الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 22، ألقاها
يناقش حكم من يعتقد في القبور والأولياء عقيدة المشركين، ويذكر أن العلامة الصنعاني يرى أنهم مشركون كالذين يعتقدون في الأصنام. يُبرر ذلك بأن اعتقادهم في غير الله ينقض التوحيد الذي جاءت به الرسل.
يشرح مظاهر الشرك بالله في العبادات والمعتقدات، حيث يعتقد الناس في غير الله أنه ينفع ويضر. يصرفون العبادات لغير الله، ويزيدون على المشركين الأول في الإنقياد والاستعباد.
يناقش مفهوم الشرك بالله تعالى من خلال تعظيم الأولياء ودعاءهم، ويرى الإمام الصنعاني أن هذه الأفعال شرك بالله تعالى. كما يبين أن الرياء شرك بالله تعالى ولا ينفع صاحبه إنكاره للشرك.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى، وهو في صدد كشف شبهات القبورية، بعد أن ذكر رحمه الله تعالى أنهم يعتقدون في بعض فسقة الأحياء ما يعتقدونه في الله رب العالمين جل وعلا، ويدعونهم في الشدة والرخاء، ويعتكفون على قبورهم، ويقولون فيهم ما لا يليق إلا بالله جل وعلا. فبعد أن ذكر ما ذكر من ذلك، قال: فإن قلت: فيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة الخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟ هذا سؤال، وهو واضح. من يعتقد في القبور والأولياء، وكذلك في الفسقة، عقيدة المشركين، بل وأشد؛ لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ينفعون استقلالًا من دون الله رب العالمين جل وعلا، ويضرون كذلك، ويدعونهم ويستغيثون بهم، ويصرفون إليهم أنواعًا وأنواعًا من العبادات. فيقول العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى: فإن قلت: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة الخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟ أي أنهم مشركون كمشركي العرب الأول. قال: قلت: نعم. هكذا جزم رحمه الله تعالى بالجواب، وهذا الجواب لا يتردد فيه من عنده أدنى معرفة بحقيقة التوحيد، وأدنى حقيقة بما ينقض التوحيد الذي جاءت به الرسل. فإنهم لا يترددون، ولا يشكون أن من صدر منه تلك الأفعال من اعتقادات باطلة لا تجوز أن تكون إلا لله رب العالمين جل وعلا، من أن من كان كذلك بأنه مشرك بالله جل وعلا، كائنًا من كان ذلك الغير. وإن زعم ما زعم ذلك الغير، العبرة بالحقائق والمسميات والمعاني، ليست العبرة بمجرد الألفاظ والإدعاءات والمزاعم. إنما العبرة بحقائق الأمور ومعانيها. لذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا: قال قلت: نعم، قد حصل فيه ما حصل في أولئك، وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم في الاعتقاد. أي أن مشركي العرب شركهم أخف من شرك متأخري هذه الأمة ممن ينتسب إلى هذه الأمة. قال: بل زادوا عليهم في الاعتقاد، كما تقدم؛ إذ أنهم اعتقدوا في غير الله جل وعلا عقيدة لا تكون ولا يستحقها إلا الله. إذ أنهم اعتقدوا في غير الله جل وعلا أنه ينفع بذاته ويضر بذاته استقلالًا، بل لهم قدرة على تحريك الكون، وعلى رزق من طلب منهم الرزق، وعلى إعطاء من طلب منهم العطاء، وعلى إغاثة الملهوف، ولو كانوا قد صاروا رفاتًا وعظامًا تحت الأرض، إلى جانب ما يحصل منهم من استغاثات ودعاء وذبح ونذر، بل وسجود وعكوف وطواف وتقبيل وخشوع وخوف، لا يكون إلا لله رب العالمين جل وعلا، إلى غير ذلك من معاني التعبد لله جل وعلا التي صرفت لغير الله جل وعلا، فصار بها أولئك مشركين بالله جل وعلا. إذ أنهم صرفوا العبادة، بل وصرفوا ما يستحقه الله جل وعلا من عقائد، ومن عبادات، ومن قرب، إلى غير الله جل وعلا. قال: بل زادوا عليهم في الاعتقاد والإنقياد، وفي الاستعباد كذلك؛ لأن المشركين الأول، القارئ في التاريخ يجد أن أولئك، أن بعض أولئك ربما صنع إلهه وربه بيده. بعضهم ربما صنع ربه، أي المشركون الأول، أو صنع إلهه -هذا اللفظ الصواب- صنع إلهه بيده من تمر، يصنع تمرًا على هيئة معينة، ثم يتقرب إليها ويدعوها ويستغيث بها، فإذا جاع أكل ذلك التمر. هذا المشركون الأول، فليس فيهم من الإنقياد ما في المشركين المتأخرين. المشركون متأخرون، من المحال أن يحصل منهم شيء يغض من مقام ذلك السيد أو ذلك الولي أو ذلك الذي يتقرب إليه؛ لماذا؟ خشية أن يصيبهم ذلك الولي. لذا تجد بعضهم ربما دخل على كبيره، على سيده، وربما دخل وهو قابض على قلبه وصدره؛ لماذا؟ يقول: أخشى أن يحصل في صدري شيء -شيء مجرد شيء يعني ولو حديث نفس- فيطلع عليه السيد، فلا يحصل لخير بعدها. يعني أنظر إلى هذا الحال، فهو كما ذكر رحمه الله تعالى: بل زادوا عليهم في الاعتقاد والإنقياد والاستعباد، زادوا على المشركين الأول. قال: فلا فرق بينهم. فلا فرق من حيث المعنى، ولا كذلك من حيث الحقيقة، بل زادوا عليهم. قال رحمه الله تعالى: فإن قلت: هؤلاء قبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله عز وجل، ولا نجعل له ندًا. نحن لا نشرك بالله عز وجل، ولا نجعل له ندًا. والالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس بشرك. هذه شبهة، وهذه دعوة، وهذا زعم من أولئك القبورية يقولون: هؤلاء كما ذكر: نحن لا نشرك بالله شيئًا، نحن لا نجعل لله ندًا. والله جل وعلا يقول: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، نحن لا نجعل لله ندًا. ثم يقولون: ماذا؟ والالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس بشرك. أي: اعتقد في الأولياء أنهم ينفعون من دون الله جل وعلا، أو يضرون، أنهم يغيثون من استغاثهم، ويجيبون من دعاهم، ويفرجون كرب المكروبين، ويرزقون من استرزقهم، إلى غير ذلك من المعاني. يقول: كل هذا ليس بشرك. هذا ليس بشرك، ولا جعلنا لله جل وعلا أندادًا. فإذا لم يكن هذا شركًا، فما هو شرك؟ إذا لم يكن هذا هو شركًا، فما هو شرك؟ لذا يقول الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: قال قلتم: نعم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. أي أنهم يزعمون أنهم لم يشركوا بالله جل وعلا، بأفواههم، بأقوالهم، ولكن قلوبهم معبدة لمن معبد لغير الله جل وعلا، متعبد لمن متعبد لغير الله جل وعلا، معتقد في غير الله جل وعلا، متوجه إلى من متوجه إلى غير الله جل وعلا، متوكل على غير الله جل وعلا، ملتجئ إلى غير الله جل وعلا، معتمد على غير الله جل وعلا. ثم يقول قائلهم: أنا لست بمشرك، وهذا ليس بشرك. تعالى الله عما يقول الأفاكون علوًا كبيرًا. قال رحمه الله: قلت: نعم، يقولون بأفواه ما ليس في قلوبهم. لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك، جهل ومغالطة. وإلا هذه الأمور كما هو ظاهر، هي ظاهرة جلية كالشمس في رابعة النهار، ولكن قد تخفى أنوارها على العميان ممن عميت أبصارهم، إما بهوى النفس، وإما بتقليد الكبراء والسادات. قال رحمه الله تعالى: لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك. فإن تعظيمهم الأولياء، ونحرهم عند قبورهم، شرك. هذا الفعل شرك. والله تعالى يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أي: لا لغيره. كما يفيدهم تقديم الظرف. ومعنى تقديم الظرف، أي تقديم الجار والمجرور. فالظرف هاهنا معناه أوسع من المعنى الذي يذكره متأخرو النحاة. فإن متقدمي النحاة، سيباويه وغيره، يذكرون الظرف ويدخلون فيه الجار والمجرور. قال رحمه الله تعالى: يعني في قوله: ﴿لِرَبِّكَ﴾، اللام حرف جر، وربك مجرور بحرف الجر، وهو مضاف، والكاف مضاف إليه، وهو متعلق بماذا؟ متعلق بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾. فقدم ما حقه التأخير. وقاعدة عند البلاغيين أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. لذا قال: أي لا لغيره. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أي: لا لغيره. أي: فلا تصلي إلا لله، ولا تنحر إلا لله. فمن نحر لغير الله جل وعلا، فقد صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله جل وعلا، وهو الشرك بالله. قال رحمه الله تعالى: ويقول تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وهؤلاء دعوا مع الله جل وعلا، دعوا أناسًا كثيرين، بل ودعوا مخلوقين كثيرين. دعوا أشجارًا، دعوا أحجارًا، دعوا فسقة، دعوا أولياء، قد يكونون كذلك، وقد يكونون في زعمهم إلى غير ذلك. قال: وقد عرفت بما قدمنا قريبًا أنه قد سمى الرياء شركًا، فكيف بما ذكرناه؟ فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون، وصاروا به مشركين. ولا ينفعهم قولهم: أنا لا أشرك بالله شيئًا؛ لأن فعلهم أكذب قولهم، والعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالألفاظ العارية عن الحقائق. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.