الدرس في أتاكم شهر رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 1 رمضان 1441هـ ألقاها
يستقبل شهر رمضان بإخلاص العبادة لله، ويتحقق ذلك بصيام وقيام إيمانًا واحتسابًا للأجر والثواب. يشترط في صيام رمضان الإيمان بفرضيته واحتساب الأجر من الله.
ينبغي استقبال شهر رمضان بالتوبة والإنابة إلى الله، والإقبال على طاعته، والمحافظة على الفرائض، واستغلال أوقات الشهر بالخير. الله يفتح أبواب الجنة ويغلق أبواب النار في رمضان.
ينبغي على المسلمين استغلال نعمة بلوغ شهر رمضان بالتقرب إلى الله وطاعته، والابتعاد عن المعاصي والمحرمات، لتحصيل المغفرة والرحمة. المحروم من خرج من الشهر ولم يغفر له.
يتضمن المقطع دعاءً بالعافية والحماية من الوباء والبلاء والفتن، مع التضرع إلى الله للحماية من الأمراض. يختم بالتمجيد لله والصلاة على النبي محمد.
إِنَّا الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، لقد أظل لكم شهرٌ مبارك وموسمٌ عظيم من مواسم الخير والبر، ضيفٌ لطالما اشتاقت له نفوس أهل الإيمان والتقوى، ألا وهو شهر رمضان المبارك، شهر الصيام والقيام، شهر القرآن والإطعام، شهر البر والإحسان، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان. روى الإمام النسائي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاكم شهرٌ مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتصفد فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم». هذا الشهر العظيم، عباد الله، الذي ينبغي أن يستقبله المؤمن بإخلاص العبادة لله، أن يُخلِص في صيامه وقيامه، وأن يحتسب الأجر والثواب من الله جل وعلا حتى ينال مغفرة الله ورحمته. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيِّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أن صيام شهر رمضان وقيامه سببٌ عظيم لمغفرة الذنوب والخطايا، لكن لا بد من تحقيق هذين الشرطين، ألا وهما الإيمان والاحتساب. الإيمان بفرضية الصيام ووجوبه، واحتساب الأجر والثواب من الله جل وعلا، فلا يصوم المؤمن هذا الشهر عادةً ولا يصومه حياءً ولا يصومه رياءً، وإنما يصومه إيماناً واحتساباً للأجر والثواب، فليس في قلبه كراهية لهذه العبادة ولا استثقال لها. وهكذا قيام رمضان، وهي صلاة القيام والتراويح، من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، فيقوم إيماناً بمشروعيته واحتساباً للأجر والثواب، فلا يستثقل عبادة القيام ولا كذلك يقع في قلبه شيءٌ من الكراهية لها. ينبغي عباد الله أن نستقبل هذا الشهر العظيم، وها نحن نعيش في أول أيامه، ونسأل الله جل وعلا أن يتمم لنا صيامه وقيامه، أن نستقبله بالتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا، فما منا من أحدٍ إلا وهو مذنبٌ وهو كذلك مقصرٌ، فهذا شهر التوبة وشهر المغفرة والرحمة. فأقبل أيها المسلم على ربك جل وعلا بالتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب والخطايا والتضرُّع لله جل وعلا، فإنك تعيش في موسمٍ عظيم من مواسم مغفرة الذنوب والخطايا. جعل الله جل وعلا في هذا الشهر من أسباب مغفرة الذنوب ما ليس في غيره من الشهور، تُفتح فيه أبواب الجنان التي هي رحمةٌ من رحمات الله يرحم الله جل وعلا بها من شاء من العباد، وتُغلَّق فيه أبواب النيران التي هي من عذاب الله جل وعلا يعذِّب بها من يشاء. فهذه أبواب الجنة فتحت، وأبواب النار غلِّقت، وصفِّدت الشياطين، أي غلَّت بالأغلال والسلاسل حتى لا تصدَّ العباد عن طاعة الله جل وعلا، وينادِ منادٍ: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، يا من يريد الخير، يا من يريد رحمة الله، يا من يريد مغفرة الله، يا من يريد الفوز بالجنة ونعيمها، يا من يريد نيلة رضوان الله جل وعلا، أقبل على طاعة الله وأقبل على مرضاة الله جل وعلا، ويا من يريد الشر أقصر وابتعد وكفَّ عن معصية الله جل وعلا». وهكذا أيضًا يُعتق الله جل وعلا في هذا الشهر من عباده من النار، من يُعتق ممن يُقبل على الله سبحانه وتعالى. عباد الله، ينبغي أن نستقبل هذا الشهر بالعزيمة على استغلال أوقاته وإعمارها بطاعة الله سبحانه وتعالى، المحافظة على الواجبات والفرائض، والمحافظة على الصلوات في بيوت الله جل وعلا مع الجماعة، والإقبال على كتاب الله جل وعلا تلاوةً وقراءةً وسماعًا وتدبُّرًا. الإقبال على فعل الخير والإحسان من بر للوالدين وصلة للأرحام وإحسان للجوار وإحسانٍ في معاملة الخلق في البيع والشراء وغير ذلك من أبواب المعاملة، استغلال هذا الشهر بالتفقه في دين الله جل وعلا وسماع المجالس العلمية. وإن كانت الدروس علِّقت من باب الاحتراز من ذلكم الوباء، فها هي إذاعة دار الحديث بالشهر تبُثُّ لكم المجالس العلمية والدروس النافعة الماتعة، فاحرِصوا على سماعها والاستفادة منها. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ينبغي أن نحمد الله جل وعلا الذي أطال في أعمارنا حتى بلغنا هذا الشهر المبارك، وهذا الموسم العظيم من مواسم الخير والبر، فكم من أناس كانوا يتمنون لقاء هذا الشهر ويتمنون بلوغه وإدراكه، فحال بينهم وبين بلوغه الموت، ففنيت أعمارهم وانتهت آجالهم وطوفيت صحائف أعمالهم. ومد الله جل وعلا في أعماركم نعمةً من الله ومنةً من الله سبحانه وتعالى، ينبغي أن نحمد الله عباد الله الذي بلغنا هذا الشهر المبارك ونحن في صحةٍ وعافية، في أيامٍ ابتلي بها العالم بذلكم الوباء المسمى بفيروس كورونا. وأنتم عفاكم الله جل وعلا حين ابتلى غيركم، وسلمكم الله إذ أصاب به من بجواركم، وحفظكم الله إذ عاقب به غيركم، فلله جل وعلا الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم. ألا عباد الله، فاستغلوا هذه النعمة التي منَّ الله جل وعلا بها عليكم، وأقبلوا في هذا الشهر على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأقبلوا على فعل الطاعات والقربات، وكفوا عن فعل المعاصي والمحرمات. فإن المحروم والخاسر من خرج عليه هذا الشهر ولم تغفر له ذنوبه ولم تكفر عنه سيئاته، روى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: «آمين ثلاثاً، فلما سئل عن ذلك أخبر أن جبريل عليه السلام قال: يا محمد، من أدرك شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين، فقلت آمين». وفي رواية قال: «فدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت آمين»، انظروا عباد الله إلى هذه الدعوة العظيمة وهذا الوعيد الشديد، دعوة دعا بها جبريل عليه السلام أفضل ملائكة الرحمن، وأمن عليها خير البشر وأفضل الأنبياء والرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أن من دخل عليه رمضان ثم خرج فلم يغفر له فأبعده الله أو دخل النار عياذاً بالله، وذلك لأنه قد هويئت له أسباب المغفرة وأسباب الرحمة ثم لم يقبل عليها ولم يأخذ بأسبابها ولم يطلبها. فكان حريٌ به أن ينال أو أن يصاب بهذه المصيبة العظيمة، وأن يعاقب بهذه العقوبة الشديدة، أن يدخل النار وأن يبتعد عن رحمة الله جل وعلا. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يوفقنا جل وعلا على استغلال أوقاتنا في طاعته ومرضاته، اللهم تقبل منا الصيام والقيام، اللهم عنا على صيام شهر رمضان وقيام لياليه وإعمار أوقاته بطاعتك ومرضاتك يا أرحم الراحمين. اللهم عافنا وعفو عنا، اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيء الأسقام، يا قوي يا متين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.