة. ففي صحيح الإمام مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». وفي الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». وهكذا قال عليه الصلاة والسلام كما عند الإمام النسائي: «زوروا القبور ولا تقولوا هجرًا»، أي لا تقولوا قولًا فاحشًا عند زيارتها. فإن زيارة القبور لا تكون زيارة شرعية إلا إذا توفرت فيها الضوابط التي وردت في الشرع، ومن ذلك أن لا تشد إليها الرحال. ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى». والأمر الثاني أن لا يقال هجرًا، أي قولًا فاحشًا، وأعظم الفحش هو الشرك بالله جل وعلا من دعاء الأموات والاستغاثة بهم وطلب المدد والولد وكشف الكربات وقضاء الحاجات وغير ذلك من أنواع الشرك التي تقع بين الأضرحة من بعض جهلة المسلمين. والأمر الثالث أن لا تكون الزيارة لوقت محدد تدور على دوران الأسبوع أو الشهر أو السنة، فإن كان كذلك فليست بزيارة شرعية. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل قبره عيدًا، أن يعتاد بالزيارة وبالقصد إليه، فكيف بقبر غيره عليه الصلاة والسلام؟ وبهذا نعلم أن ما يقام وما يفعل في مثل هذا الشهر وفي الأيام القادمة من فعل تلكم الزيارة المسماة بزيارة هود عليه السلام الذي يزعم أن قبره في الأحقاف، فتفعل له زيارة يأتي إليها الناس من هنا وهناك لقصد زيارته، فيقع في هذه الزيارة مخالفات كثيرة وأمور تضاهي دين الله سبحانه وتعالى. ففيها شد للرحال واتخاذها كذلك عيدًا وموسمًا، وهكذا كذلك ما يقع فيها من الهجر والقول الفاحش من دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله جل وعلا. ولا أصرح من ذلك من قول قائلهم الذي يدعو ويحث على زيارة قبر هود بقوله: "هود النبي المرسل في وادي الأحقاف قبره صحيح، زوروه واحذر تكسل، واطل مرادك حول الضريح". هذه دعوة صريحة إلى الشرك بالله وإلى دعاء غير الله وإلى الاستغاثة بغير الله جل وعلا، فأي شرك أعظم من هذا؟ وأي كفر أشد من ذلك؟ وأي مضاهاة يضاهى بها دين الله جل وعلا؟ بل إن هذه الزيارة تجعل في مقام الحج لبيت الله الحرام، بل تسمى عند بعضهم بالحج الأصغر، ويفعل لها من المناسك ما يشابه حج بيت الله الحرام من اقتسال ووقوف ورمي وذبح وطواف وغير ذلك مما يضاهي دين الله جل وعلا. فكيف يفعل المسلم العاقل الذي ينتسب إلى هذا الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أصله وأساسه قائم على توحيد الله وعلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة وبقطع التعلق عن غير الله جل وعلا وبالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى بصرف العبادة له وحده جل وعلا، ولا يشرك مع الله جل وعلا أحدًا لا نبيًا مرسلًا ولا ملكًا مقربًا ولا غير ذلك من مخلوقات الله؟ فإنه لا يستحق العبادة إلا الله جل وعلا وحده. فإذا علم ذلك، فإن قامت مثل هذه الزيارة تعتبر من مظاهر الشرك والوثنية التي يجب على كل مسلم إنكارها وعدم الرضا بها، بل والتحذير منها بقدر المستطاع. نعم، ينبغي الحذر من مثل هذه الزيارة وغيرها التي تخالف دين الله جل وعلا، ولا يجوز لمسلم أن يحضرها أو أن يذهب إليها أو أن يكثر من سواد أهلها ولو كان لمقصد من مقاصد الدنيا. فإن هذه معصية عظيمة، أي ذنب أعظم من الشرك بالله جل وعلا؟ والنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، أن تجعل لله ندًا أي مثيلًا ونظيرًا، وهو الله جل وعلا الذي خلقك وأوجدك في هذه الدنيا، وتفرد جل وعلا بإيجادك وخلقك ورزقك وغير ذلك مما تقوم به أمورك في هذه الدنيا. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يرد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا. اللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا، اللهم من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك فانصره وأيده يا رب العالمين، ومن خذلهما فاخذله يا قوي يا متين. اللهم أمنا في أوطاننا وأصلح أمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلنا لا يتكفينا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. سبحان ربك رب العزة عما يحيطون به، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله...

شاركنا على